اغتصاب بلد/ رامي صايغ

اغتصاب بلد/ رامي صايغ

عــ48ـرب

مَن منّا لا ينتابه الشعور بالغضب والإحباط وخيبة الأمل والألم النفسيّ وأحيانًا الجسدي بسبب كل ما يحصل في السنوات الأخيرة من عنفٍ وقتلٍ في بلدتنا الحبيبة يافا؟

هذه البلدة التي سطع نجمها بشكل خاص قبل حوالي مئة سنة وأصبحت العاصمة الفلسطينيّة الغير رسميّة (لولا قدسيّة القدس لأصبحت العاصمة الرسميّة) بسبب الصحوة الثقافيّة والتجاريّة والتربويّة والرياضيّة والدينيّة والإجتماعيّة وغيرها، هذه البلدة تحوّلت بين يوم وليلة إلى يتيمة، فقيرة و...مُغتصبة.

نعم مُغتصبة بكل معنى الكلمة، لأنّه تم إغتصابها بأبشع وأشنع الطرق من قبل العدو الصهيونيّ قبل أكثر من 64 عام، وللأسف ما زالت تُغتصب حتى يومنا هذا تحت أعيننا ومسامعنا، إذ يستمرّ العنف اللامتناهي ويستمرّ إغتصاب بلدتنا الحبيبة يافا التي ما زالت تعيش النكبة بسبب جَهل شعبنا وغرقه في عالم الإجرام وضياع الأخلاق والعنف اللامتناهي.

في أوضاع مثل هذه الأوضاع يتم طرح العديد من الأسئلة التي تجري في أذهاننا، ولا بد أن نسأل أنفسنا هذه الأسئلة: لماذا؟ لماذا يستمر تفشي العنف في مجتمعنا العربيّ واليافيّ؟ لماذا تُصبح العائلات اليافيّة المُحترمة "خرسا، عميا، طرشا" أثناء وبعد أعمال العنف؟ لماذا نرى دائمًا نفس السيناريو الذي تخضع فيه الناس المُحترمة للناس السافلة والقبيحة؟ لماذا "ولاد الحلال" أقل من "ولاد الحرام"؟ ولماذا "ولاد الحرام" يتغلّبوا على "ولاد الحلال"؟

أسئلة عديدة تتدفّق في أفكارنا، ولا سيّما الأسئلة عن دور الشرطة والمحاكم، ولا بدَّ من أن نطرحَ هذه الأسئلة أيضًا، لأنّه لا توجد دولة في العالم تريد خلق أجواء عنيفة في منطقتها مثلما يحصل في الوسط العربي. ولكن في كل ما يتعلّق بنيّة هذه الدولة، فالجميع يعلم أنّه ليس من مصلحتها أن تحل مشكلة العنف العربيّ طالما تعاملت مع العرب كأعداءٍ لها، لذلك في هذه الحالة يصح إستعمال المقولة الشعبيّة والمشهورة:"حاميها حراميها". من خلال هذا الإستنتاج يجب أن نعي أنًّ الشرطة العبريّة ليس من مصلحتها إصلاح الشارع اليافي، ولا يوجد لديها هدف مشترك لمصالحنا. لذلك، حتى لو ضغطنا جميعنا على قيادة الشرطة نهارًا وليلاً، نحن نعلم في داخلنا أنّها لا تود إيقاف شلاّل الدم اليافي.

على الرغم من ذلك، أنا لست ضد الإتّهامات التي توجّه للشرطة والمحاكم، لأنّها هي أيضًا مسؤولة في تقصيرها بكل ما يتعلّق بمكافحة الإجرام والعنف بشكل عام.

أحد الحلول للخروج من مأزقنا هذا هو التربية والتعليم. نحن نعلم أنَّ هذا المجال أصبح أيضًا من المجالات المتدهورة نسبيًا لسنواتٍ مضت، لذلك نرى أكثر وأكثر تفشي الإجرام في مجتمعنا العربي الذي تدهور وضعه الأخلاقيّ بسبب الأميّة والجهل والفقر والإجرام وغيرها من الآفات التي عشّشت في مجتمعنا العربي.

طالما الجميع يُدرك هذه المعادلة (أو على الأقل الأغلبيّة الساحقة تعلم ذلك)، لماذا لا يتم العمل جديًّا وبقوّة من أجل إنقاذ يافا من الغرق؟
الإجابة هي أنَّ أهلنا الأفاضل لا يعطوا أهميّة قسوى لهذا المجال مثلما كانوا أهالينا وطواقم التدريس في السابق. نعم، هذه هي الحقيقة المُرّة والمؤلمة والمؤسفة، فاليوم عصرالسرعة أثّر سلبيًا على نهج حياة العائلات المدنيّة وحتى القرويّة، وسرعان ما أصبح تفكّك بنيوي في الإطارالدافىء والحاضن، ألا وهو العائلة. من دون هذا الإطار الأساسيّ والحيويّ، لا يوجد أمل للمستقبل، فالعائلة إذا حافظت على هيكلها ولكن إنتُزعت روحها منها مثل روح المحبّة والعطاء والتضحية والشقاء والمساعدة وغيرها، لا فائدة منها.

نعم، ما زالت هناك عائلات محافظة على هيكلها وروحها، ولكن هذه العائلات أصبحت الأقليّة في مجتمعنا العربيّ، لأنَّ الإجرام والفقر والجهل لا يأتي من عائلات متينة وصلبة ومحافظة، إنّما يأتي من عائلات مُشرذمة، ضعيفة وغير صالحة لإنجاح مشروعها، ألا وهو تنشئة أجيال المستقبل الصالح.

طالما بقي وضعنا في يافا في هذا الإتّجاه، وطالما أصبح اللوم على المدارس بدلاً من أن يكون اللوم على العائلات أنفسها، وطالما تدهورت الأوضاع العائليّة الداخليّة وتفكّكت البنية الأساسيّة، فلا وجود لأفقٍ يحل هذه الأزمة المتفشيّة في مجتمعنا اليافيّ والعربيّ.

في النهاية أود أن أقول أنَّ الإنسان يجب أن يبدأ من تصحيح نفسه، لأنّه لا يستطيع أن يصحّح أخيه أو أخته أو إبنه أو إبنته إذا طريقه لم تكن مستقيمة وصحيحة. والجميع يعلم أن يدًا واحدةً لا تصفّق، أي أنَّ شخصًا صالحًا لا يستطيع أن يُصحّح مجتمعًا كاملاً، فالجماعة يجب أن تدعم بعضها البعض من أجل بناء مستقبلٍ زاهٍ وراقي، بعيدًا عن التشرذم والأعمال السيّئة كالعنصريّة والكراهيّة والعنف وغيرها.

وأخيرًا وليس آخرًا أوّد أن أنوّه أن هذه المعركة هي بين الخير والشرّ ولا بدّ لأهل الخير أن يتّحدوا لنصرة الخير.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018