هويّتنا العربيّة، إلى أين؟/ رامي صايغ

هويّتنا العربيّة، إلى أين؟/ رامي صايغ

عــ48ـرب

كوني عربيٌ يعيشُ في هذهِ البلاد المُشرذمة والمغتـَصَبة، يجعلني أتخوّف على العديد من الأمور الهامّة والمصيريّة التي تخصُّنا كعرب فلسطينيين في الدولة العبريّة. ومن أهم هذه الأمور التي لا بُد أن أشدّد عليها هي الهويّة العربيّة بكل مشتقـّاتها كاللّغة والحضارة والتراث والثقافة العريقة.
جميع هذه المركّبات ليست في خطر فحسب، إنّما على وشك الإضمحلال، لاسيّما في بلداتنا "المُختلطة" وأتطرّق هنا بشكلٍ خاص إلى يافا الحبيبة التي تسكنها الأقليّة العربيّة الفلسطينيّة ومستمرّة بالعيش رغم الصعوبات الجمّة.

لم أقم ببحثٍ مدقـّقٍ بعد، ولكن دون شك تواجه الأقليّة العربيّة في يافا العديد من المشاكل في جميع الأصعدة وأبرزها إضمحلال اللغة العربيّة، لغة أجدادنا التي يجب على كل عربيّ وعربيّة الإفتخار بها وعدم إنكارها مثلما يحصل عند العديد من طلاّبنا وحتى أهاليهم الذين يمحون هذه اللغة بقصدٍ أو بدونِ قصد من خلال جهلهم أو عدم مبالاتهم أو حتى عدائهم للّغة العربيّة وكأنّهم من أصول سويسريّة !

ينتابني الأسف والغضب في آنٍ واحد لِما يحصل في هذا الموضوع، وجميع من يغار على هويّته العربيّة يشعر مثلي بالتأكيد، والشعورالسيء أحيانًا يسبّب الإحباط، ولكن بسبب غِيرتنا على هويّتنا العربيّة، يجب علينا التصدّي لهذه الظاهرة السلبيّة والمُخزية من خلال سلاحٍ واحد وهو: التوعية.

إن لم نستعمل هذاالسلاح في حياتنا اليوميّة بغض النظر عن ظروف معيشتنا، سنفشل في إيصال رسالتنا. لذلك يجب على جميع الغيّورين أن يأخذوا مسؤوليّة دائمة لتوعية الأجيال جميعها، من صغيرها إلى كبيرها من أجل مكافحة الجهل في اللغة العربيّة، وليس كافيًا أن يقوم طاقم التعليم بذلك بل يجب على كل من لديه النيّة والمهارة والإستعداد أن يقوم بدوره هو حتى لو كانت مساعدته ضئيلة، لأنَّ العمل الجماعي أنجع من العمل الفردي (يد واحدة لا تصفـّق) ومجتمعنا اليافي بحاجة إلى ذلك.

في حالة مكافحة الجهل في اللغة العربيّة، نستطيع وقتها أن نستمر في تأدية الرسالة وهي تعزيز الثقافة العربيّة العريقة والتمتـّع بها مثل الفن بكل مشتقـّاته ومطالعة الكتب المختلفة وباقي النشاطات التي تـُثري حياتنا وتزيدها رونق.

مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة واحدة، صحيح أنَّ المهمّة ليست سهلة ولكنّها بالتأكيد ليست مستحيلة لأنـَّه يوجد في مجتمعنا اليافيّ أفرادًا يستطيعون أن يؤثـّروا على بيئتهم وأن يوصلوا الرسالة حتى تحقيق الهدف ألا وهو إنعاش الهويّة العربيّة عند العرب الفلسطينيين في يافا.

هذا الهدف سيتحقـّق إذا كان عند الراغبين في تحقيقه العزيمة والإصرار لتغيير المجتمع ومحاربة آفاته المتعدّدة، ولا سيّما الثقافيّة، والآليّات لتحقيق الهدف ليست مُعقـّدة، فعلى سبيل المثال يستطيع الشخص أن يتعوّد على كتابة اللغة العربيّة في رسائله بين أصدقائه في الهاتف الخلوي (اليوم جميع الهواتف مدعومة باللغة العربيّة) وفي البريد الإلكتروني والفييسبوك (هنالك لاصقات بالعربيّة للوحة مفاتيح الحاسوب)، بالإضافة إلى مطالعة الصحف والكتب العربيّة ذات المستوى المتوسّط أولاً ومن ثمَّ التقدّم للمستوى الأعلى، بالإضافة إلى البدء بالتفكير بالعربي لأنَّ من يفكّر بالعربي يستطيع وقتها أن يتكلّم ويكتب ويتحدّث بالعربي، فالممارسة هي إحدى الطرق الناجحة لتطبيق هذا الهدف.

إن نفـّذنا هذه الخطوات، سنمحو الظاهرة المُخزية والمؤلمة وهي إنكار لغتنا وهويّتنا العربيّة الفلسطينيّة من قِبل مجموعات وأفراد عربيّة الأصل وضعيفة الذاكرة التي تعتقد أن اللغة العربيّة هي ليست لغتهم وأنّهم إستعربوا (هنالك قلائل من الأجانب الذين إستـُعربوا)، لكنـّهم إن تأكـّدوا من هويـّتهم فسيجدوا أنَّ أصلهم إمّا من اليبّوسيّن أو الغساسنة، وهم قبائل عربيّة أصيلة عاشت في بلادنا منذ آلاف السنين.

كلمة أخيرة أودُ ذكرها وهي أنَّ الشعوب التي تحترم هويـّتها، تحترمها باقي الشعوب. أمّا الشعوب التي تـُنكر أصلها وهويـّتها فستندثر وتنقرض. فمن يريد أن ينقرض، نرجوهُ أن لا يُصيبنا بمرضه !
 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018