لا وألف لا لتجنيد المسيحيين العرب../ د. جوني منصور

لا وألف لا لتجنيد المسيحيين العرب../ د. جوني منصور

ليست هذه هي المرة الأولى والوحيدة التي تحاول فيها المؤسسة الإسرائيلية طرح موضوع تجنيد المسيحيين العرب، إذ أن لها جولات وصولات سابقة في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي كان مصيرها الفشل الذريع. ولكن بالرغم من الفشل الذي يصيب هذه المحاولات إلا أن اليأس لا يعرف طريقه إلى ربابنة المشروع الصهيوني ولا يرفعون أيديهم مطلقا عن محاولات جديدة أخرى. وها هي محاولة أخرى أشد شراسة من سابقاتها تنفذها المؤسسة الرسمية بحضور علني لكاهنين من أكبر طائفتين مسيحيتين عربيتين في الوطن، إضافة إلى عدد من أصحاب مناصب اجتماعية وتربوية وكشفية. والدعوة الأساسية هي الاعلان عن تجنيد مسيحيي الوطن للجيش الاسرائيلي. وتم جذب عدد من الشباب المسيحي من قرى ومدن الجليل للمشاركة في الاجتماع ومن ثم التجند في جيش الاحتلال الاسرائيلي.

قد يبدو هذا الخبر عاديا فيما لو لم تحضره شخصيات دينية وهي تمثيلية وليست ذات صفة شخصية بالمرة، وإلى جانبها رؤساء حركات كشفية وغيرهم. ولكن في واقع الأمر إن الخبر ليس عاديا، وأن الحدث ليس عاديا هو الآخر، إذ أن هناك مخططا رهيبا لتفكيك وحدة المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل المؤلف من فسيفساء جميلة جدا، لسنا معتادين على تسميتها دينيا، لأن هذه الوحدة أثبتت مرة تلو الأخرى أنها الوصفة الوحيدة التي توفر الحماية لشعبنا بكل مركباته. لا تستطيع المؤسسة الاسرائيلية أن تدخل خدرها لتنام إلا بعد أن تفكك وتفتت وحدة الفلسطينيين في الداخل من باب الطائفية والمذهبية، أليس هذا ما تم في لبنان والعراق وما يجري الآن في سوريا الحبيبة؟!

والسؤال لماذا في هذا الوقت تحديدا؟ باعتقادنا أن التوقيت ليس هو الجوهرالذي يشغل بال وفكر المؤسسة الإسرائيلية، إنما ما يشغلها مسألة سر الوحدة والترابط والأخوة التاريخية والانسانية والوطنية والقومية والعيش معًا الذي يجمع أبناء الشعب الواحد بالرغم من كل الملمات والمصائب التي تعرض لها هذا الشعب الصامد.

ولا بد من موقف حازم تجاه كل من يروج لتجنيد المسيحيين العرب لادعاءات متنوعة مهما كانت. فالمسيحيون العرب في الوطن هم عرب قبل أن يكونوا مسيحيين، وهم أبناء فلسطين منذ بدء الخليقة، وهم شهود على فلسطينيتهم من خلال تمسكهم بإيمانهم الديني وبقوميتهم العربية التي يعتزون بها أيما اعتزاز، إذ أنهم كانوا من أوائل الذين قبلوا المسيحية في العالم قاطبة. وشارك المسيحيون العرب إخوانهم المسلمين كل خبرات الحياة.

وأن المسيحيون العرب يرفضون حمل سلاح استعمل ويستعمل لقتل آبائهم وابناء شعبهم. استعمل في الماضي غير البعيد في عام 1948 لقتل الشعب الفلسطيني لغير ذنب اقترفه هذا الشعب سوى انه أحب وطنه وما يزال.  استعمل لقتل أبناء من عيلبون من مسيحيين ومسلمين، ولقتل شباب في الجش والمنصورة والبصة وحيفا (آخر شهيدة سقطت برصاص اليهود في حيفا كانت جولييت نايف زكا – هكذا كتب الأب بطرس فاخوري في سجل كنيسة الروم الكاثوليك).

المسيحيون العرب لن يحملوا السلاح، ولن ينخرطوا في جيش إسرائيل الذي هجّر أهالي قرى كفر برعم وإقرث  والبصة والبروة والمنصورة وسحماتا ومعلول والدامون وسيرين وبيسان وطبريا وصفد....
ولن يحملوا سلاحا ولن يتجندوا في صفوف جيش يحتل أراضي شعبهم في الضفة الغربية ويحاصر أهلهم في غزة.
ولن يتجندوا في جيش دولة تقهر شعبهم يوميا، وتفرض حصارا عنصريا وحشيا لا شبيه له في تاريخ البشرية على الإطلاق.
كيف للمسيحيين العرب أن يتجندوا في جيش مؤسسة ترفض عودة أهالي قريتي برعم وإقرث بالرغم من قرار محكمتها العليا بذلك.

يقول بعض المتعاونين والمنتفعين من المسيحيين إن الاسلام يشكل خطرا عليهم، وأن الخوف يستولي عليهم، فلما لا يتجندون ليدافعوا عن أنفسهم؟ هل قرأ هؤلاء التاريخ ليتعلموا منه شيئا لأنفسهم ولأولادهم؟ هل يعرف هؤلاء أن العرب الفلسطينيين ومعهم اليهود القدامى في فلسطين عاشوا في ظل الدولة العثمانية باحترام ودونما خوف أو قلق، واعتبرتهم الدولة مواطنين فيها؟ في حين أن من خدم اسرائيل لم ولن ينل شيئا إلا لما يعود بالفائدة على إسرائيل فقط. وهل نسي هؤلاء كيف أن جيش حكومة إيهود براك تقهقر ليلا في عام 2000 وانسحب مهزوما من لبنان تاركا وراءه المسيحيين الذين انخرطوا في صفوفه لمدة ربع قرن؟ أين هم هؤلاء المسيحيون الذين اعتقدوا أن إسرائيل حاميتهم؟ منهم من يقيم في البلاد متخذا أسماء مستعارة، ومنهم من تهود ومنهم من لم يجد لقمة عيشه فترك وهاجر إلى بلاد أخرى، في حين أن الذين طلبوا العودة إلى لبنان نالوا عفوا وتم احتضانهم بكل تفهم ومحبة وأخوة وطنية لبنانبة.

بالمقابل، وعلينا تذكير كل هؤلاء الذين شاركوا في هذا الاجتماع المرفوض والمنبوذ، أن المسيحيين العرب ليسوا إضافة على الشعب العربي الفلسطيني، إنما هم من صُلبه وجوهره. وأنهم ليسوا حالة طارئة، بل هم أبناء الوطن الأصليون. وأنهم ليسوا حالة مؤقتة، بل هم أصحاب وطن وأصحاب قضية.

ما حل على الشعب الفلسطيني من كارثة ومصيبة كبرى في عام 1948 تتحملها اسرائيل، كان على المسلمين والمسيحيين سواء. بل هناك من أجرى حسابات دقيقة فتبين أن ما نهبته إسرائيل من المسيحيين العرب كان بمقاييس كبيرة جدا. آلاف المحلات التجارية في حيفا والرملة واللد ويافا وبيسان وصفد وطبريا والقدس الغربية، وعشرات آلاف الدونمات من الأراضي في المدن والقرى، وصودرت كميات من الأموال والأملاك المنقولة لا تقدر بثمن. ولم تتوقف آلة النهب الإسرائيلية حيث استمرت في مصادرة الأراضي في الخمسينيات والستينيات لادعاءات باطلة وكاذبة. وفقدت عشرات بل مئات العائلات العربية المسيحية  أملاكها على يد المؤسسة الإسرائيلية. وتم تحويل شباب العائلات المسيحية العربية إلى عمال بسطاء وموظفين عاديين في إسرائيل بعد أن كانوا أصحاب أملاك ومصالح، ولهم دور اقتصادي وسياسي وتربوي واجتماعي. واقتلعت آلاف العائلات من بيوتها وأراضيها بعد أن عاشت فيها آلاف السنين.

ومن ناحية أخرى، لا يمكن للمسيحيين العرب التجند في جيش دولة فعلت بهم هكذا فعلة أسوة بباقي أبناء الشعب العربي الفلسطيني على مر العقود الستة الأخيرة.

من هنا ندرك أن المشروع الصهيوني الاحتلالي خطير جدا على المسيحيين العرب كما هو خطير على باقي أبناء الشعب الفلسطيني. فإسرائيل نفسها عرّفت المسيحيين بأنهم عرب، وتتعامل معهم هكذا. فأي حقوق إضافية حصل عليها المسيحيون في إسرائيل بكونهم مسيحيين؟ لا شيء مطلقا. تمييز فاضح في قروض الإسكان، تمييز فاضح في التوظيف، وتمييز في فتح فرص جديدة للتعلم. في حين أن خدمة كبيرة وفرتها المؤسسات الخاصة القائمة والفاعلة في أوساط الطوائف المسيحية كانت ضمانة ومساهمة جليلة لكل أبناء شعبنا الفلسطيني لنيل تعليم راق وتربية كريمة. ولولا هذه المؤسسات التربوية لكان شعبنا العربي الفلسطيني أسير رحمة إسرائيل، إن كان لديها شيء من الرحمة.

وأمر إضافي يجب أن يعرفه كل عربي في كل أنحاء العالم العربي بل المعمورة، إن الادعاء الإسرائيلي الدائم أن المسيحيين العرب لم يتعرضوا لأي شيء في عام 1948، وأن عددهم بقي كما هو، هو ادعاء كاذب وباطل وملفق. والهدف من هذا الادعاء واضح، لفسخ وحدة الشعب الفلسطيني بمسلميه ومسيحييه. ولكن ببحث أجريناه من مدة تبين أنه في العام 1945/1946 بلغ عدد المسيحيين العرب في فلسطين 143 ألفا. منهم حوالي 50 ألفا في الضفة الغربية. أي قرابة 90 ألفا في فلسطين التي جُعلت إسرائيل لاحقا. ولكن في إحصاء إسرائيلي من العام 1949 أجراه مكتب الإحصاء المركزي في إسرائيل (وكان الأول الذي يجريه بعد إعلان إقامة إسرائيل) تبين أن عدد المسيحيين العرب لم يتجاوز الأربعين ألفا. معنى ذلك أن أكثر من 60% من المسيحيين العرب الفلسطينيين تم ترحيلهم عن وطنهم، وأصبحوا لاجئين ومشردين في لبنان والأردن وسوريا كباقي الشعب الفلسطيني. فلو لم تقع النكبة لكان عدد المسيحيين العرب في فلسطين في عام 2012 ما يزيد عن سبعمائة الف نسمة. ما هو عددهم اليوم؟ أقل من 130 ألفًا. فليجري كل واحد حساباته؟

مقالنا ليس في باب الدفاع عن المسيحيين العرب بقدر ما هو تعبير عن موقف وطني وقومي وإنساني نظيف ونقي وشفاف. وليس المسيحيون بحاجة في كل مرة إلى فتح صفحات التاريخ ليقولوا للناس من هم وما هي مواقفهم ومن هي أشهر الشخصيات القومية والوطنية التي كان لها دور عبر التاريخ العربي في القرن العشرين.  

وبالرغم مما جرى، حري بالقيادات السياسية والاجتماعية الوطنية الاستماع إلى أصوات الشباب المسيحي العربي والتعرف على همومهم ومشاكلهم وأزماتهم. هذا هو دورنا في عدم ترك أي فرد وحيدا ليلقى نفسه في أحضان مروجي التجنيد أو الخدمة المدنية. 

لهذا، موقفنا هنا هو شجب واستنكار ورفض قاطع لقيام رجال دين مسيحيين ومسؤولين وأصحاب مناصب بالاستجابة لدعوات التجنيد والترويج له (للتجنيد)، فهم بفعلتهم هذه لا يمثلون إلا أنفسهم، ولن نقبل بأن يمثلوا طوائفهم مستقبلا. ونشيد بكل أبناء شعبنا العربي الفلسطيني إلى عدم التخوين والقذف والتشهير والتعرض لكرامات الناس، إنما السعي الحثيث إلى تعميق الوعي برفض مشاريع التجنيد بكل أشكالها سواء للخدمة المدنية أو العسكرية وما شابه، والعمل على تعزيز روح الوحدة الوطنية والقومية، ومطالبة رؤساء الطوائف المسيحية بإطلاق أصواتهم معارضين ورافضين اي مشروع تجنيد لأبناء شعبنا ما دام الصراع قائما، وما دامت إسرائيل دولة احتلال وقمع وقهر لشعبنا العربي الفلسطيني الأعزل والساعي بكل عزة وكرامة نحو تحقيق مشروع دولته.

وأيضا نتوجه إلى رؤساء الطوائف المسيحية بعدم السكوت عن أي رجل دين يتبع لهم يحاول ثانية مثل هذه المحاولة أو ما يشبهها، بل اتخاذ إجراءات صارمة للغاية تجاهه. ونرفض قطعيا قيام رؤساء فرق كشفية ورؤساء جمعيات أهلية بحضور اجتماعات من هذا القبيل، لأنهم بفعلتهم هذه لا يمثلون من هم منضوون تحت مسؤولياتهم.
ونهيب برؤساء الطوائف المسيحية إلى الخروج من حالة النأي والإقصاء التي فرضوها على أنفسهم والتحفوا فيها، والسعي إلى الحق، لأن الحق يُحرر ولا يُقيد.
لهذا، لا وألف لا لتجنيد المسيحيين العرب، هذا هو شعارنا ولا تنازل أو تراجع عنه مطلقا.
 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018