"الإسلام السياسي" و"نظام المِلَّة العثماني"../ علي جرادات

"الإسلام السياسي" و"نظام المِلَّة العثماني"../ علي جرادات

بعد هزيمة الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى، وتفككها، وتقاسِم الدول الاستعمارية الغربية لتركتها، بوصفها "رجلاً مريضاً"، أعلن مصطفى كمال، (أتاتورك) عام 1923 قيام الجمهورية التركية الحديثة مستلهماً المفهوم الأوروبي الحديث لبناء الدولة-الأمة، المُوحِّدة لأتباعها وفقاً لنظام سياسي يعتبرهم أفراداً أحراراً متساوين، أي مواطنين، بمعزل عن انتماءاتهم الدينية والطائفية والمذهبية والجنسية والاثنية. بهذه الخطوة التاريخية أنهى أتاتورك قروناً من نظام المِلَّة والسلطنة العثماني الذي يحدد،( كما النظام الارستقراطي الأوروبي في العصور الوسطى)، الانتماء الديني كانتماء أول، "له، (بكلمات صفية سعادة)، الأفضلية القانونية، وبالتالي الحقوقية، لكل أتباع السلطنة العثمانية: فالمسلم السني التركي والمغربي والعراقي، مثلاً، تجمعهم القوانين الشخصية ذاتها في مواجهة قوانين أخرى تتحكم بالشيعي والأرثوذكسي والماروني وغيرهم من الملل".

وليس تزيُّدا القول: لقد كان العرب أكثر الأمم تضرراً من نظام الملة والسلطنة العثماني هذا، حيث أدى خضوعهم له لمدة أربعة قرون إلى تدمير المجتمع العربي، وإلى الحيلولة دون تأليف لحمة قومية بين أفراده. وتعالى المفعول الكارثي لهذا النظام بواقع أن دول الاستعمار الغربي، لم تقم فقط بتقسيم وتقاسم الوطن العربي، وإفشال محاولة العرب إقامة دولة- الأمة الحديثة، بل، وقامت أيضاً بتكريس نظام الملة العثماني هذا وترسيخه في الأقطار العربية على صعيد المجتمع وإدارة الدولة في آن، بوصفه أداة أساسية من أدوات السيطرة على المجتمعات العربية واستتباعها ونهب ثرواتها، وبوصفه أحد العوائق الأساسية في طريق بناء الدولة العربية المدنية الديمقراطية، ذلك بتكريس ما خلقه من انقسامات عمودية داخل المجتمع الواحد، تمنعه من بناء مفهوم المواطنة، وبتعزيز ما أسبغه من سلطة لا متناهية لرجال الدين والطائفة والمذهب والجهة الجغرافية والأصل الإثني، باعتبارها سلطات موازية لسلطة الدولة المضطرة والحالة هذه إلى مراعاتها والتغاضي عنها، بل، والخضوع لمشيئتها أحياناً، خاصة وأن السلطات العربية ما بعد الاستقلال، ظلت، (وإن بتفاوت لا يلغي الاتجاه العام)، تتصرف كسلطات قوامة على الدولة، ومرجعاً لها، وليس العكس الذي يتطلبه المعنى الحديث لعلاقة السلطة بالدولة.  
             
على أية حال، فتحت الانتفاضات الشعبية العربية أفقاً جديداً للتغيير بمعانٍ عدة، بينها تصويب علاقة الدولة بالسلطة، فضلاً عن تصويب علاقتها بما يوازيها من سلطات دينية وطائفية ومذهبية، بحيث تصبح الدولة العربية، (كما يفترض المعنى الحديث للدولة)، مرجعاً للسلطة وفوقها، وقوامة عليها، باعتبار ذلك الشرط الأساس لإنهاء عقود من ممارسة سيطرة سلطة الفرد أو الحزب أو الجماعة على الدولة. ولكن هذا المعنى من معاني التغيير المنشود لم يصطدم فقط بعائق التدخلات الغربية بقيادة الولايات المتحدة، بل، واصطدم أيضاً بعائق أن حركات "الإسلام السياسي" الفائزة بسلطة ما بعد أكثر من انتفاضة، ما زالت تشتق تصوراتها لعلاقة السلطة بالدولة من تصورات نظام الملَّة والسلطنة العثماني كنظام حافظت عليه دول الاستعمار الغربي ورسخته في واقع الأقطار العربية بعد تفكك الإمبراطورية العثمانية، وتبنته بعض الأنظمة العربية، وتأثرت به، وغازلته، وتغاضت عنه، ولم تقطع معه كلياً، (وإن بتفاوت)، بقية تلك الأنظمة، بعد إعلان استقلال الدول العربية تباعاً في منتصف القرن العشرين المنصرم.

   لئن كان هذا هو النظام الذي يشتق منه "الإخوان"، (بتفرعاتهم)، تصوراتهم لإدارة الدول التي فازوا بسلطاتها، فإن من الطبيعي ألا يتفقوا مع بقية ألوان الطيف الفكري للمجتمع السياسي والمدني حول مضامين دساتير هذه الدول، بل، ومن الطبيعي حدَّ البداهة أن يحاولوا التقرب من النظام السعودي الوهابي، بحسبان أن "السعودية راعي المذهب السني الوسطي ومصر حاميته" كما صرح، (علناً)، الرئيس المصري، مرسي؛ وأن يحاولوا التقرب من، بل التحالف مع، تركيا السنية برغم عضويتها في حلف الناتو؛ وألا يبادروا إلى إعادة تطبيع العلاقة مع إيران الشيعية رغم أنها مستهدفة من أمريكا وإسرائيل، إذ لم يتورع الرئيس المصري، مرسي، عن إسباغ الطابع المذهبي على خطابه أمام اجتماع منظمة عدم الانحياز في طهران؛ وأن يحاولوا التحالف مع التيار السلفي ضد التيارات المدنية، بحسبان أنه ينتمي للمذهب السني ذاته الذي ينتمون إليه، وأن خلافهم معه لا يتجاوز الخلاف حول وسائل بلوغ ما يجمعهم به من هدف مشترك، ("أسلمة المجتمع")، وما أقوال الغنوشي في الغرف المغلقة الخاطبة لود قادة السلفيين إلا دليلاً آخر على أن سلطات "الإسلام السياسي" كافة، بما فيها الموصوف بــ"الأكثر اعتدالاً"، (إنما دون تمحيص كما يبدو)، ما زالت، (خلافاً لظاهر خطابها)، تتمسك في الباطن والممارسة بتصورات "نظام الملة والسلطنة العثماني" لإدارة الدولة، وهو النظام العتيق الرافض من حيث المبدأ اعتبار جميع أتباع "الملل" مواطنين، أي أفراداً أحراراً متساوين يوحدهم الانتماء لشعب واحد، والعيش في وطن مشترك، بصرف النظر عن تباين انتماءهم الديني، الطائفي، المذهبي، والجنسي، والاثني.
  
إزاء ما تقدم يضطر المرء للتساؤل: هل حركات "الإسلام السياسي" مجرد حركات "تديين للسياسة"، أم هي أيضاً، وإلى جانب ذلك، حركات " تسييس وتوظيف للدين"؟! السؤال محير، ويحتمل تأويلات مختلفة، لكنه في الحالات كافة يؤكد أن هذه الحركات ليست حركات تغيير اجتماعي، (فما بالك أن تكون حركات التغيير الثوري)، بل هي حركات سياسية تتوسل الدين وتستخدمه في السعي إلى التفرد بالسلطة والسيطرة على مفاصل الدولة، المرادف للسعي إلى إعادة إنتاج "دولة السلطة" المغايرة لـ"سلطة الدولة" التي أفضى نفيها في عهد الأنظمة العربية السابقة إلى انطفاء المجتمع والمواطنة والسياسة في آن، ذلك لأنه لا يمكن توحيد المجتمع على أساس أن أفراده مواطنون أحرار متساوون يمارسون حياة سياسية حرة وطليقة، إلا حينما تكون الدولة مرجعاً يجسد فكرة تساوي الحقوق وتساوي الواجبات، أي حينما لا تكون سلطة بعض الأفراد أو الأحزاب، أو الجماعات مرجعاً لهذه الدولة أو فوقها أو قواماً عليها. يقول فيصل دراج في كتابه، (الحداثة المتقهقرة): "إذا كانت سلطة الدولة تضع في داخلها كل شيء، ولا تترك لخارجها، أي للمجتمع، شيئاً، فإن كل فعل مؤسساتي تقوم به يتسم بشكلانية مطلقة، أحياناً، أو بشكلانية نسبية، في أحيان أخرى. فقد تتحول الصحف المتعددة، في غياب الحوار المجتمعي، إلى صحيفة واحدة، والأحزاب المتعددة إلى حزب، له أكثر من وجه، والمؤسسات النقابية إلى مؤسسات شكلانية تلبي حاجات دولة السلطة، ولا تلبي من حاجات المجتمع شيئاً. وفي سياق كهذا، فإن الأحزاب السياسية والنقابات، كما الانتخابات، لا تعبر عن حاجات المجتمع، بل، تحيل إلى السلطة المركزية، التي تترجم حاجات المجتمع الحقيقية بكلمات وهمية". وهي ذات الكلمات الوهمية التي ما انفك يطلقها قادة "الإخوان"، ومن خرج من عباءتهم، من على شاشات الفضائيات وصفحات الكتب والمجلات والصحف عن الحرية والديمقراطية والثورة والحداثة.                                 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018