استعادة روح المقاومة../ عوض عبد الفتاح

استعادة روح المقاومة../ عوض عبد الفتاح

من السابق لأوانه معرفة الوجهة الدقيقة القادمة للمشهد السياسي المحلي والإقليمي بعد صمود المقاومة الفلسطينية الأسطوري في قطاع غزة، وبعد تحقيقها انتصارا معنويا وإنجازات فعلية مثل فتح المعابر وغيرها. ولكن أمرا واحدا مجمعًا عليه هو تحقيق نصر معنوي في مواجهة العدوان، وهو نصر استند إلى تماسك داخلي صلب، جمع "حماس" مع "فتح" و"الجهاد" مع "الجبهة الشعبية" في جبهة واحدة متراصة.

إن الفرحة التي عبر عنها شعب المقاومة في هذا الجزء الصغير جدا من الوطن (360كم)، بعد التوصل إلى الهدنة، لم يكن مجرد تعبير عن حالة عاطفية أو حالة وهمية بالانتصار. لقد كان تجسيدا شعبيا واعيا عن واقع عاشوه يوما بيوم. كانت الوحدة الفصائلية الشاملة والمستندة إلى مساندة شعبية شاملة وعارمة، ممارسة فعلية وصادقة منذ اليوم الأول، واستمرت طيلة فترة أيام العدوان، وهذا أمر لم يشهده القطاع منذ سنوات طويلة، بل لم يكن على هذا النحو أثناء عدوان 2008. هذا الشعب يتوقع الآن أن يشكل صموده المعمّد بالدم فاتحة لمرحلة جديدة من البناء الداخلي والنضال الفعّال من أجل التخلص من الحصار والاحتلال.

أثناء العدوان الجديد كانت الوحدة الوطنية الفلسطينية أوسع والتنسيق أفضل والعزيمة أقوى، والإرادة أشد. وامتدت مفاعيل هذا الصمود إلى الضفة، منهيًا الانقسام الشعبي بين الشطرين.

أرادت إسرائيل أن تستعيد قوة الردع التي تآكلت بفضل النمو الدائم لقوة المقاومة. وهي أخطأت في حساباتها لأنها لم تدرك استعداد المقاومة استعمال قدراتها الجديدة، ولم تتوقع جرأة المقاومة في ضرب تل أبيب والقدس ردا على عدوانها. ولم تقرأ أنها بعنادها ورفضها كل الحلول العادلة ومضيّها في مشروعها الكولونيالي لم تُبقِ أي أمل لدى الفلسطينيين إلا بالعودة إلى المقاومة، والتطلع إلى تحقيق الوحدة. الأيام الأخيرة أثبتت مرة أخرى أن شعبا تحت الاحتلال وتحت الحصار، وقابعا في سجن كبير، لا يمكن أن يتخلى عن حقه الإنساني، وحقه المشروع بالدفاع عن نفسه. لقد سوّقت إسرائيل عبارة ديماغوغية إلى العالم بأنه لا يمكن أن تسكت دولة في العالم على نزول صواريخ عليها من طرف معادٍ. وهذه العبارة إن لاقت قبولا لدى أصدقائها في الغرب، فإن الإدعاء بالضحية يتآكل يوميًا وتتكشف حقيقة إسرائيل العدوانية وينجلي طابعها الكولونيالي. فهل يُقبل منطق أن الدولة المحتلة تدافع عن نفسها؟.. هي تدافع عن احتلالها، تدافع عن حصارها وعن استعبادها لشعب آخر!

لقد ساعدت أو ساهمت عوامل عديدة في الصمود غير العامل الذاتي (أي قيادة المقاومة والإرادة الشعبية)، وهي الدعم والتدريب الذي قدمته إيران وحزب الله منذ عدوان حملة "الرصاص المصبوب"، ولكن هذا الصمود أيضا جاء في ظل متغير جديد، وهو الثورات العربية وتبدل النظم خاصة النظام في مصر، وما أنتجه من معطيات جديدة.. تفتح الأفق أمام الشعب وقواه الحية على مستقبل أفضل.

بطبيعة الحال كان الكثيرون يتمنون موقفا مصريا داعما مباشرا للمقاوم، وليس فقط مساعدا في التوصل إلى الهدنة، وهو موقف يأتي بوحي من الموقف المصري التاريخي خاصة في فترة جمال عبد الناصر الذي اختط خطًا تنمويًا مستقلاً، وسياسة مناهضة للهيمنة الخارجية.

ومع ذلك فإن المتغير المصري رغم قصوراته وعدم نضوج وجهته بعد، فإنه كان مساهما في تعزيز ثقة المقاومة بنفسها وبصمودها. إن أداء المقاومة في قطاع غزة خلط الأوراق في المشهد السياسي الإقليمي، وساهم في استعادة روح المقاومة بعد أن بدا للكثيرين وكأنها أصبحت من الماضي في ظل المرحلة الانتقالية للثورات العربية والثغرات التي تعتريها إضافة إلى أن قوى ليست لها علاقة لا بالمقاومة ولا بالديمقراطية تسعى إلى تفريغ هذه الثورات من مضمونها.

ولهذا بالضبط يُنتظر من المقاومة وكل القيادات الفلسطينية، الرسمية والشعبية، الإجابة على التحدي، تحدي الوحدة الوطنية واستعادة زمام المبادرة وروح الكفاح ضد المشروع الكولونيالي الاحتلالي. إن فلسطين، إن أحسنت الآن إدارة الاختلاف الداخلي، قادرة على جعل الثورات العربية تمضي في المسار الصحيح، خاصة فيما يتصل بمسألة التحرّر الوطني الفلسطيني، ومسألة التحرر الوطني العربي، للتحرر من الهيمنة الإسرائيلية، والاستعمارية الغربية، وتحقيق العدالة والسلم الدائمين. 
 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018