دلالات رسالة مرسي إلى بيرس../ علي جرادات

دلالات رسالة مرسي إلى بيرس../ علي جرادات

منذ سنوات وقادة إسرائيل ماضون في مضاعفة ممارسة سياسة العربدة، الصلف، التطرف التوسع، والعدوان. فمن تكثيف عمليات الاستيطان والتهويد والتقتيل والاعتقال في الضفة والقدس وإحكام الحصار على غزة، وتصعيد الاعتداءات العسكرية عليها، إلى تهديد الأمن القومي المصري، إن كان بالمعنى العسكري عبر قتل الجنود المصريين في سيناء أو بالمعنى المائي عبر العبث بمنابع مياه النيل، أو بالمعنى المخابراتي عبر تجنيد شبكات التجسس، إلى لعبِ دور في  تقسيم السودان وانتهاك سيادته بشن أكثر من اعتداء جوي على أهداف داخل أراضيه، وآخرها تدمير معسكر لتصنيع الأسلحة،  تماما كما فعلت حين دمرت منشأة عسكرية سورية في العام 2007، بما يذكر بتدمير المفاعل النووي العراقي في العام 1981.

وأكثر من ذلك، فإن قادة إسرائيل ما انفكوا يتأهبون لشن المزيد من الحروب، ويهددون بتوجيه ضربة عسكرية لإيران أو تنفيذ عملية عسكرية "أوسع وأعمق" داخل غزة أو شن عدوان جديد على لبنان، بل، والتلويح بالتدخل العسكري المباشر في ما يجري في سوريا في حال حركت أو نقلت جزءاً من أسلحتها الكيماوية. هذا فيما تواصل المؤسسات الدولية الصمت على هذه الممارسات الإسرائيلية العدوانية التوسعية بضغط من الدول المسيطرة على قراراتها، وبالذات من الولايات المتحدة التي لم يجمع مرشحا الانتخابات الرئاسية فيها على قضية مثل اجماعهما على التعهد بالحفاظ على أمن إسرائيل وتفوقها على ما عداها من دول المنطقة.

إذاً ثمة تحدٍ إسرائيلي لا لبس فيه، لا يواجه الفلسطينيين المنقسمين على أنفسهم وحسب، بل يواجه أيضاً دولا عربية عدة، وأولاها مصر بوصفها أكبر دولة عربية أطاحت انتفاضتها الشعبية رئيسها السابق، وجاءت بـمرشح "الإخوان"، مرسي إلى رئاسة الدولة. هنا لم يكتفِ "الإخوان" بتخييب آمال شعبهم الذي حملهم على كتفه إلى السلطة، بتبنيهم للسياسة الاجتماعية الاقتصادية ذاتها للنظام السابق، بل، وخيبوا آمال شعوب الأمة كافة، أيضاً، حيث لم يتجرأوا على إحداث تغيير ذي معنى في إدارة الصراع العربي الإسرائيلي، وجوهره القضية الفلسطينية، إذ ما انفك الرئيس المصري، مرسي، كرئيس لأكبر دولة عربية، يرسل إلى إسرائيل، (وعبرها إلى الولايات المتحدة)، برسائل تؤكد حرصه على "السلام" و"حسن الجوار" و"الالتزام بشروط اتفاقية كامب ديفيد" المذلة، بل، وعلى مواصلة التنسيق والتعاون الأمني بصورة فاقت ما قام به الرئيس المصري السابق، مبارك، باعتراف أكثر القادة الإسرائيليين تطرفاً، وإلا ما معنى أن يقول وزير التخطيط الإستراتيجي في حكومة نتنياهو، ورئيس أركان الجيش سابقاً، موشي يعلون: "إن المصريين برئاسة مرسي طلبوا إجراء تعديل على بعض بنود اتفاقية كامب ديفيد، وإن القيادة الإسرائيلية رفضت هذا الطلب، وإن الرئيس المصري تفهم الرفض الإسرائيلي الذي لن يتغير"؟

إذاً ليس تزيّداً القول: إن مصر مرسي ما زالت تتبنى سياسة مصر مبارك ذاتها تجاه إسرائيل، أي تجاه القضية الفلسطينية، ما يعني أن الرسالة الدافئة التي أرسلها مرسي بوصفه رئيساً لدولة مصر إلى بيرس بوصفه رئيساً لدولة إسرائيل لا تعدو كونها تعبيراً عن أن تغييراً ذا معنى لم يطرأ على مضمون السياسة المصرية تجاه إسرائيل والصراع معها. أما لماذا؟ فلأن الطابع الدافئ للرسالة هو، وإن شكل فضيحة سياسية كان يتجنبها حتى الرئيس المصري السابق، مبارك الموصوف  إسرائيلياً بـ"ذخر إسرائيل الإستراتيجي في المنطقة"، فإن السؤال الأهم هو: لماذا استعجل الرئيس مرسي أصلاً على إعادة السفير المصري إلى إسرائيل بينما ما انفكت قيادتها تمارس سياسة التوسع والعدوان إياها في فلسطين ومصر بخاصة، وفي المنطقة العربية بعامة؟ بل، ولماذا الاستعجال على إعادة السفير المصري إلى إسرائيل بلا مقابل ولو في حدود إجراء تعديل على أكثر بنود اتفاقية كامب ديفيد إذلالا وإجحافا؟

هنا، بمقدور الرئيس المصري، مرسي، الرد على الانتقادات المصرية والعربية الواسعة ومتعددة المشارب التي تعرض لها بسبب الطابع الدافئ للرسالة، بالقول: "لست ممن يلتفتون لصغائر الأمور". و"إنما الرجال هم المواقف، ومواقف المصريين ورئيسهم تجاه الفلسطينيين وقضيتهم معروفة وواضحة"، لكن هذه الأقوال وسواها من "الخُطَب الرنانة" لا تعدو كونها شكلاً من أشكال خطاب الانتصار بالكلمات للتغطية على عدم التجرؤ على مواجهة تحديات الواقع بالأفعال. فمن على قاعدة "إنما الرجال هم المواقف" ذاتها، فإن على الرئيس المصري وجماعة "الإخوان" أن يجيبوا بالفعل قبل القول عن سؤال: ما هي سياستهم البديلة لسياسة النظام السابق على صعيد إدارة الصراع مع إسرائيل المتحدية والممعنة قيادتها، برعاية أمريكية، في تطرفها وصلفها وعنجهيتها، خاصة بعد أن برهنت تجربة ثلاثين عاماً على عقم الرهان على أن الولايات المتحدة كنظام سياسي، وليس كحكومات فقط، في وارد الضغط على قادة إسرائيل، أو في وارد إجبارهم على تنفيذ القرارات الدولية ذات الصلة بالصراع  العربي الإسرائيلي عموما، وبجوهره، القضية الفلسطينية، خصوصاً؟ هنا يكمن بيت القصيد في ما يتعرض له الرئيس المصري، مرسي، وجماعة "الإخوان المسلمين" من انتقادات، فمع تسلمهم للسلطة في أكثر من دولة عربية، وخاصة في مصر،  صاروا على المحك، ولم يعد مقنعاً الرد على الانتقادات الموجهة لهم "بـخَطب المساجد" التي تصنع بالكلمات المجردة انتصارات وهمية، بينما يلح واقع الصراع وتحدياته الملموسة على بناء وممارسة خطاب سياسي ملموس واضح المعالم يستجيب للتحديات المفروضة.

في مقابلة مطولة مع فضائية "الميادين" وصف القيادي ا"لإخواني" السابق، عبد المنعم أبو الفتوح، سياسة الإخوان في إدارة الصراع مع إسرائيل بالعقيمة، لأنها ما انفكت تستجيب على غرار ما فعل النظام السابق لضغوط الولايات المتحدة وابتزازاتها، وكأن مصر قبل ثورة 25 يناير 2011 هي مصر ذاتها بعدها. وأضاف بأنه على علم بما يتعرض له الرئيس مرسي من ضغوط خارجية وداخلية على هذا الصعيد. وأكد أنه لو قيض له النجاح في انتخابات الرئاسة المصرية لما قبل الرضوخ لهذه الضغوط كما يفعل الرئيس مرسي. وأوضح أن مرسي منذ تولى منصبه لم يتصل به، أو بأي من القيادات الوطنية المصرية البارزة، للتشاور معهم حول تحديد سياسة مصر تجاه الولايات والمتحدة وإسرائيل، وقال: إن تشاور مرسي هنا يقتصر على تلقي التوجيهات من قيادة "الإخوان" التي تساوي مصر بالجماعة والفلسطينيين بحماس، ما يعني أن رسائل مرسي لطمأنة قادة إسرائيل، (وآخرها رسالة المحبة والغرام إلى بيرس)، هي عملياً رسائل طمأنة من جماعة "الإخوان" إلى الولايات المتحدة. وهذا طبيعي حدَّ البداهة ما دامت الجماعة تساوي مصر بنفسها على ما يقول أبو الفتوح الأدرى من الجميع بالفكر السياسي لهذه الجماعة بعامة، ولقيادتها الحالية بخاصة.                   
                                                                    
 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018