الحرب النفسية الإسرائيلية../ د. فايز رشيد

الحرب النفسية الإسرائيلية../ د. فايز رشيد

أثناء بدء العدوان، أسقطت الطائرات الإسرائيلية إعلانات ورقية على قطاع غزة، تدعو فيها المدنيين إلى الابتعاد عن المواقع التابعة لفصائل المقاومة الفلسطينية وبالأخص مؤسسات حماس، وذلك تجنباً للموت. كما أن إسرائيل قامت بالترويج للإقدام على الحرب البرية ودخول قواتها لأرض القطاع منذ اليوم الأول لعدوانها، واستدعاء الاحتياط: في البداية صودق على استدعاء قوات إلى حد 30 ألفاً، وفي المرحلة الثانية  رفع السقف ليصل إلى 75 ألفاً. 

بدايةً، فإن الحرب النفسية معروفة على النطاق العالمي في السلم وفي الحروب، وهي تسير جنباً إلى جنب مع العمليات العسكرية للجيش  المعني، وفي كثير من الأحيان  تكون مسبوقة بالحرب النفسية، وكما هو معروف علمياً: يجري الاعتماد عليها كثيراً ويخططها: مختصون وأكاديميون ولها خططها الاستراتيجية والمرحلية، وتساهم مختلف الأجهزة الإعلامية للدولة  فيها، إما بشكل مباشر أو آخر غير مباشر. تهدف فيما تهدف إليه: إلى ترويع العدو،  وإلى جعل الشعب الآخر (الذي يجري قتاله) يعتقد بلا جدوى المقاومة وتهيؤه للهزيمة.

إسرائيل من أكثر الدول التي تعتمد على الحرب النفسية في كل حروبها مع العرب، وفي أوقات السلم أيضاً. بدأت الحرب النفسية الصهيونية مع المؤتمر الصهيوني الأول، ومشروع إعلان دولتها من خلال الترويج لأساطيرها: "الحق التاريخي وأرض الميعاد"، و"أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" و"العداء للسامية" و"الجنس اليهودي المميز"، و"التحضر اليهودي" و"بربرية العرب وفوضويتهم" و"العربي لا يأتي إلا بالقوة"، وغيرها من المقولات والأساطير. المنظمات الصهيونية وقبل إنشاء إسرائيل ارتكبت المجازر ونشرتها بكل الوسائل من أجل دفع الفلسطينيين إلى الهجرة. كانت تحرص على الترويج لدخول قواتها، قرية معينة قبل الدخول اليها، وذلك ليهاجر معظم أهلها ويدب الرعب في نفوس من يدافعون عنها من المقاومين. كانت أيضاً تستعمل القصاصات الورقية المطبوعة وتوزعها عبر عملائها في المدن والقرى الفلسطينية.

بعد إنشاء دولة إسرائيل، كانت المقولة الأولى التي حرصت على ترويجها بين العرب: "أنها تمتلك جيشاً لا يمكن قهره". تحول هذا الشعار فيما بعد إلى كلمات أربع "الجيش الذي لا يُقهر". إذا سمع المرء هذه الجملة ينطبع في ذهنه أوتوماتيكياً "الجيش الإسرائيلي". حرصت إسرائيل على الترويج أيضاً لـ"لسوبرمانية الجندي الإسرائيلي" تماماً كما يتم في ترويج الأفلام الأمريكية حالياً: "أن الأمريكي دائماً مع الخير وضد الشر وهو قادر على فعل المعجزات وأن الاخرين أقل ذكاءً وقدرات.... وهكذا دواليك". ساعد إسرائيل على الترويج لمقولاتها وأهدافها: انتصاراتها العسكرية السريعة وبخاصة في عام 1967 ولحد ما: الإعلام العربي بطريقة غير مباشرة من خلال: تصوير إسرائيل بأنها تمتلك كل أنواع الأسلحة (أي هوّلت من قدراتها) وغير ذلك، بحيث بات المواطن العربي (ومنهم كاتب هذه الكلمات في صغره) يتصور الجنود الإسرائيليين وكأنهم قادرون على فعل المعجزات، وأنهم ضخام الجسد، مفتولو العضلات وغير ذلك من الصور.

دخلت قوات الاحتلال الصهيوني إلى الضفة الغربية عام 1967 ومنها مدينة قلقيلية، ورأينا الجنود الإسرائيليين: فتيان صغار، منهم من لا يبلغ سن العشرين. مرتعبون في دورياتهم الراجلة، يتلفتون في مختلف الاتجاهات، إذا وقع صوت فجائي قريب وسمعوه يعتقدون أن ثمة من يهاجمهم. المقصود القول: أنهم ناس مثل كل الناس، يخافون، ومن الممكن إرعابهم، وهم ليسوا سوبرمانات. استعملت اسرائيل في  حرب عام 1967 كافة الأساليب النفسية التي جرى الحديث عنها، وغيرها.

الحرص الإسرائيلي كبير على نشر الصور التي تظهر "عظمة الجنود الإسرائيليين ورعب الآخرين" من جنود العدو، فمثلاً جرى استدعاء كافة وكالات الأنباء لتصوير الجنود المصريين  في عام 1967 الذين تم أسرهم في سيناء، وهم جالسون على الأرض، متربعين وأيديهم فوق رؤوسهم المحنية والموضوعة بين الركبتين، ونشروا هذه الصور والتحقيقات في كل أنحاء العالم.

فيما بعد،وخاصة  بعد انطلاق المقاومة الفلسطينية وبدء العمليات العسكرية ضد "الجيش الإسرائيلي"، وفي معركة "الكرامة"التي خيضت في الأردن بعد محاولة قوات إسرائيلية الدخول إلى غور الأردن، وتصدى لها الفدائيون وقطعات من الجيش الأردني، تلقى الإسرائيليون هزيمة ساحقة، واضطروا إلى ترك دبابات لهم، محروقة وأخرى سالمة، وكذلك عربات مدرعة، وكثيرون من القتلى الإسرائيليين الذين تم تسليمهم إلى إسرائيل فيما بعد.

أيضاً في عام 1973 عندما بدأ المصريون والسوريون القتال ضد القوات الإسرائيلية، كان كاتب هذه الكلمات يدرس في موسكو، وما زلت أذكر صورة تم نشرها في أهم صحيفة سوفياتية آنذاك "البرافدا" صورة لجنود أسرى إسرائيليين كانوا في الوضعية التي كان عليها الجنود المصريون في عام 1967. يومها تنفست الصعداء أنا وغيري من الطلبة العرب. قمت بقص الصورة ووضعتها في إطار وعلقتها على الحائط في غرفتي.

في عام 1978 عندما اجتاحت القوات الصهيونية الجنوب اللبناني وتصدى لها المقاتلون الفلسطينيون واللبنانيون  وأجبروها على الرحيل، وفي عام 1982 عندما اجتاحت لبنان ووصلت إلى حدود مدينة بيروت، استعملت إسرائيل في الحدثين وسائل الحرب النفسية المعروفة وأخرى جديدة، لكنها لم تؤثر لا على نفسية المقاتل الفلسطيني ولا المقاتل اللبناني ولا على المحاصرين الفلسطينيين واللبنانيين، وتم التصدي لكافة محاولات الجيش الإسرائيلي لدخول بيروت الغربية. دخلتها فقط بعد انسحاب المقاتليين الفلسطينيين فيما بعد.

في أعوام 2000، 2006، 2008-2009 عندما جرى إجبار إسرائيل على الانسحاب من الجنوب اللبناني تحت وطء ضربات المقاومة الوطنية اللبنانية في التاريخ الأول، والتصدي للعدوان وهزيمة جيشه في التاريخ الثاني،على أيدي المقاومة اللبنانية في التاريخ الثاني، والتصدي للعدوان على أيدي المقاومة الفلسطينية وهزيمة أهدافه في التاريخ الثالث... فبالمعنى العملي: مثلما سقطت حروب إسرائيل العسكرية سقطت أيضاً حروبها النفسية.

في العام 2012 وبالمقاومة الباسلة لفصائلنا الوطنية الفلسطينية ضد العدوان الصهيوني الجديد، ولن يكون الأخير بالطبع، وهزيمة الأهداف الإسرائيلية، تم إحباط الحرب العسكرية التي خاضتها إسرائيل وكذلك حربها النفسية. نعم بإرادة القتال يمكن هزيمة الجيش الإسرائيلي (الذي لم يكن يُقهر). نعم، ممكن هزيمة حرب إسرائيل النفسية التي لم تؤثر على معنوية مقاتلينا ولا شعبنا في القطاع. علينا كفلسطينيين وعرب استعمال الحرب النفسية في الاتجاه المضاد. نعم نحن قادرون.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018