قراءة في نتائج الحراك الشعبي العربي من منظور اقتصادي/ خـالد خـواجا (*)

قراءة في نتائج الحراك الشعبي العربي من منظور اقتصادي/ خـالد خـواجا (*)

(*) اقتصادي وناشط سياسي فلسطيني مقيم في لوكسمبورغ

من الواضح أن إدراك وفهم الحرية بشكل كامل في الوعي البشري لا بد من أن يكون سابقا على تحققها عمليا على أرض الواقع، وإلا فسوف تكون سيادة الفوضى "حد الدمار" من أهم نتائج "حرية" الجهل.

ومعروف أن أهم أسس وشروط الديمقراطية يتطلبان قرار فرد مستقل وحر بنفسه وبتفكيره، ومستقل عن ركائزه الاجتماعية والاثنية والطائفية. وإذا لم يوجد هذا الفرد فصناديق الاقتراع ستتحول إلى ديكتاتورية عدد فقط لتكرس دكتاتوريات جديدة أهمها دكتاتورية الجهل والفساد.

ولكي نحاول أن نفهم ما يجري في منطقتنا العربية لا بد من فهم الواقع الاقتصادي كمحرك وكوقود لكل فعل بشري يتعلق بالبناء أو بالهدم.

السؤال إذن: هل يوجد أي دور للأزمة الاقتصادية والمالية العالمية التي انفجرت عام 2008 والتي لم تنته تداعياتها بعد في انطلاقة "الثورات العربية" أو في الحراك الشعبي هنا وهناك؟ وهل يعتمد المحللون "والخبراء" على معدلات النمو الاقتصادي في البلدان العربية، وعلى عُـزلة الأنظمة المصرفية فيها عن النظام المالي العالمي، للتقليل من أهمية آثار هذه الأزمة، كما ادّعى غالبية المسؤولين ووزراء المالية والاقتصاد العرب ـ كذباً أو جهلاً أو استخفافاً بالعقول ـ مع بدء الأزمة؟!

المؤشرات الكثيرة تدل على انخفاض التصدير لعام 2009 بنسبة تزيد عن 25% في تونس، و15% في مصر، كما تقلصت بشكل دراماتيكي عائدات السياحة وقناة السويس، والاستثمارات الخارجية المباشرة في جميع الدول العربية، وخاصة دول الحراك الشعبي الذاتي. إلا أن الأهم بالنسبة للدول التي تشهد "الحراك الشبابي الجارف" كان انخفاض كبير في تحويلات المغتربين التي مثّـلت فعلياً دور منظومة الحماية الاجتماعية الأساسية للطبقات الأكثر فقراً، وأثرت مباشرة على قدراتهم الشرائية.

الصدمة الاقتصادية وأزمتها كانتا إذن حقيقيتين، خاصة وأنهما جاءتا بعد ارتفاع كبير في أسعار المواد الغذائية العالمية بسبب آثار موجة جفاف في بعض البلدان وفيضانات غير مسبوقة في بلدان أخرى، وبسبب المضاربات في البورصات على السلع الأساسية والإستراتيجية، والتي قضت على التوقعات بتحسن الأحوال. تلك هي الصدمة التي هزت إمكانية استمرار النموذج الاقتصادي النيو- ليبرالي الذي تعمم في البلدان العربية مؤخراً بالإضافة إلى آفّة الاستبداد والفساد المرافق في كل المجالات، وبالأخص الفساد الأخلاقي النخبوي في المجتمعات العربية .

آثار الأزمة الاقتصادية أيضاً كانت كبيرة جداً في دول الخليج النفطية والمكشوفة أكثر أمام عالم المال العالمي. فقد تقلصت الفوائض المالية، والسيولة النقدية في القطاع المصرفي، الذي شهد خسارات فعلية لمحافظه الاستثمارية، وتوقفت بل خرجت التدفقات المالية الأجنبية التي كانت تعمل على المضاربة في الأسواق بسبب الخسائر الفادحة التي أصابتها، مما اضطر حكومات الدول الخليجية النفطية إلى التدخل لإنقاذ مصارفها، في حين انفجرت مشاكل ديون مؤسسات كبرى مثل مؤسسة إمارة دبي، وفقاعتها العقارية التي كان عالم المال المحلي ونموه قائماً عليها. وكانت الحلقة الأضعف هي مملكة البحرين، التي مثلت القاعدة المصرفية التاريخية في منطقة الخليج، والتي تجاهلت وتناست توصيات المؤسسات الدولية حول أولوية خلق فرص عمل لامتصاص القادمين الجدد من الشباب لسوق العمل، خاصة وأن توقعات وتائر النمو الاقتصادي ستكون منخفضة مستقبلاً عن معدلاتها المعهودة .

ونتيجة للأسلوب الفردي والعائلي القبلي ـ غير المؤسساتي ـ في الإدارة في مجمل الدول الخليجية فإنها ستحتاج إلى زمن طويل لاستعادة وتائر نمو مستدام، خاصة وأن تبعات الأزمة قد أظهرت مخاطر تنامي الإقراض المصرفي بصورة سريعة ومفرطة من دون رقابة حقيقية مؤسساتية أو حكوماتية، والاعتماد الكبير على التمويل الخارجي المضارب، وتزايد انكشاف أصول العديد من المصارف الخليجية على قطاعات العقارات والأوراق المالية الفاسدة، مع اللجوء إلى استخدام الأموال الساخنة وقصيرة الأجل لتمويل المشاريع والقروض طويلة الأجل، إضافةً إلى عجز الدور الرقابي للنظام المصرفي والمالي في تلك البلدان (هذا إن وجد أصلاً).

تداعت كل الحكومات القائمة قبيل انطلاقة "الحراك الشعبي العربي" وبخاصة بعده، لمحاولة استدراك آثار الأزمة على الطبقات الشعبية الأكثر هشاشة ـ ليس لمصلحة الفقراء ولكن خوفاً من الثورات الحتمية ـ لذلك نجد أن آليات التوزيع أو بالأحرى إعادة التوزيع الاجتماعي فاقدة لفعاليتها، إذ أن المال يضيع قبل أن يصل إلى المعنيين به نتيجة لفساد القائمين على التوزيع . وكثيراً ما شهدنا مشاريع كانت كلفتها المدفوعة من قبل الخزينة العامة، أكبر بأضعاف مضاعفة من القيمة الفعلية لتلك المشاريع.

وجاءت الثورات وما سمي بـ "الربيع" ومعها مشاكلها ومصائبها. وترافق ذلك مع انفجار المرحلة الثانية من الأزمة المالية العالمية التي أصبحت أزمة اقتصادية إنتاجية، بعدما كانت أزمة استثمارية إدارية في مراحلها الأولى، وأصابت الديون السيادية في دول مثل اليونان وبقية الدول الصناعية. وبالنسبة لتونس ومصر فهما تعانيان ومنذ وقت طويل من اضطرابات التحولات السياسية القائمة، في ظل انعدام استقرار داخلي وتباطؤ اقتصادي. ولم تأت أي مساعدات حقيقية، حتى لدعم استحقاقات الديون الخارجية لهما، لا من دول مجموعة العشرين (الصناعية والأغنى عالمياً) ولا من دول الخليج الأغنى نفطياً وعربياً. وأصبح كل استحقاق يشكل ورقة ضغط يستخدمها الخارج على تونس ومصر سياسياً لانتزاع مواقف سياسية واقتصادية وأمنية إستراتيجية منهما.

فما بالك باليمن المتعثر في كل شيء.

أما ليبيا ذات الفوائض المالية والنفطية الكبيرة فقد وعد قادة قبائلها الجدد بأنها ستدفع ثمن الحرب لإزالة استبداد القذافي عنها عبر عقود نفطية مما شكل حالات انقسام جديدة بين قبائل ومحافظات ليبيا لجهة من هو المستفيد أكثر، مما ينذر باستمرار عدم الاستقرار، وربما بحروب داخلية وأهلية في هذا البلد الغني بالنفط والغاز والفقير بالمؤسسات والنظام.

ومن الملاحظ في خضم الثورات هذه قيام بعض الدول بالحجز وتجميد حسابات وأموال وأملاك سيادية وأخرى خاصة بالحكام الذين سقطوا أو ينتظرون دورهم، تحت عذر الدفاع عن "الديمقراطية". لكن سيكون من الصعب على "الديموقراطيات الجديدة" استرجاع هذه الأموال، سيما وأن لا أحد يسرع للإفصاح عما تم الحجز عليه وأين وقع الحجز؟ ولم يزل بعض أبناء وأقرباء الحكام المستبدين السابقين يتجولون بأموالهم هنا وهناك، بانتظار أن تنسى الشعوب تلك الأموال بعد أن تفقد الأمل في استردادها.

وفي معمعان الحراك والثورات يتناسى الكثيرون من أبطال التغيير ذالك الهدف المقدس وهو الوصول إلى العدالة الاجتماعية كهدف رئيس "للربيع وللثورة"، ذاك الهدف الذي لا يمكن للحرية ولا للكرامة الإنسانية أن تستقيما من دونه. فهل توجد ديموقراطية إن لم يكن هناك ضبط للمال السياسي؟!! وهذا المال "السياسي القذر" أكثر ما يتدفق اليوم على البلدان المنتفضة عبر أقنية ووساطات تذهب لخلق استزلامات وقيادات جديدة لهذا الاتجاه أو ذاك.

المنطق والواقع وتراكم الخبرات البشرية يشير إلى أنه لا توجد ديموقراطية من دون ضبط المال، ومن دون شفافية كاملة وكشف لمصادر التمويل وسبل الإنفاق قبل سقوط أي نظام وبعده.

وبالنتيجة الحتمية للأسف، سوف نشهد أن ما يجري لن يصل إلى ديموقراطية حقيقية، وإنما إلى تغيير واستبدال استبداد القوة الصرفة والمطلقة باستبداد قوة المال الجارف، وإضعاف هيمنة السلطة المحلية، وتقوية الهيمنة لقوى خارجية غنية، سواء كانت هذه القوى دولا أو شركات أو عصابات، وهذا ما يعرف بالاستعمار الجديد.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018