غزة: العدوان عليها وسؤالها الأساسي../ علي جرادات

غزة: العدوان عليها وسؤالها الأساسي../ علي جرادات

بداية حري توضيح أن ما نعني بالعدوان على غزة هو سياسة العدوان، بجولاتها الميدانية كافة، وليس آخر جولة منها، محرقة "عامود السحاب"، فحسب. وأن ما نعني بسؤال غزة الأساسي هو الدافع السياسي لهذا العدوان الناتج، بالضرورة، عن التناقض بين رغبة قادة "إسرائيل"، بألوانهم، في التخلص من أعباء السيطرة المباشرة على غزة، وبين رفضهم، في الوقت ذاته، وفي الحالات كافة، الاعتراف بأنها (غزة) والضفة، بما فيها القدس، أراضٍ فلسطينية محتلة يحق للفلسطينيين استعادتها وإقامة دولتهم المستقلة والسيادية عليها، ذلك رغم أن هذا حقٌ تعطيهم إياه قرارات الشرعية الدولية باعتباره العدل "الممكن"، بل، ورغم أن إقامة هذه الدولة ليس إلا أدنى الحد الأدنى من الحقوق الوطنية والتاريخية الفلسطينية المغتصبة، وفقاً للعدل "التاريخي" الذي ينقض خرافة أن "فلسطين ملك للشعب اليهودي" ووقاحة أن "كل مَن يقول غير ذلك لا سامي".

في محاولة التغلب على تناقضات هذه الرؤية السياسية الصهيونية الأيديولوجية الثابتة تجاه علاقة قطاع غزة بالضفة، والقدس قلبها، وتجاه علاقته بالأرض الفلسطينية برمتها، يتفق قادة "إسرائيل"، بألوانهم الحزبية، على القيام بما يترتب على هذه الرؤية، (بالضرورة)، من اعتداءات عسكرية على غزة، لم تنقطع، ولن تنقطع، وإن "هدأت"، بين حين وآخر، وذلك جنباً إلى جنب مع اتفاقهم على محاولة قذْفها، (غزة)، إلى حضن مصر، وخاصة بعد أن أعطاهم الفلسطينيون، بانقسامهم العبثي، هدية مجانية، لم يحلموا بها يوماً. تلك هي حقائق سياسة قادة "إسرائيل" وثوابتها تجاه غزة، (على الأقل)، منذ دعا رابين، (في العام 1988)، إلى "إخراج الجيش من عش الدبابير في جباليا"، وتمنى "لو أنه يصحو يوماً ويجد البحر قد ابتلع غزة". مذَّاك حسم قادة "إسرائيل"، بألوانهم، أمر التخلص من أعباء قطاع غزة، لكنهم، وارتباطاً برفض مصر إعادة تولي إدارتها، اضطروا للبحث في التخلي عن السيطرة المباشرة عليها، فولد سؤال غزة السياسي الأساسي، وهو: لكن من يتولى إدارة شؤون غزة المدنية مع بقاء احتلالها "عن بعْد"، ودون الربط بينها وبين الضفة والقدس المراد استكمال مخطط استيطانهما وتهويدهما.

هنا، اجتهد رابين، وطرح على منظمة التحرير تولي إدارة "حكم ذاتي" في غزة، وفقاً للصيغة المخاتلة: "غزة أولاً"، بل، وقبِلَ تعديل قيادة منظمة التحرير لهذا الطرح، بتحويله إلى صيغة: "غزة وأريحا أولاً"، مع إضمار عدم تنفيذ ما أوحى به هذا التعديل من ربط بين غزة والضفة.

ولعل عدم تنفيذ "إنشاء ممر آمن بين قطاع غزة والضفة"، كما نص "اتفاق أوسلو"، مجرد دليل، بين أدلة لا تحصى، على ما أضمره رابين من حيلة لاستدراج الفلسطينيين بطعْمِ تسليمهم إدارة قطاع غزة، دون إنهاء احتلاله، ودون ربطه بالضفة، أي دون أن يكون هنالك أي احتمال لتطوير تسلمهم لإدارته إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة وسيادية، كما أوحت خديعة "غزة وأريحا أولا".

وعلى طريق رابين ذاتها، إنما بوضوح تام، أقدم شارون في إطار محاولات التغلب على تناقضات الرؤية الصهيونية تجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة في العام 1967، على خطوة "فك الارتباط" مع غزة من طرف واحد، ظناً منه أن ذلك يعطي الجيش "الإسرائيلي" قدرة أعلى للعمل العسكري "عن بعد"، ضد ما ينشأ فيها من مقاومة، ويساعد في الحفاظ على "إسرائيل" دولة لليهود".

لكن اجتهاد رابين، ومثله اجتهاد شارون، عجزا عن التغلب على تناقضات السياسة الصهيونية تجاه قطاع غزة، وجاءت سيطرة "حماس" على السلطة فيه، لتثبت هذا العجز وتؤكده. في تعليقه على مجريات العدوان الأخير على غزة، كتب صقر الليكود ووزير الدفاع الأسبق، موشي آرنس، أن رابين وشارون "كانا مجرد ساذجين". ويضيف: "أنه ما كان ينبغي لرابين أن يعيد انتشار الجيش في غزة، ولا كان ينبغي لشارون أن يسحب الجيش والمستوطنين منها"، لأن هذا وذاك، (برأيه): "قد جعل الحسم العسكري في غزة أمراً غير ممكن إلا بإعادة احتلالها"، وهذا، (كما يرى): "ما أصبح مكلفاً أكثر مع ما بات في حوزة المنظمات "الإرهابية" من قدرات عسكرية نوعية، ومع الظروف الدولية والعربية الجديدة التي لا تسمح بتفهم إعادة احتلال "إسرائيل" لغزة، بل، ولا تتفهم حتى إعادة احتلال شريط فيلدلفي،( صلاح الدين)، الحدودي مع مصر من دون التسبب في الاحتكاك مع المصريين". وبالمناسبة، فقد كانت فكرة إعادة احتلال هذا الشريط، هي جوهر الاقتراح الذي تقدم به ليبرمان، وانتقد أولمرت وبارك على عدم تنفيذه أثناء حربهما على غزة نهاية العام 2008، وهي الفكرة ذاتها التي يرى موشي آرنس أن أولمرت أخطأ حين وافق باراك على عدم القيام بها أثناء تلك الحرب، وأنه، (أولمرت)، بذلك "أضاع فرصة تنفيذها بوجود مبارك على رأس السلطة المصرية"، وهي الفكرة ذاتها التي تسرب أن مجلس الوزراء "الإسرائيلي" "التساعي" بقياد نتنياهو قد تداول احتمال القيام بها خلال فترة العدوان الأخير على غزة.  
              
عليه، فإن لا غرابة في أن يكون ضرب القدرة العسكرية النوعية لفصائل المقاومة الفلسطينية، وإضعاف، سلطة "حماس"، إنما دون إطاحتها، هو الهدف الأساس لعدوان "إسرائيل" الأخير الفاشل على غزة. ذلك ليس فقط لأن من شأن إطاحة سلطة "حماس" أن يفتح أفقاً لإنهاء الانقسام الفلسطيني، وأن يفتح باب احتمال الإنهاء الرسمي لتعاقد أوسلو الذي قامت بموجبه السلطة الوطنية الفلسطينية الانتقالية، بشقيها في الضفة وغزة، بل، أيضاً، لأن من شأن إطاحة سلطة "حماس"، أن يعيد، (وهذا هو الأهم)، "إسرائيل"، بمعزل عن اللون الحزبي لحكومتها، إلى ورطة سؤال غزة السياسي الأصلي المعقد والأساسي: مَن يتولى إدارتها طالما أن "إسرائيل" لا تريد إعادة التورط في الاحتلال المباشر لها، وطالما أن مصر لا تريد إعادة تولي إدارتها، وطالما أن منظمة التحرير لن تقبل، بالتأكيد، العودة إليها على ظهر الدبابات "الإسرائيلية". ماذا يعني كل ما تقدم؟

يعني أن نجاح فصائل المقاومة الباسلة وصمود شعبها الأسطوري في إفشال العدوان الأخير على قطاع، (وهو بالمعنى النسبي نصر)، يبقى معرضاً للتبديد، اللهم إلا إذا تتوج، بإنهاء الانقسام الداخلي، في مستواه السياسي الفصائلي، خاصة بعد أن توحد الشعب ميدانياً في خنادق معركة، هي، رغم تفاهمات القاهرة لـ"التهدئة"، مجرد معركة في حرب طويلة مفتوحة، لن تتوقف إلا بزوال الاحتلال، أساس كل إجراءات العدوان على غزة المحاصرة، وكل إجراءات الاستيطان والتهويد في الضفة والقدس المستباحتين، فهذه الإجراءات وتلك تقتضيهما، بالضرورة، ويصبان في النهاية، في سياسة "إسرائيلية" واحدة تجاه الأرض الفلسطينية، والحقوق الوطنية والتاريخية، كسياسة أنتجتها، ومازالت تسكنها، وتحركها، الأيديولوجية الصهيونية ذاتها: "فلسطين ملك للشعب اليهودي، وخلاف ذلك لا سامية".          

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018