قصة القائمة الواحدة... نقاط على الحروف../  عوض عبد الفتاح

قصة القائمة الواحدة... نقاط على الحروف../ عوض عبد الفتاح

تتوجه اليوم القوائم العربية الداخل إلى الجمهور طالبة ثقتهم ودعمهم لها في معركة الانتخابات للكنيست الإسرائيلي. هي معركة سياسية يخوضها فلسطينيو الداخل منذ عشرات السنين، بأشكال مختلفة، وبمضامين وتوجهات مختلفة، بدءا من أسس التوقيع على وثيقة استقلال إسرائيل كدولة يهودية، مروراً بالارتباط بالأحزاب الصهيونية، كقوائم تابعة لهذه الأحزاب، أو أعضاء عكاكيز فيها، وصولا إلى المرحلة الحالية المتسمة بالوعي الوطني وبإتقان التوفيق بين الوطني والمدني.

وشكل ظهور التجمع الوطني الديمقراطي عام 1995، واقتحامه ساحة العمل البرلماني، بعد أشهر طويلة من التمحيص والنقاش، مرحلة جديدة في كيفية مقاربة ومناطحة النظام السياسي- الأيديولوجي في إسرائيل القائم على التمييز الاثني والاحتلال. هذا التردد والتفكير الطويلان يدلان على روح المسؤولية العالية تجاه شعبنا وقضيته، وعلى أن التمثيل في الكنيست ليس إلا منفذاً من منافذ التواصل مع الناس، ومنبراً هاماً يقارع الحزب، من خلال ممثليه، النظام الصهيوني ورموزه عبر الفضاء الأوسع المنفتح على دول ومؤسسات وأفراد ومجتمعات مدنية تجهل الكثير عن حقيقة إسرائيل.. وحقيقة علاقتها مع أصحاب الأرض الأصليين خاصة الذين يحملون المواطنة الإسرائيلية والبالغة نسبتهم 20% من سكان إسرائيل. وقد تمكن الحزب من تحويل الكنيست إلى ساحة مواجهة أيديولوجية وليس سياسة فحسب.

أما بقية قيادات الحزب وكوادره وأنصاره فهم يخوضون معركتهم على الأرض يومياً بعيداً عن الأضواء متواصلين مع أبناء شعبهم، ينظمونهم ويشدون أزرهم ويربون الشباب والأجيال الصاعدة بهدف خلق إنسان منتمٍ ويحمل هَم الوطن ويحمل القيم الإنسانية. هذا هو التواصل الذي يصونه التجمع ويسعى دومًا إلى تطويره وتطوير دوره السياسي عبر بذل المزيد من الجهد، وعبر التعلم من الناس والاستماع إلى تطلعاتهم.

تخوض الانتخابات ثلاث قوائم؛ التجمع الوطني الديمقراطي وهو حزب قومي ديمقراطي، والحزب الشيوعي- الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، وهو حزب يهودي عربي توسع بعد السبعينيات عبر ضم شرائح وطنية في إطار ما يعرف اليوم بالجبهة، والقائمة العربية الموحدة قوامها الحركة الإسلامية والحزب العربي الديمقراطي وحركة صغيرة يمثلها عضو كنيست وحيد ضجّت قيادة القائمة من ابتزازه، وكاد أن يتسبب بانفراط العقد بينهم.

طرح المواطن العربي منذ فترة طويلة سؤالاً؛ لماذا لا تكون لدى العرب قائمة واحدة، حيث أظهرت استطلاعات ارتفاع نسبة التصويت إلى ما يزيد عن 70% فيما لو تحققت هذه القائمة.

ليس المواطن العربي ضد الأحزاب، فلديه الوعي بأهمية الحزب، والتعددية، ولا يقصد بمطالبته بتوحيد القوائم العربية إلغاء الأحزاب وأيديولوجياتها. ولكن هذا المطلب الشعبي المتكرر يعكس حسًا وطنيًا، حسًا بأنه مضطهد كعربي، من قبل مؤسسة يهودية-صهيونية، وبالتالي فإن الردّ الطبيعي هو الوحدة. وهو أيضًا ليس عنصريًا ضد اليهود فهو يرى يهودًا إسرائيليين (وإن كانوا قلة) يتصدون للاحتلال الإسرائيلي وللسياسة العنصرية ضد عرب الداخل ويقدر ذلك.

ومن حق المواطن العربي أن يعرف لماذا لم تقم قائمة واحدة أو قائمتان. وهو من حقه أن يعرف من أدار ظهره لرغبته، ولطموحه بتعظيم الفائدة من خوض هذه الانتخابات.

وفيما يلي الحقائق التالية:
لقد دعا التجمع الوطني منذ أشهر لبحث فكرة القائمة الواحدة.. وأن يسبقها لقاء ثلاثي للتداول في حال الجماهير العربية، وكيفية تعزيز اللحمة الوطنية بين جماهيرنا، ودفعهم إلى انخراط أوسع في المعركة السياسية الراهنة.

ونؤكد على النقاط التالية:
1. إن التجمع هو الحزب الوحيد الذي لم يضع شرطًا واحدًا على تشكيل القائمة، وقد أعلن ذلك مرارًا وتكرارًا داخل هيئاته المركزية وقواعده كما في وسائل الإعلام عامة. هذا الأمر الذي لم يصدر عن بعض القوى التي كانت تعلن تأييدها للقائمة الواحدة.

2. الحزب الوحيد الذي قال لا بشكل واضح للقائمة الواحدة هو الحزب الشيوعي -الجبهة، رغم أن قيادات منه كانت أعلنت في السابق وكتب أحد قيادييها مقالاً مؤيدًا، إلا أن الرفض لهذه الفكرة ظل مثابرًا ومنهجيًا ولم نسمع أن هؤلاء القادة خاضوا معركة داخل حزبهم لصالح هذه الفكرة. كما أن الجبهة الحزب الوحيد الذي رفض التحالف الثنائي رغم أنها كانت تعلن في سياق تبريرها رفضها للقائمة الواحدة تفضيلها قائمتين، وحين وضعت على المحك، انكشف موقفها الحقيقي وتفضيلها خوض الانتخابات بقائمة مستقلة.

3. لقد أعلنت القائمة العربية الموحدة تأييدها للقائمة الواحدة، بل استعدادها كما التجمع، لأن يكون يهوديًا تقدميًا في هذه القائمة، بل قبلت أن تكون رئاسة القائمة للجبهة.
ولكن الصراعات التي دارت داخل الموحدة والتي غطتها وسائل الإعلام بكثافة، وعلى مدار أيام وليال داخل "البيت الواحد" حتى اللحظة الأخيرة ، أي بين أطراف التحالف في القائمة العربية الواحدة، والتي دارت في الأساس على المقاعد وليس على أي شيء آخر، وظُّن الأمر وكأنه "بازار"، عكست صعوبة بل استحالة عقد تحالف انتخابي معها.

لقد كان يرغب التجمع، انطلاقًا من مبادئه، بتوحيد التيارات السياسية الثلاثة في قائمة واحدة انسجامًا مع خطه المعروف بتنظيم الجماهير العربية في الداخل دون أن يتصادم مع مبدأ التعاون مع القوى اليهودية الديمقراطية المناهضة للاحتلال والعنصرية، في مواجهة نظام الأبارتهايد الإسرائيلي الآخذ في الترسخ على جانبي الخط الأخضر. وقد جاءت العريضة التي بادر إليها يهود ديمقراطيون معادون للصهيونية، المطالبة بتوحيد القوائم العربية، بمثابة صفعة للذين يعتقدون أن قائمة واحدة تُخالف مبدأ الشراكة اليهودية-العربية، القائمة على الندية وعلى الاعتراف بحق المواطنين العرب بترسيخ هويتهم الوطنية والقومية عبر مؤسسات منفصلة وليست انفصالية. إن من شأن هذه الخطوة أن تنسف مقولات دوغمائية تحولت لدى البعض إلى شعائر دينية، وأن تفتح الباب أمام توسع التعاون القائم على الندية مع شرائح في المجتمع الإسرائيلي لخدمة قيم العدالة والسلام الحقيقي.

لقد عمل التجمع كل ما بوسعه، وبصدق متناه، ومبدئية مثابرة باتجاه خطوة التوحيد، ولكن، وإن لم تتحقق الآن، فإننا نكون قد وضعنا مدماكًا حقيقياً لإمكانية تحقيق مرحلة من التعاون الممأسس في المرحلة القادمة، ليس في الانتخابات البرلمانية فحسب، بل أيضًا وهو الأهم في الميدان؛ في ميدان المواجهة مع المؤسسة الإسرائيلية ومخططاتها.

نعم يكون التجمع عبر هذا الجهد، قد أوصل الفكرة وأوصل أهمية التعامل الوطني المسؤول إلى أوسع شرائح شعبنا الذي بالتأكيد سيقطف ثماره قريبًا، (على شكل إعادة بناء لجنة المتابعة). وفي إطار الجهود المنخرطة فيها أيضًا حركات سياسية هامة أخرى، كالحركة الإسلامية الشمالية وحركة أبناء البلد ومؤسسات المجتمع المدني والعمل الأهلي.

ومع ذلك وطالما لا تزال غالبية الأحزاب العربية ترى بأهمية خوض الانتخابات، وطالما يتفاقم الانزياح نحو اليمين واليمين المتطرف ضد الشعب الفلسطيني والمواطنين العرب داخل الخط الأخضر، فإنه يصبح من الأهمية بمكان العمل الموحد على رفع نسبة التصويت لإنجاح جميع القوائم العربية.

إن التجمع الوطني الديمقراطي يخوض معركته السياسية بقائمة قوية ومتجددة وجذابة ويخوضها ببرنامج سياسي ثقافي اقتصادي (وطني) تخص جماهيرنا الفلسطينية ومستقبلها وحقها في العيش في وطنها بكرامة. إنه الحزب الذي يواصل شق طريقه بعزيمة وإصرار، وإن تقويته تعني تقوية شعبنا وإسناد دوره في تحقيق مشروع الجماهير العربية – مشروع إعادة بناء لجنة المتابعة وإقامة المؤسسات الثقافية والاقتصادية والتعليمية القادرة على مواجهة أخطبوط السلب والتهويد والحصار الاستيطاني والاقتصادي.
 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018