سؤال المشاركة والمقاطعة/ إمطانس شحادة

سؤال المشاركة والمقاطعة/ إمطانس شحادة

*عضو اللجنة المركزية للتجمع الوطني الديمقراطي

يتعالى في السنوات الأخيرة، وقبيل كل انتخابات برلمانية في إسرائيل، سؤال مشاركة المواطنين العرب في الانتخابات البرلمانية، وتعود وتخبو هذه النقاشات بعد انتهاء الانتخابات، دون أن يتحول السؤال إلى مشروع سياسي دائم، ويتحول النقاش إلى مناكفات فكرية إيديولوجية للرد على سؤال جدوى العمل البرلماني أو منح شرعية لدولة إسرائيل بواسطة المشاركة في عملية التصويت، وكأننا نعبر بالمشاركة عن رضانا عن حالة العرب في إسرائيل أو عن "ديمقراطية" النظام، لا العكس.

وفي حقيقة الأمر، أرى أنّ السؤال الأساسي المطروح مختلف ويجب أن يكون: لماذا توجد أحزاب عربية في الكنيست وما هي الحاجة لها؟

في اعتقادي، الإطار العام للإجابة عن هذا السؤال مرتبط بغياب مشروع نضالي جماعي بديل عن العمل الحزبي البرلماني للعرب في إسرائيل؛ وبحقيقة كون الأحزاب العربية الممثلة في البرلمان تشارك في السلطة التشريعية لتمثيل المواطن العربي ومطالبه وهويته أمام السلطة الإسرائيلية لا العكس، أي أنّها لا تسعى لتمثيل السلطة الإسرائيلية أمام المواطن العربي؛ وبأنّ قسم من الأحزاب العربية تتعامل مع الكنيست كأداة واحدة من عدة إمكانيات للعمل السياسي داخل المجتمع العربي وتطرح بالتوازي مشروع سياسي جماعي إلى جانب العمل البرلماني، أي نحو إقامة مؤسسات تمثيلية جماعية عربية مثل انتخاب لجنة المتابعة أو إقامة برلمان عربي.

وبهذا، فإنّ الذهاب الى الكنيست ليس هدفًا أو خيارًا إيديولوجيًا بل خيار اداتي لتمثيل مصالح المواطنين العرب والتصدي للمشروع الصهيوني، بل وتحدي المشروع الصهيوني وهي وسيلة لبناء مشروع سياسي جماعي، على الرغم من كل ما يرافق ذلك من تناقضات. 

سؤال مشاركة أحزاب عربية في الكنيست الإسرائيلي ليس حديثًا بل خاضت فيه التيارات القومية والوطنية العربية منذ خمسينيات القرن المنصرم، بداية مع حركة الأرض. وفعلا أثناء تأسيس التجمع الوطني الديمقراطي، طُرح هذا السؤال. وبالمجمل دار الحديث عن إعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية أو التيار القومي داخل الخط الأخضر على أسس فكرية وتنظيمية حديثة، من ضمن ذلك تبني العمل البرلماني في كنيست إسرائيل إضافة إلى أساليب العمل السياسية الأخرى، الشعبية والثقافية والأيدلوجية.

اعتقد التجمع حينها، وما زال، أنّ العمل القومي الوطني البعيد عن هموم وقضايا الناس اليومية سيتحول الى دوائر نقاش فكرية وصالونات أدبية مصيرها الاندثار والفشل، والابتعاد عن الناس وهمومها. بالمقابل اعتقد التجمع أن الاهتمام في قضايا ومشاكل الناس اليومية والمطالب المعيشية فقط، أي التحول الى نائب الخدمات، سوف يؤدي الى أسرلة بامتياز ويفشل أيضًا. من هنا طرح التجمع مشروعًا وطنيًا متجددًا يدمج بين قضايا الناس اليومية المدنية والبعد القومي. الدمج هذا، وعمل التجمع في البرلمان وخارجه ساهم، فيما ساهم، في خلق انجازات سياسية ومدنية هامة، منها:

•    رفع الوعي السياسي والقومي للفلسطينيين في الداخل في أصعب مراحل الحركة الوطنية، مرحلة أوسلو وتغيّر النظام السياسي العالمي، وانهيار النظام العربي بعد حرب الخليج الأولى.

•   ساهم في تراجع التصويت للأحزاب الصهيونية وتحويلها الى ظاهرة هامشية في المشهد السياسي العربي في الداخل.

•    ساهم في رفع مكانة العمل الاهلي ومكانة الجمعيات العربية في الداخل. بل إنّ قسمًا من الأحزاب العربية ساهمت بقوة في إعادة بناء العمل الأهلي والمدني.

•    عمل التجمع في الكنيست ساهم في السنوات الأخيرة بفضح إسرائيل وديمقراطيتها المزيفة وممارستها، وساهم في تأليب المجتمع الدولي ضدها من خلال الكنيست وفي الوقت ذاته ممارسة النضال الشعبي.

•    أثر إيجابا على تصاعد حجم ووتيرة العمل النضالي الجماهيري، مثل مسيرات العودة والنكبة والتظاهر في الحرب على لبنان وغزة.

•   التجمع الوطني أخذ قسطا كبيرًا في حمل رسالة الفلسطينيين في الداخل الى منابر دولية وعربية.

•   حقق انجازات برلمانية تشريعية عينية، اثرت ايجابا على حياة المواطنين العرب. 

•    وجود التجمع، وأحزاب عربية أخرى في الكنيست يكبح لجام، الى حد ما، انفلات الاحزاب الاسرائيلية ويكبح في بعض الحالات سن قوانين عنصرية تجاههم او قوانين تحدد امكانيات العمل السياسي والأهلي. مثل اقتراح قانون فرض ضرائب على الاموال المجندة للجمعيات الاهلية او اقامة لجان تحقيق في عمل الجمعيات.

•   يرى التجمع ان العمل البرلماني لا يلغي أي وسيلة نضالية سياسية أخرى إنما يكملها.

بالمجمل، اعتقد التجمع الوطني الديمقراطي، وما زال، انه بغياب بدائل اخرى للعمل السياسي المنظم الجماعي للفلسطينيين فمن غير المجدي التنازل عن العمل البرلماني. ويؤمن أن ذلك لا يلغي أي وسيلة نضال اخرى ويجب ان يكون مدخل لخلق آليات عمل جماعي أخرى مثل انتخاب لجنة المتابعة وبرلمان عربي ليكون الاطار العام لوضع برنامج وطني سياسي مشترك للفلسطينيين في الداخل نتفق عليه بالحد الأدنى ونواجه الدولة به، ليكون تسوية او حل وسط تاريخي متفق عليه.

والسؤال الأهم هو كيف تتصرف في الكنيست الإسرائيلي، وكيف تخدم مشروعك السياسي الوطني، وكيف تمثل المجتمع العربي وتدافع عن مصالحه وهويته القومية وقضاياه اليومية، وليس ان تكون او لا تكون في البرلمان الإسرائيلي. فهذا السؤال ينطبق ايضا على مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات العربية، وعلى الإعلام العربي، وعلى النضال الشعبي العربي، فكل هذه المحاور اذا لم تخدم مصالح المجتمع العربي ولم تمثل هويته ونضاله القومي ومطالبه، تتحول إلى بوق يمنح شرعية للديمقراطية الإسرائيلية الزائفة
 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018