اللغة الفلسطينية حين تمارس فعل الهداية../ ظافر الخطيب

اللغة الفلسطينية حين تمارس فعل الهداية../ ظافر الخطيب

ساحرة هي غزة، بل هي إعجاز يكاد يخلع القلوب فرحاً في مكان، ورعباً في آخر، فتبدو كأنها عروساً تغري الجميع لتتمنع بعدها، تخلط الأوراق وتعكس المشهد، فتصير محجةً يهديها الكل غرامه، قبلةً للزوار من كل حدبٍ وصوب، لتصير بعدها مقولةً ظل بعض الإسلاميين وبعض اليسار يلح في طرحها دون كلل، "أن البوصلة هنا كانت، وهنا ستظل".

والترياق الفلسطيني فاعلٌ ومتفاعل، لا تلونه أرقام الشهداء المتزايدة، التي لم تحرك في العرب ساكناً ليملأوا الشوارع الغضاب بالمظاهرات سخطاً، بل وأرقام الصواريخ أيضا، غير أنه وفوق ذلك، يحدد اللحظة الفلسطينية في زمن"الربيع العربي"، لا كإضافة لها، بل كأصل، عنوان وخاتمة، حين يغير التهافت المنحدر مع المشهد السوري تمذهباً و تمزقاً قل نظيره حتى مقارنة بمرحلة ما قبل الحروب الصليبية وحروب القبائل في أندلس، ولو لفترة نملك نحن الفلسطينيين أن نقول إنها دائمة أو عابرة، حين نقرر أن تكون لحظة ما بعد غزة هي ما قبلها أقله فلسطينياً.

يكاد العدوان يلفظ أنفاسه الأخيرة، هذا ما تؤشر عليه الحركة السياسية في المنطقة، ليصل إلى تهدئة محل إجماع الجميع تقريباً، تهدئة يمكن قراءتها بشكل سلة أرباح يستطيع كل طرف تقديمها لجمهوره على شكل إنجازات حققها، لكنها غير حاسمة بانتظار جولة جديدة من الصراع، حين يتم إنضاج ظروفها بشكل أفضل.

خدع الترياق الفلسطيني الفاعل والمتفاعل، والآتي كإعجاز كل التحليلات والقراءات، وبز صانعي السياسة واتجاهاتها التحليلية، المؤسسة على التشكل السياسي العربي والانكفاء الأمريكي ودول البريكس، الوضع في سوريا وحركة التمذهب الذاهب مذهب الفتنة الدامية، فهل يتحول إلى مرحلة حاسمة ومقررة في المرحلة القادمة، غير أنهم وحدهم من يقرر ذلك هم الفلسطينيون، حين يقررون أن استعادة فلسطين إليهم وإلى العرب هي مخرج ينقذ الجميع من الانحدار نحو الأسوأ.

قدم المشهد الفلسطيني إمكان حل للأزمة الفلسطينية التي كادت تكون مستعصية، مع أنه من الصعب التصديق بسهولة معالجة الانقسام الذي تعمق ليطال كل المستويات الفلسطينية، هذا يعني أن هناك فرصتين متساويتين، لكل فرصة شروطها والتزاماتها، تحتاج الفرصة الأولى (الوحدة) إلى شرطين أساسيين، تواضع المنتصر وتقديمه للإنجاز كإنجاز فلسطيني ساهم الكل بصنعه، كما تحتاج إلى جرأة الفريق الذاهب مذهب التسوية والمفاوضات، حين يقرر الاعتراف بأن ما تحقق يصلح لصياغة إستراتيجية فلسطينية جامعة عنوانها الحفاظ على الثوابت واستخدام كل وسائل الكفاح وفي المقدمة منها المقاومة، خاصة مع تقديمها (المقاومة) دليلاً إضافيا على فاعليتها في الصراع، مع أن فرصة الانقضاض على الإنجازات المتحققة ما زال وارداً وبقوة أيضا.

وعلى المقلب الآخر قدم المشهد الفلسطيني للكيان الصهيوني فرصة الانقضاض على نتنياهو، هي فرصة لم تكن متوفرة قبل هذا العدوان، مع أن نتنياهو حرص في إجراءاته، تدابيره وقراراته، على أن يشرك آخرين، وعليه فإن غرق مركب نتنياهو سيغرق معه لاعبين آخرين، وهو ما سيعمق من أزمة الكيان، لذلك الأفضل إعادة تظهير نتائج العدوان في صورة إنجازات ليس أقلها اتفاق تهدئة طويل يضمن حماية المستوطنات لفترة طويلة و قبة "فولاذية" استطاعت إسقاط (90 %) من الصواريخ، وعملية استطلاع بالنار كشف مستوى القوة عند الفلسطينيين، وحجر الزاوية في خطاب نتنياهو وفريقه هو إيران، إيران صاحبة الفجر والغراد، وربما في اجتماع مجلس الأمن وإصداره 1701 مكررا بدون قوات دولية ولكن بضمانات إقليمية حاجة لنتنياهو قبل أن تكون مطلباً دولياً.

يمكن هنا أيضاً تحديد سقف التوقعات من أنظمة الربيع العربي، أقله في المرحلة الراهنة، فهي أفضل بالتأكيد من الأنظمة السابقة، لكنها غير كافية، ففي أوج العدوان الصهيوني على غزة، كان النظام في مصر يقدم نفسه في صورة وسيط يسعى للهدنة والتهدئة، التي على الرغم من تقديمها في صورة مصلحة فلسطينية، فإنها كانت في حقيقتها ضرورة لميرسي فلديه أولويات مصرية أخرى، دون أن نغفل أولوية الملف السوري عند الاتجاه الذي يمثله.

قدم الترياق الفلسطيني الفرصة لاستعادة الأنفاس الفلسطينية، فعل فعل السحر في الجسد الفلسطيني، عاد الطلاب إلى ممارسة فعل الشغب في الشارع الفلسطيني، على وقع الصواريخ العابرة للعجز والتراخي، نحو استعادة الحلم الفلسطيني، فالطريق إلى صفد ممكنة إذا ما استعاد الإيمان الفلسطيني بريقه، فما أجمل اللغة الفلسطينية حين تقلبك من الكفر إلى الإيمان بدون مقدمات.
 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018