فوز أوباما و عودة الأوهام../ عوض عبد الفتاح

فوز أوباما و عودة الأوهام../ عوض عبد الفتاح

انتصر باراك أوباما، وهزم ميت رومني. هلـّل الكثيرون على مختلف مشاربهم. أوروبا المجرورة، (للمحور الأمريكي) والكثير من الحكومات والحكام، ومعهم اليسار الصهيوني وقوى المركز الإسرائيلية. ولا ننسى السلطة الفلسطينية النائية بنفسها عن الفعل الحقيقي، والمنتظرة الرحمة من أصدقاء إسرائيل لينشلوها مما هي فيه.

وحده رئيس أكثر الحكومات تطرفًا في دولة الاحتلال، بنيامين نتانياهو، الذي وصل فيه الصلف والغرور حدًا غير مسبوق في التدخل لصالح رومني. وحده لم ينم الليل من فرط الصدمة وخيبة الأمل. هذه النتيجة المخالفة لمراهناته، قد تحدد مستقبله في انتخابات الكنيست القادمة وتغيّر ميزان القوى لصالح قوى المركز و"اليسار الصهيوني"، أو على الأقل قد تفقده بعض المقاعد وتضعف تحالفه المتطرف وتدخله في توتر دائم مع إدارة أوباما.

القوى الكبرى المتنافسة مع الولايات المتحدة والعديد من القوى الإقليمية والدول المتنافسة على تقاسم النفوذ والأسواق، تقيس ارتياحها وربما غبطتها من فوز أوباما، من خلال النظرة إلى تجربة الجمهوريين الذين ورطوا أمريكا في حروب استعمارية في كل من أفغانستان والعراق ولبنان وفلسطين (العدوان على قطاع غزة عام 2009) وما جرته هذه الحروب من هلاك مئات الآلاف من شعوب هذه الدول، وتدمير مجتمعاتها وإخضاعها للسيطرة الخارجية وخسارة الولايات المتحدة عشرات ألوف القتلى والجرحى ناهيك عن فداحة الثمن الاقتصادي. لم تتغيّر السياسة الأمريكية جوهريًا في عهد أوباما، والمتمثلة في الهيمنة الإمبريالية الاقتصادية، وفي صلبها دعم إسرائيل ككيان يحمي مصالحها في المنطقة العربية ويقمع الهوية الثقافية والحضارية لهذه المنطقة ويحتجز طموح شعوبها في مشروع سياسي موحد ينشلها من الاستبداد والدكتاتورية والتخلف.

لقد أُجبر أوباما على مجاراة رومني في المزاودة على دعم دولة الاحتلال فقدم لها مزيدا من الدعم من أجل تجنب شن حرب على إيران تحت ضغط الابتزاز، وهو خيار (خيار الحرب) ليس بإمكان الولايات المتحدة تحمله بعد أن لاقت مغامرات بوش من مقاومة بطولية في العراق (2003) ولبنان (2006) وكذلك في أفغانستان.

ففي عهد أوباما تسعى إدارته إلى إجهاض الثورات العربية أو تكييفها مع مصالحها والضغط باتجاه إبقاء النموذج الاقتصادي (النيوليبرالي) حيًا، كشرط للارتهان السياسي وعدم المسّ بالنظام الكولونيالي الإسرائيلي وإن كان هذا النموذج يخضع مؤخرًا للمراجعة والنقد من داخله لما جلبه من ويلات على الطبقات الوسطى والفقيرة.

إن إدارة أوباما تسعى إلى تحقيق نفس الأهداف عبر الدبلوماسية ووسائل ضغط عديدة كبديل عن الوسائل العسكرية المباشرة. وهذا بطبيعة الحال ليس فرقًا بسيطًا وهو أيضًا بالنسبة للشعوب أقل كلفة، على المستوى المادي وعلى مستوى الأرواح، ويتيح لها فرصًا أفضل للنضال والعمل من أجل التغيير ولكن شرط أن تتوفر القيادات الوطنية القادرة والمتيقظة والمعتزة بقدرات شعبها وتاريخه الكفاحي.

في أوساط السلطة الفلسطينية وربما أوساط في حكومة قطاع غزة، ستنتعش الأوهام مجددًا، وتعود المراهنات على ولاية أوباما الجديدة. وستزداد مع احتمالات حدوث زحزحة في ميزان القوى في إسرائيل لصالح قوى المركز التي عبر ممثلها إيهود أولمرت، كانت قاب قوسين أو أدنى للتوصل إلى اتفاق مع السلطة الفلسطينية قبل سقوطه في انتخابات 2009، حسب ما صرح به أكثر من مصدر. حتى الآن لا يعرف أحد بالضبط مضمون هذا الاتفاق سوى فريق أبو مازن. ومن معرفتنا بحزب كاديما، فإن هذا الاتفاق لن يعبّر عن الحدّ الأدنى للحقوق الفلسطينية.

بوادر هذه المراهنات بدأت قبل أسبوع من انتصار أوباما الثاني وبهدف التأثير على الناخب الإسرائيلي، صدرت على لسان رئيس السلطة الفلسطينية ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية السيد محمود عباس، الذي كرر استجداءه للإسرائيليين مانحًا إياهم استعداده للتخلي عن حق العودة. لا نستبعد أن هذه نصيحة "عباقرة" اليسار الصهيوني الذين دأبوا على الاستنجاد بالقيادة الفلسطينية منذ السبعينيات ليساعدوهم على إقناع المجتمع الإسرائيلي بقبول تسوية مع الفلسطينيين طبعًا بشروط هذا اليسار "السخيّة جدًا" كما وصفتها حكومة المجرم إيهود باراك عام 2000.

أربع سنوات مرت منذ تولي بنيامين نتنياهو الحكم في إسرائيل، ومعه أحزاب يمينية متطرفة منها حزب يقوده فاشي من أصل روسي، أفيغدور ليبرمان الذي يُعرب عن نوايا وتوجهات رئيس حكومته الحقيقية تجاه الفلسطينيين وقياداتهم وتجاه الأمة العربية. أحدثت إسرائيل خلال هذه الفترة تغييرات هائلة في القدس والضفة، باتجاه تدمير كل إمكانية لإقامة دولة فلسطينية مستقلة، في حين أن السلطة بقيت كيانًا مشلولاً عاجزًا ولم تقدم بعد وقف المفاوضات على أي خطوة حقيقية لتغيير المعادلة، سوى الخطوة اليتيمة الفاشلة بالتوجه إلى الأمم المتحدة قبل عام. لقد جرى قمع كل محاولة شعبية لإشعار الاحتلال بأن هناك شعبا ضاربة جذوره بالتاريخ، ورافضا للاستعباد، ومتصديا للمشروع الصهيوني منذ بداياته. ليس هذا فحسب، بل ظل أبو مازن يطمئن الإسرائيليين بأنه لن يسمح بانتفاضة ثالثة لا سلمية ولا مسلحة. هكذا أدارت إسرائيل الصراع مع الفلسطينيين وهكذا أدار الفلسطينيون الصراع ، أو بالأحرى (العلاقة) مع الاحتلال. لقد واصلت السلطة إدارة الاحتلال نيابة عن إسرائيل، فكيف لا تواصل التطهير العرقي في القدس وتهويد الضفة الغربية وحصار قطاع غزة.

لا أحد من الشعب الفلسطيني كان يفضل فوز رومني على أوباما. والعالم أيضًا لا يريد إدارة متطرفة ومجنونة في الولايات المتحدة. ولكن إن عادت "عجلة السلام" تدور بعد فوز أوباما بالولاية الثانية فإنه لا يُستبعد أبدًا عودة الأوهام لدى فريق السلطة وعودة المفاوضات من نقطة هي تحت الحد الأدنى. ستجد السلطة مجددًا في الوضع الجديد ذريعة في استئناف نهض التفاوض والهروب من القتال.

لن يستطيع الفلسطينيون تحقيق شيء سوى بالنضال والكفاح، وهذا لن يتأتى إلا عبر إعادة بناء بنية القرار الفلسطيني، الذي يحتكره فريق معزول عن إرادة شعبه، وعن إرادة الغالبية الساحقة فليس أمام هذا الفريق وحزبه الحاكم سوى التنحي وإعادة القرار إلى الشعب الذي قُيّد بالمعونات الخارجية أو الانقلاب على ذاته واستعادة نهج وقيم حركة التحرّر.

الأصوات التي تعيد تعريف إسرائيل كنظام أبارتهايد وكولونيالي، تزداد، وحملة المقاطعة تتسع بفضل حركات ومبادرات فلسطينية شعبية ومناضلين متضامنين من مختلف أنحاء العالم مما يفتح الأفق أمام الشعب الفلسطيني في إعادة ترميم المشروع الوطني الفلسطيني ورسم إستراتيجية تحرير طويلة الأمد لاستئناف النضال من أجل إسقاط النظام العنصري-الكولونيالي. فهل نلتقط هذه اللحظة؟
 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018