نتنياهو وليبرمان كانا، وما زالا، حليفين../ علي جرادات

نتنياهو وليبرمان كانا، وما زالا، حليفين../ علي جرادات

ائتلاف "الليكود- بيتنا" حدث سياسي يستحق التأمل، فهو ليس مجرد اصطفاف انتخابي يبغي الفوز بأكثرية مقاعد "الكنيست" القادم، بل هو أيضاً تحالف سياسي يروم تأطير التحولات الفكرية والمجتمعية اليمينية المتطرفة التي ما انفكت تشهدها إسرائيل منذ سنوات، في تحالف سياسي يتسم بثبات نسبي أعلى، مركزه أكثر أجنحة "الليكود" تطرفا، بما يجعله، (التحالف)، قابلاً للتطور، وقادراً على ضم تشكيلات حزبية دينية وعلمانية يمينية أخرى إلى الائتلاف الحكومي القادم، وعلى استرداد ما أمكن مما خسره الليكود لصالح حزب "كاديما" الذي أسسه شارون، ويشهد اليوم، وفقاً لجميع استطلاعات الرأي، تراجعاً حاداً في شعبيته، بما ينذر بتلاشيه من الخارطة الحزبية والسياسية الإسرائيلية.

   بنشوء ائتلاف، تحالف، "الليكود-بيتنا"، المُرجَّح فوزه في الانتخابات، وتصدره تشكيل الحكومة الإسرائيلية القادمة برئاسة نتنياهو، وتعيين ليبرمان نائباً له، تكون محاولات تسوية الصراع، وفقاً لقرارات الشرعية الدولية، قد أصبحت، أكثر من أي وقت مضى، في خبر كان، (في المدى المنظور على الأقل). فحكومة إسرائيلية يقودها نتنياهو وليبرمان، وتعبر، أساساً، عن مصالح مجموعات إثنية ودينية واجتماعية متطرفة: اليهود الشرقيين، والمهاجرين الروس، والمتدينين الأرثوذكس، والمستوطنين، لن تكون في السنوات الأربع القادمة، (كما لم تكن في السنوات الأربع الماضية)، في وارد القبول بتسوية الصراع على أساس العدل "الممكن"، كما تنادي، (بلا فعلٍ)، "مبادرة السلام العربية". فهذا تحالف سياسي تدعمه قاعدة مجتمعية واسعة يوحِّد تباين أطرافها التمسك بالهدف الصهيوني الأول كما كثفه حاييم وايزمان في العام 1930، بالقول: "إننا نريد أن نجعل من فلسطين بلداً يهودياً بمقدار ما انكلترا انكليزية وفرنسا فرنسية"، أي هدف إقامة "دولة لليهود" في فلسطين، وهو الهدف الذي لم يكن قابلاً للتحقق إلا بجلب أكبر عدد ممكن من يهود العالم إلى فلسطين، وترحيل أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين عن أرضهم بعد الاستيلاء عليها.

   على أية حال، ليس خافياً أن نجاح ائتلاف، تحالف، "الليكود-بيتنا" يواجه أزمة المشروع الصهيوني الأساسية، الناجمة عن أنه، ورغم نجاحه في تحقيق هدف إقامة دولة إسرائيل على 78% من مساحة فلسطين عام 1948، وفي احتلال ما تبقى منها، وأجزاء من أراضي "دول الطوق" في العام 1967، لم ينجح في جلب كل، بل، ولا حتى غالبية، يهود العالم إلى فلسطين، كما لم ينجح في ترحيل كل الفلسطينيين، ما خلق تناقضاً بين شهية قادته للتوسع، وبين رغبتهم في الحفاظ على إسرائيل "دولة لليهود"، فالتوسع يحتاج إلى ملايين أخرى من المهاجرين اليهود الجدد، وهو ما أخفقوا  في ضمانه، بينما الحفاظ على إسرائيل "دولة لليهود" يتطلب التخلص من جزء كبير ممن تبقى من الفلسطينيين على أرضه، وهذا ما فشلوا في انجازه.

وقد كان بن غوريون قد تنبه إلى هذا التناقض، الأزمة، بعد سنوات معدودة على قيام دولة إسرائيل، حيث قال: "ظهرت الدولة إلى حيز الوجود، لكنها لم تعثر على الأمة التي تنتظرها".

ويبدو لي لو أن بن غوريون ما زال حياً لكان أكثر قلقاً بسبب هذا التناقض، المأزق البنيوي للمشروع الصهيوني، ذلك، لأنه، (كما يقول د. ماهر الشريف): "بالرغم من الزيادات الكبيرة التي كانت تطرأ على عدد اليهود المهاجرين إلى إسرائيل في فترات معينة، (نهاية الستينيات، ونهاية الثمانينيات)، إلا أن القسم الأكبر من اليهود بقي، في الواقع، خارج دولة إسرائيل، وصار يتأكد، أكثر فأكثر، أن تركيز اليهود الإقليمي في "أرض الميعاد" هو هدف صعب، إن لم يكن مستحيلاً. ومع أنه لا تزال ترتفع أصوات داخل إسرائيل تحذِّر من أن وجود الدولة سيبقى مهدداً ما لم تنجح في استقطاب ملايين من المهاجرين الجدد، إلا أن من الواضح اليوم بأن منابع الهجرة اليهودية إلى إسرائيل قد جفت؛ فالغالبية الساحقة من يهود البلدان العربية ويهود بلدان أوروبا الشرقية والوسطى قد هاجرت واستقرت في إسرائيل، أما يهود الولايات المتحدة الأمريكية وبلدان أوروبا الغربية فهم ليسوا أبداً في وارد الهجرة، علماً بأن اليهود الأمريكيين لا يعتبرون أنهم يعيشون في المنفى ويرفضون فكرة الشتات أصلاً. وإذ تتخوف إسرائيل من النتائج التي ستترتب، على المدى البعيد، على نضوب الهجرة، فإنها تواجه منذ فترة غير قصيرة مشكلة أخرى خطيرة تتمثل في تزايد عدد اليهود الذين يتركون إسرائيل بصورة نهائية ويستقرون في بلدان أخرى".
  
عليه، يثور السؤال: ما دام قطبا تحالف "الليكود- بيتنا" يرفضان "التقسيم" أساساً لتسوية الصراع، ويتمسكان بهدف الحفاظ على إسرائيل "دولة لليهود"، بينما يعيان أن جلب ملايين أخرى من المهاجرين اليهود الجدد لم يعد وارداً، إذاً هل من التزيُّد القول: إنهما بتحالفهما هذا، إنما قررا معالجة أزمة المشروع الصهيوني بمواصلة سياسة الترحيل، (الترانسفير)، لمن تبقى من الفلسطينيين على أرضه، كسياسة يجاهر بها ليبرمان، وينفذها، (دون إعلان)، نتنياهو، بكل ما ينطوي عليه ذلك من إدامة للصراع، ومن دفْعٍ للمنطقة نحو حروب أخرى ما انفك قادة إسرائيل بعامة، ونتنياهو وليبرمان بخاصة، يهددون، علناً، بشنها؟

بلى، هذا هو الباطن السياسي الذي يحجبه الظاهر الانتخابي لحدث ائتلاف "الليكود- بيتنا". وهو باطن مثقل بالتطرف، والصلف، والعدوان، والتوسع، إلى درجة يصبح معها أولمرت، وليفني، وبيرس، وباراك، "يساريين"، فقط لمجرد عزمهم حل الأزمة الصهيونية بتنفيذ "خطة انطواء" من طرف واحد في الضفة الغربية، وبصورة أقل من خطوة شارون في غزة التي قادت إلى انقسام حزب الليكود، حيث رفضها نتنياهو ومن معه من قادة الحزب، فضلاً عن قادة أحزاب صهيونية أخرى، في مقدمتهم ليبرمان، علماً أن شارون لم يقدم على تلك الخطوة من منطلق الإقرار بأن الضفة وغزة أرض محتلة، بل، من منطلق "التنازل" عن جزء بسيط من "أرض الشعب اليهودي"، لمعالجة التناقض بين الحفاظ على إسرائيل "دولة لليهود"، وبين صعوبة جلب ملايين أخرى من المهاجرين اليهود الجدد، أو ترحيل مزيد ممن تبقى من الفلسطينيين على أرضه، ما يعني أن نتنياهو وليبرمان، ما انفكا يعتقدان، خلافاً لشارون وخلفه، أن هذا الترحيل ما زال خياراً ممكنا لمعالجة أزمة المشروع الصهيوني، بل، وأنه الخيار الذي يعملان عليه، يشجعهما على ذلك استكانة حكام العرب، القدامى منهم والجدد، الذين ما زالوا يراهنون على إمكان أن تضغط الولايات المتحدة على قادة إسرائيل من دون أن يضغطوا هم عليها باستخدام أوراق قوتهم، وما أكثرها، ومن دون تخليهم عن أكذوبة أن الإدارات الأمريكية تريد الضغط على إسرائيل لكنها لا تستطيع، كأكذوبة نسفتها إدارة الرئيس الأمريكي، أيزنهاور، في شتاء 1956-1957، حين ساهمت ضغوطاتها الجدية والعلنية، (مع التهديد السوفييتي الحاسم)، في إجبار إسرائيل على سحب قواتها من سيناء وقطاع غزة، وهو الضغط الذي لم تقدم عليه أيٌّ من الإدارات الأمريكية اللاحقة، بل، وإن العلاقات الأمريكية الإسرائيلية منذ ذلك التاريخ وحتى يوم الناس هذا ما انفكت تشهد قفزات نوعية في سياق من التحالف الإستراتيجي الثابت.

على ما تقدم، نستطيع تأكيد أن ما قيل سابقاً عن اضطرار نتنياهو لضم ليبرمان لحكومته، لم يكن سوى إشاعة، إذ برهن ائتلاف "الليكود-بيتنا" على أن نتنياهو وليبرمان كانا، وما زالا، متفقين كحليفين سياسيين. هنا ثمة تحدٍ صهيوني إستراتيجي، يفوق طاقة الفلسطينيين، حتى لو توحدوا، فما هو ردُّ حكام العرب بعامة، ومنهم الجدد ممن ركبوا موجة انتفاضات شعوبهم.                

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018