يوجد بديل!../ رمزي حكيم

يوجد بديل!../ رمزي حكيم


• الجماهير العربية في الداخل، الآن، في موقع الدفاع عن النفس أمام هجمة سلطوية مؤسساتية اسرائيلية تطال كل مناحي الحياة. والمطلوب أن نتحوّل إلى موقع الهجوم!

• مطلب التحالف الانتخابي بين قائمتي الجبهة والتجمّع هو من علامات المرحلة. المخاطر أكبر من كل الأحزاب. وهذا يستدعي موقفًا نقديًا، يحيل العمل السياسي الحزبي إلى مراجعة ومكاشفة من نوع جديد، يقود إلى تحالفات مطلوبة تعطي الأمل والرؤية المستقبلية وتعيد الثقة بالمقدرة الجماعية على مواجهة العنصرية والفاشية ودولة الابرتهايد، وسياسة الحصار والإفقار وفرملة "ديمقراطية" دولة الطوارىء!


كل انتخابات هي انتخابات مصيرية. هذا مفهوم ضمنًا. لكن أدوات التفسير تكون منقوصة، وربما غير مجدية، اذا أمسكنا فقط بها وقمنا بتغييب العناصر الأخرى المرافقة التي من المفترض أن تحدد كيفية الانتقال من التفسير الى الفاعلية. ويبدو لي ان الوقائع في اسرائيل، على صعيد إقامة التحالف بين قائمتي "الليكود" و"يسرائيل بيتينو"، وانزياح المجتمع الاسرائيلي الى اليمين، واستطلاعات الرأي التي تشير إلى الإمكانيات القوية لعودة اليمين المتطرف، وقوى العنصرية والفاشية، بعد الانتخابات البرلمانية القادمة، الى مركز الحكم في اسرائيل (مع أو بدون هذا التحالف)، تستدعي موقفًا نقديًا، يحيل العمل السياسي الحزبي، بين الجماهير العربية الفلسطينية في الداخل وبين القوى التقدمية اليهودية المناهضة للصهيونية، الى مراجعة ومكاشفة من نوع جديد، لا تعتمد التفسير فقط، بل تنطلق الى الممارسة الفاعلة في مواجهة هذا الواقع، في مركزها طرح البديل أمام الجماهير العربية والقوى اليهودية التقدمية.

لكل فكرة، أو مقولة، أو مشروع، هناك حاجة الى الموجود، وتفسير الموجود، وفهم الموجود لينبني نقيضه، وبالتالي الى الحدث والجماعة والفرد والعلامة. واذا كانت الأفكار والمقولات تشرح وتفسّر، فانها قد تستحيل مجرد تأكيد، لا أكثر، وتفقد قيمتها المعرفية ما لم يُصَر الى صوغها واستثمارها بصورة فاعلة، مبتكرة ومثمرة. والمشروع الذي نتحدث عنه هو "التحالفات الانتخابية"، بين قوائم انتخابية ولا أقول أحزاب، كخطوة أولى على طريق إعادة بناء وتنظيم الحركة الوطنية في الداخل الفلسطيني، وتنظيم علاقتها مع القوى التقدمية اليهودية الحقيقية، ضمن رؤية جديدة تستدعي إقامة تحالفات في مواجهة العنصرية والفاشية ودولة الابرتهايد التي ينزاح إليها، الآن، أغلبية شرائح المجتمع العبري الاسرائيلي.

لقد فقدت الذاكرة، خلال سنوات، مصطلح العمل الحزبي المشترك، إلاّ في استثناءات خاصة، من بينها المشاركة الجماعية في أحداث لها ارتباط بذكرى. وتجنبّت الأحزاب استعمال مفهوم "التحالفات" المحمّل أكثر من اللازم بالآمال. والتجربة علّمت، بالممارسة، أن خيبة الأمل تكون أكبر في كل مرة نرفع فيها سقف التوقعات ونبني آمالاً كبيرة، بينما يكون أساسها الرمال المتحركة!

المخاطر التي تواجهها الجماهير العربية أكبر من كل الأحزاب مجتمعة. لذلك يجوز القول إنه حتى لو لم تكن انتخابات، اي حتى لو لم تتقرر انتخابات مبكرة في اسرائيل، كان على أحزابنا وهيئاتنا السياسية والتمثيلية والمدنية ان تفتش عن سبل للتعاون فيما بينها، ضمن قواسم مشتركة متفق عليها، تحاول ان تعطي أجوبة لتحديات المرحلة، وان تمنح الناس ما يحتاجونه في هذا الظرف بالذات: إعادة الثقة بالذات الجماعية، وإعادة الثقة بقدرة الفرد والجماعة على الفعل والتأثير، وإعادة الثقة بالسياسة وبالسياسيين، وبالأحزاب والتيارات السياسية، وبالمجتمع المدني وقدرته على المواجهة.

نحن، الآن، في موقع الدفاع عن النفس أمام هجمة سلطوية مؤسساتية تطال كل مناحي الحياة. والمطلوب أن نتحوّل الى موقع الهجوم! وللأسف فان فعلنا لم يتجاوز سقف "رد الفعل". والشعور العام السائد هو انه تنقصنا المبادرة، وينقصنا الفعل، وينقصنا المشروع الذي يعطي الرؤية والأمل بالمستقبل ويعزز من ثقة الجمهور الواسع بقدرته ومقدرته على المواجهة لتغيير الواقع وعلى إرباك السلطة.

اسرائيل الرسمية تتجه أكثر فأكثر نحو الفاشية. وثقافة العنصرية، وإشاعة التحريض ولغة الحقد والكراهية، هي ثقافة باتت راسخة في المجتمع الصهيوني في اسرائيل، بأغلبية أطيافه وتشكيلاته، الرسمية والحزبية والمدنية والمؤسساتية. وهي ثقافة تقوم على الخرافات وعلى شطب العربي ومحاولة محوه وعدم الاعتراف بوجوده في فلسطين التاريخية. ويكاد المجتمع الإسرائيلي، في هذه الأثناء، يعيد إنتاج الإرث الصهيوني من جديد في تعامله وتعاطيه مع الفلسطيني بشكل خاص ومع العربي بشكل عام، من خلال الانحياز إلى عقلية الاحتلال والاستيطان والعدوان والحرب، ومن خلال إعادة تأكيده على "يهودية الدولة"، وبالتالي الإيغال أكثر في الاستيطان والتهويد والتلويح بالترانسفير – الترحيل، الذي بات أغلب الجمهور العبري الإسرائيلي، بموجب استطلاعات الرأي، تؤيده كحل نهائي يجري بموجبه التخلّص من العربي و"خطره الإستراتيجي" المستقبلي على "دولة اليهود".

لقد انتقلت إسرائيل، منذ زمن بعيد، من مستوى "التفسير" الى مستوى التنفيذ. وهي تعرف، قدر المعرفة، انه لا يمكن لها ان تكون يهودية وان تكون ديمقراطية في نفس الوقت. وهي ماضية الآن في مسعاها لتأكيد وتثبيت "يهوديتها" وتجاهل ما نسبته عشرين بالمائة من مواطنيها العرب الذين بقوا في وطنهم. فعلى الرغم من الانقسامات والخصومات، والتي تظهر الآن على شكل تشكيل أحزاب جديدة في اسرائيل، بالاضافة الى القديمة، تحاول ان تخاطب شريحة الوسط، فان الغالبية الساحقة في المجتمع الاسرائيلي اليهودي موحّدة حول تطلعها ومسعاها الى الحفاظ على الطابع اليهودي لدولة اسرائيل. وهي تؤمن أن أي خلل في سياق هذا الطابع إنما يشكل تهديدًا وجوديًا لـ"دولة اليهود". هذا نجده عند "الليكود" مثلما نجده عند حزب "العمل"، ونجده عند "يسرائيل بيتينو" كما نجده عند الحزب الجديد ليئير لبيد.

لا يجوز لنا التعاطي مع "يهودية الدولة" دون الإمساك بما يشكلّه هذا التعاطي من فرملة لـ"الديمقراطية". ضمن هذا السياق استمع المؤتمر الصهيوني والوكالة اليهودية، في مؤتمر عقد بالقرب من القدس، قبل عدة سنوات، وبمشاركة كبار الشخصيات الإسرائيلية والصهيونية المسؤولة في شتى الميادين، الى مداخلة قدمها الجنرال (احتياط) شلومو غازيت، رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان) الأسبق، اقترح فيها "فرض نظام طوارئ (دكتاتوري) والنأي عن أصول اللعبة الديمقراطية.." في التعامل مع مواطني الدولة العرب لأن "نظام الطوارئ في إمكانه ان يتخذ اجراءات لا يمكن اتخاذها في اطار طريقة الحكم القائمة".

وكان مؤتمر هرتسليا قد بحث، هو الآخر، فكرة اللجوء الى تفعيل "نظام طوارئ" ضمن سياق مناقشة "الخطر العربي" على الطابع اليهودي للدولة. وأشارت خلاصات المؤتمر بوضوح الى أنه "خطر عيني وملموس عويص في مرتبة أولى من سلّم التهديد".. وان "جهاز الحكم في اسرائيل، ذلك الجهاز المطوّق بأصول اللعبة الناجمة عن ضعف الحكومة وضعف البرلمان (الكنيست)، غير قادر على أداء المهمة (مواجهة خطر العربي).. ومن غير مناخ طوارئ وخطوات طوارئ لن يتحقق الخلاص".

هذه الاستنتاجات الخطيرة، الصادرة عن مراكز الأبحاث الاستراتيجية في اسرائيل، تحيلنا الى الاتفاقية التي جرت بين "الليكود" و"يسرائيل بيتينو"، وفي صلبها العمل على تغيير نظام الحكم، بمعنى تغيير نظام الانتخابات وتحويله الى الطريقة المناطقية والنسبية لضمان شطب كل الأحزاب الصغيرة والإبقاء على التكتلات الحزبية الكبيرة. وهذا ما سيعمل عليه تحالف "الليكود" – "يسرائيل بيتينو"، في دورة الكنيست المقبلة، وبالتالي فإن هذا التوحيد – التحالف بين الحزبين ينذر بكنيست أخرى بعد الانتخابات، كنيست "دولة طوارئ" في الانقضاض على ما تبقى من الهامش الديمقراطي في "دولة اليهود"! وكنيست "دولة طوارئ" في تعاملها وتعاطيها مع العربي، وسن رزمة من القوانين العنصرية، تضاف الى ما تم سنّه في الدورة المنتهية، لتشديد الحصار على العربي، وكنيست "دولة طوارئ" في وضع المسمار الأخير في نعش "حل الدولتين"!

لقد كتب برفيسور يهودا شنهاف، الأستاذ الجامعي في قسم العلوم الاجتماعية وعلم الإنسان في جامعة تل أبيب، في سياق نقده لمحاولة الأغلبية الساحقة من المجتمع العبري في اسرائيل، حل الصراع الاسرائيلي – الفلسطيني "عبر لغة (1967)، وسط نفي وإنكار مسألة (1948)"، في كتابه الجديد الذي اختار له عنوان "في مصيدة الخط الأخضر"، الذي صدر في ترجمته العربية عن المركز الفلسطيني للدراسات الاسرائيلية "مدار"، في تشرين الأول 2011، ما يلي:

"ان رؤية حل النزاع عبر لغة (1967)، وسط نفي وإنكار مسألة (1948)، إنما تبعد الفرصة لفتح حوار حقيقي مع الفلسطينيين، كما انها لا تقدم أيضًا حلاً حقيقيًا بالنسبة للإسرائيليين، نظرًا لأنها تتجاهل المسائل المركزية العميقة في النزاع. يتعيّن من هنا على الإسرائيليين ان يواجهوا بشجاعة مسألة (1948)، إذ انها لن تزول ولن تختفي من العالم دون الاعتراف بها... (و)أعتقد، بنظرة الى المستقبل، ان الانحرافات السياسية في نموذج 1967 ستؤدي الى انهياره، والى عودة مسألة 1948 المهمشة الى جدول الأعمال، حتى لدى اليهود. وفي هذا السياق ستطرح بحدة اكبر مسائل قانون 1948 ونظام المواطنة الاسرائيلي والعنف الذي يخفيه هذا النظام. ان العودة الى مسألة 1948 من شأنها ان تضعنا في مواجهة الحقيقة المؤلمة وهي ان حرب 1948 لم تنته بعد، وان ملايين اللاجئين ما زالوا ينتظرون البت في مصيرهم ومصير أراضي وممتلكات آبائهم واجدادهم التي سلبتها دولة إسرائيل...

"ان استبدال نموذج 67 بنموذج 48 من شأنه ايضًا ان يغيّر الطريقة التي ترسم وتفهم بموجبها الخريطة السياسية في اسرائيل. فالتقسيم يتم حاليًا على أساس "يمين" و"يسار" أو "وسط"، بصورة سطحية او مجردة، يتحدد بموجبها الموقع السياسي بشكل أحادي القيمة تقريبًا، بناء على الموقف تجاه المناطق التي احتلتها اسرائيل في العام (1967)... (ان) اليسار الليبرالي يركّز حربه على المستوطنات من اجل المحافظة على اسرائيل في حدود الخط الأخضر، وهو بذلك يحكم بالنسيان على مسألة اللاجئين. كذلك فإنه لا يقدم حلا لمشروع المستوطنات، وبالقطع ليس للجوانب الطبقية والإثنية لهذا المشروع. فحقيقة ان الخط الأخضر محي من الممارسة العملية والوعي النظري، غير حاضرة في التفكير السياسي لليسار، أو في حلوله لإنهاء النزاع. ورغم مرور اكثر من أربعين عامًا منذ تلك الحرب، إلا ان اليسار الليبرالي ما زال يرى في حدود الرابع من حزيران 1967، والى المستوطنات التي اقيمت في الضفة الغربية، كوضع مؤقت، وكحادث عرضي في التاريخ السياسي لإسرائيل. كذلك فقد خلقت حرب 67 في وقتها أجندة لليسار الصهيوني، مكّنت من نسخ الحيّز الـ "غير" أخلاقي الى ما وراء الخط الأخضر وكرست مظالم 1948 كمظالم لا رجعة فيها، وبذلك جرى التنكّر لحقيقة ان اسرائيل قامت بأعمال وممارسات كولونيالية قبل العام 1967 (الحكم العسكري) وليس بعده فقط، وحقيقة اننا نعيش الآن فعليًا في مجتمع ثنائي القومية يستند مبدأه السلطوي الى سياسة أبرتهايد" (انتهى الاقتباس).

لقد كتبت، في معالجة سابقة، ان خطر الترانسفير – الترحيل، قائم، وقد أصبحت فيه الدعوة الى الترانسفير مباحة وعلنية ومؤطرة حزبيًا وأيديولوجيًا. وتزداد الخطورة، بشكلها التصاعدي، حين نلتفت الى حقيقة تأكيد رئيس الكنيست، روبي ريفلين، الأحد الماضي (28.10.2012)، ان "حل الدولتين" فشل ولم يعد قائمًا، كون هذه المقولة انما تعبّر عن الشارع الاسرائيلي، بأغلبيته، الذي بات يقتنع بعدم وجود "شريك فلسطيني".
ويجد هذا الطرح رواجًا له، في هذه الإثناء، ضمن الصراع الجاري داخل اسرائيل على شكل "الحل البديل".

إسرائيل تجاهر، الآن، بأن مشكلتها الأساسية ستكون، أيضًا، مع "عرب 48". هنا تجد المؤسسة الإسرائيلية الرسمية، أو الأصح انها تضع نفسها وتحاصرها في حدود حالة من "الصراع الوجودي" المتأسس على مقولة "الخطر" الكامن في العربي في الحاضر والذي يهدد مستقبلها الديمغرافي في المستقبل. وهناك محاولات جارية لتأسيس هذه المقولة وترسيخها في الذهنية الصهيونية الجماعية لأهداف مستقبلية قد تتعلق بمخططات إسرائيلية رسمية للتخلّص من "خطر العرب".

واسرائيل جاهدة الآن في عملية تهويد الجليل والمثلث من خلال موجة جديدة من المستوطنات لتوطين عشرات ألوف اليهود المتدينين ("الحراديم") في منطقة وادي عارة ومنطقة الناصرة ومنطقة البطوف. في حين تجدر الإشارة الى ان نسبة "اليهود الحراديم" (المتدينين) هي النسبة الأكبر داخل المجتمع اليهودي الصهيوني التي تحمل أفكارًا ومعتقدات عنصرية وفاشية تجاه العرب!

واسرائيل جاهدة الآن في اقتلاع العرب من النقب والسيطرة على كامل احتياط الأراضي الذي تبَـقّى للعرب في الدولة. واسرائيل جاهدة الآن في تهويد مدن الساحل: عكا ويافا وحيفا. الهدف زيادة نسبة السكان اليهود في مناطق نسبة العرب فيها كبيرة، وبالتالي محاولة اجتثاث العربي من وطنه والتضييق عليه وخنقه.

يضاف الى ذلك القضايا الاجتماعية - الاقتصادية والفقر عند العرب والبطالة وانسداد أي أفق أمام مدننا وقرانا العربية من خلال خنقها ومحاصرتها وانعدام أي احتياط للأراضي فيها من اجل التطور المستقبلي وردًا على احتياجات التزايد السكاني الطبيعي.

وهناك محاولات ما زالت مستمرة لتشجيع الطائفية والقبلية والعشائرية داخل مجتمعنا، ومحاولة اختراقه بأشكال وأساليب مختلفة، منها التشجيع على الخدمة المدنية والخدمة العسكرية في جيش الاحتلال. وهناك قضايا العنف والجنوح وارتفاع حوادث القتل وانتشار السلاح، وهو خطر يهدد بتدمير المجتمع العربي من الداخل.

هذه مخاطر لا يمكن لأي حزب أن يتواجه معها لوحده! وليس غريبًا طرح المسألة على هذا الشكل. فهناك تنازع بين الشعور بالحاجة الموضوعية الى الوحدة، لدى أوساط واسعة من الجماهير، وبنسب مختلفة، وبين اليأس من العجز عن تحقيقها. والوحدة، على الأغلب، ليست فوقية. هذا النموذج سيفشل. فهي بحاجة أولاً الى قناعات ومأسسة لدى القاعدة، والى أجواء تعكسها القيادة على الشارع، أو، كما قلنا في البداية الى رؤية "الموجود، وتفسير الموجود، وفهم الموجود لينبني نقيضه، وبالتالي الى الحدث والجماعة والفرد والعلامة"!

أعرف ان التوقيت – الانتخابات - فيه إشكالية. لكن لنجعل من الانتخابات نقطة انطلاق لتطوّر الوعي باتجاه التحالفات – ولا أقول وحدة هنا حتى لا أرفع سقف التوقعات وحتى لا أزيّف الواقع - مع المحافظة على التشكيلات الحزبية. لا أحد ينادي هنا بذوبان حزب في حزب آخر. ولا أحد ينادي بالانفكاك عن الفكر او الأيديولوجيا أو التنظيم أو التشكيلات الحزبية لإقامة بديل ينبني من جديد، أي فكر وايديولوجيا وتنظيم جديد. هذا اصلاً من سابع المستحيلات!، فعندي ما يميّزني كما عند الآخر ما يميّزه، وفي النهاية صراع الأفكار هو الصحي والمفيد لمجتمعنا لأنه يولّد المعرفة. وفوق كل هذا وذاك، وعلى الرغم من كل هذا وذاك، لم نُخلَق من طينة واحدة وللأحزاب في خلقها شؤون وميول وقناعات فكرية وأيديولوجية ننتمي إليها دون غيرها!

لكن دعونا نتصارح: كيف لنا، كأحزاب وقوائم وأفراد وقيادات وجماعات، أن نقنع اكثر من خمسين بالمئة من المصوتين العرب (الذين لا يشاركون في التصويت) بأهمية المشاركة والتصويت وبالقوة الكامنة في صوتهم لمواجهة التحديات ومواجهة المخاطر؟ لقد تعرّض الجمهور العربي الى هجمة هي الأخطر حين قام غدعون عيزرا، من على منصة الكنيست، قبل سنوات، بإشاعة مقولة ان "أعضاء الكنيست العرب لا يفعلون شيئًا لجمهورهم"، وهو أوّل من استخدم هذا الهجوم، ثم بدأت كل المؤسسة تردد مقولته. عندها كان من الواضح ان قواعد اللعبة قد تغيّرت وان هناك محاولة من المؤسسة الاسرائيلية لاشاعة حالة من التشويه والتحريض على أعضاء الكنيست وزرع حالة من اليأس والاحباط واللامبالاة بين أوساط واسعة من الناس، وبالتالي إقصاء الذات العربية عن الفعل، اي عن المشاركة والتأثير والتصويت. وعلى هذا قلنا، في حينه، انه "ترانسفير سياسي"، لكن هذه المرة على شكل "ترانسفير طوعي"!

أنا هنا لا ألوم الذين يقاطعون عن مبدأ، رغم انني أختلف معهم. لكن هناك حالة من اللامبالاة، وحالة من الإحباط، وهي الأخطر. وعلى احزابنا وقياداتنا ان تتواجه مع هذه الحالة لتغييرها. وربما تكون من نتائج هذه الحالة هو غياب الأفق، الأمل، وحجب الرؤية التي تمنح الناس الأفق والأمل وتشجعهم على المشاركة والتأثير وتعيد الثقة إليهم والى فاعلية صوتهم وقوته.

هذا الأمر من مسؤولية الأحزاب. وعلينا ان نعي ان النسبة الحقيقية لعدم التصويت تتجاوز الستين بالمئة، اغلبها نتيجة اللامبالاة أو الإحباط او اليأس. وحتى ضمن هذه المعادلة الصعبة هناك محاولات مؤسساتية تجري الآن لشرذمة الصوت العربي الذي يشارك ويصوّت من خلال تقليعات جديدة لقوائم عربية مرتبطة بالسلطة، يجري تداول خوضها الانتخابات هذه المرة.

لقد تصادمت كثيرًا مع مفهوم "الأقلية"، أو المصطلح الدارج تداوله في أدبياتنا: "الأقلية العربية الفلسطينية" في الداخل. حالة الصدام مردها أن العربي الفلسطيني في هذه البلاد ليس بـ "الأقلية"، بل هو صاحبها، في حين أن هذا التعريف – "الأقلية" – قد يحمل معه مضامين سلبية تقصي تدريجيًا القوة الكامنة في أصحاب البلاد على أخذ المبادرات التي تؤسس لمشاريع مستقبلية تحمي الإنسان وترُبك المؤسسة وتتواجه معها بنَفَس نضالي. كأن تقول، مثلاً، "نحن أقلية، لا حول ولا قوة"، فتكون النتيجة "الحيط الحيط، يا رب السُترة"!!

باستطاعتنا ان نقلب المعادلة، وان نعطي الناس الأمل والبديل. هذا يستدعي من احزابنا وقفة نقدية. ويستدعي منها تغليب العام على الخاص. هناك شكل من أشكال التحالف قائم في "الموحدة" التي تضم الحركة الاسلامية والعربية للتغيير والديمقراطي العربي. ويبقى على الطرف الآخر، وأقصد تحديدًا الجبهة والتجمّع، التوصل الى صيغة تتيح لهما خوض الانتخابات في قائمة انتخابية تحالفية مشتركة، ترتبط بفائض أصوات مع "الموحدة"، تعطي البديل والأمل وتواجه المخاطر وتضغط للتغيير وتخلق الأجواء للانتقال من التفسير الى الفاعلية. هذه علامة المرحلة. فهل ستنجح الجبهة والتجمّع في تحقيقها. نأمل ذلك!
 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018