مصر كبيرة على رئيسها و"جماعته"../ علي جرادات

مصر كبيرة على رئيسها و"جماعته"../ علي جرادات

يهوى صغار السن الأفلام الهندية، ويتندرون عليها عندما يكبرون، وبالأحرى عندما ينضجون، بسبب اتكاء إخراجها، عموماً، على نقل المشاهد من الضد المُفرح إلى الضد المُبكي، أو بالعكس، كأنْ ينتقل بطل الفيلم من دور الأم الحنون لطفل، (مثلاً)، إلى دور السارقة الخبيثة له. ذكَّرني بالمشاهد الدرامية للكثير من الأفلام الهندية المُفرحة بدايتها، المبكية خاتمتها، ما حدث، ولا يزال، في مصر، منذ أصدر الرئيس المصري، مرسي، "إعلانه غير الدستوري" الذي ينصبه "حاكماً بأمره"، بمبرر "حماية الثورة وأهدافها" من "مؤامرة"، تصور الناس أن وقوعها بات قاب قوسين أو أدنى، أو يكاد، ليتضح أن الأمر لم يكن سوى مناورة باهظة الثمن، واسعة التداعيات، معقدة النتائج، لتمرير مشروع دستور غير توافقي، عبر تحصين "اللجنة التأسيسية" لصياغته، فضلاً عن "مجلس الشورى"، من حُكْم المحكمة الدستورية التي حصَّن الرئيس قراراته من رقابتها، (ورقابة القضاء عموماً)، بل، وغض الطرف عن تطويق ميليشيات جماعته، "الإخوان"، لمقرها، ومنعِ قضاتها من دخوله.

تحيل مناورة "الإخوان" هنا إلى سؤال، صار من السذاجة تجاهله، مفاده: مَن هو الحاكم الفعلي، أعني الرئيس الفعلي، لمصر، أهو مرسي، أم بديع، المرشد العام لجماعة "الإخوان"، التي نشأت، وكل ما تفرع عنها، في مصر في نهاية عشرينيات القرن الماضي، بأحلام إحياء نظام الخلافة والملة العثماني وتصوراته العتيقة التي لم تخرج من التاريخ بفعل تآمر "المتآمرين" و"الكفرة الملحدين العلمانيين" على "الإسلام والمسلمين"، بل، بفعلِ، وبعد، ثلاثة قرون من الثورة الصناعية والحضارية، وبالتالي السياسية، التي جعلت القرن التاسع عشر قرْنَ تشكُّل "الدولة الأمة" بامتياز، أي بفعل مسيرة أحداث التاريخ نحو تجميع الأمة المنتشرة في دول عدة في دولة واحدة، ونحو انقسام الإمبراطوريات متعددة القوميات إلى دول قومية، حيث بات مصطلح "nation" يعني الوطن والأمة معاً؟   
      
إذ لعل من أهم انجازات الثورة الفرنسية، وأفضالها على البشرية، أنها دشنت أساساً تاريخياً، (يُبنى عليه)، لنشوء نظام حكمٍ حديث ينهي سلطة رجال الدين الموازية لسلطة الدولة أو المتحالفة معها، وينقل الدين، (من دون معاداة له)، من الحيز العام إلى الحيز الخاص، وينتج صياغات دستورية حديثة اقتضاها، (بالضرورة)، نشوء "الدولة الأمة" الجامعة لدويلات الأمة الواحدة، (ذات الأديان والطوائف والمذاهب المختلفة)، في دولة واحدة، صار صون وحدتها، والحفاظ على استقرارها، ومنع احتراب مكوناتها المتنوعة، مشروطاً بنشوء ما بات يُعرف بالدولة الديمقراطية المدنية التي يتوحد أفرادها كمواطنين أحرار متساوين بمعزل عن انتمائهم الديني والطائفي والمذهبي والإثني والجنسي. بهذا الإنجاز التاريخي للثورة الفرنسية، وبما بُني عليه في تجارب ثورات شعوب أخرى، صار ثمة تلازم، (يُنسى، بوعي أو بجهالة، أحياناً)، بين الهوية المدنية للدولة الحديثة، وبين الطابع الديمقراطي لنظام الحكم فيها، وأصبح الحديث عن الثاني دون الأول، مجرد لغو لا طائل منه إلا إنتاج، أو إعادة إنتاج، أنظمة الاستبداد في الواقع والجوهر، حتى وإن تشدق أصحابه في المظهر والشكل، بكل مقولات الحداثة والديمقراطية التي عرف التاريخ المعاصر العديد من تجارب استعمالها معبراً اضطراريا، وأداة، لإنتاج أكثر الأنظمة ديكتاتورية، بل، وفاشية أحياناً، كما وقع في ألمانيا هتلر، وإيطاليا موسليني، وإسبانيا فرانكو، (مثلاً). وبقدر ما يتعلق الأمر بالعرب، فقد كانت مصر أول قُطْر عربي عرف صياغة اللوائح والوثائق الدستورية الحديثة قبل ما يقارب القرنين، بل، وقبل 7000 سنة، حيث كان الفرعون يقسم اليمين أمام قاضي القضاة. ماذا يعني هذا الكلام؟

كان من الطبيعي حدَّ البداهة أن يكون الخلاف على الدستور المصري المنشود، بما هو خلاف حول هوية الدولة المصرية وهوية نظامها، هو المحور الأساس لصراع قوى "الإسلام السياسي" و"القوى المدنية" منذ أطاحت ثورة 25 يناير رأس النظام في 11 شباط 2011. بل، وثمة أسباب منطقية كثيرة، لاعتبار الصراع الدائر في "ميادين" مصر على الدستور، بمثابة التمثيل الأبرز للصراع حول مستقبل هوية الدولة العربية في مرحلة ما بعد الثورات العربية، عموماً. فمصر ليست، فقط، الدولة العربية الأكبر، والأكثر عراقة ورسوخاً لناحية حداثة دساتيرها ومدنيتها، بل، هي، أيضاً، موطن نشوء تيارات "الإسلام السياسي" العربية التي يبدو أنها ما زالت تعتقد أن بوسعها إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء، وأنه يمكن لنجاح مناوراتها في تمرير مسودة دستور يصبغ هوية هذه الدولة العربية أو تلك بصبغة دينية، أن يكون نهاية، وليس فاتحة، لصراع طويل، معقَّد، شائك، متعدد الأشكال والمراحل، وباهظ الأثمان، بينها وبين "القوى المدنية" على هوية الدولة العربية في مرحلة ما بعد الثورات الشعبية؛ لذلك فإن من السذاجة بمكان افتراض أن يضع تمرير الاستفتاء المزمع على مشروع الدستور المصري، بمعزل عن نتيجته، حداً للصراع السياسي والاجتماعي والقضائي حوله؛ ما يجعل من المنطقي افتراض تحوُّل نجاح مناورات "الإخوان" في التفرد بسلطة ما بعد إطاحة النظام المصري السابق، إلى عبء عليهم، بل، ويؤسس إلى زوال سلطتهم، عاجلاً أو آجلاً، ذلك لاقتران توليهم للسلطة، وبعد شهور فقط، باهتزاز الدولة، بما ينذر بتمزيقها وهدْم أعمدة وحدتها وشرعيتها، بعد أن فتح الإعلان الدستوري للرئيس مرسي بتوجيه من "الإخوان"، ونيابة عنهم، الباب على حدث كبير مُتْخم بتداعيات قابلة للتطور والتعمق، تعكس ما في جوفه من جديد نوعي، سيكون ما بعده غير ما قبله. وهذا ما يشي به ما أحدثه من ارتدادات عنيفة، حادة، وخطيرة، هزت القضاء المصري، ووضعته على كف عفريت، علماً أن القضاء والجيش المصرييْن هما، بلا منازع، عمادا الدولة المصرية الأساسيان، وأهم ضمانين لوحدة مصر الشعب، الوطن، المجتمع، والمؤسسات الوطنية، بشاهد دورهما الأساسي في الحيلولة دون اقتران إسقاط نظام مبارك بزعزعة الدولة المصرية التي وضعتها مناورة الإعلان الدستوري لمرسي و"جماعته"، لأول مرة في تاريخها الحديث، على مفترق خطير، لن تنجيها من عواقبه مناورة الإلغاء الشكلي لهذا الإعلان، واستبداله بإعلان آخر، يحصِّن الآثار المترتبة عليه، علماً أن الإعلان الثاني، كما الأول، يبقى، (بِحُكْمِ الغالبية الساحقة من قضاة مصر ومحاميها)، في منزلة: "غير الدستوري"، "المنعدم"، "المعتدي على استقلالية القضاء"، و"المُحتكر والمُصادر لسلطات لا تدخل في صلاحيات الرئيس".

هذا الحكم القضائي القاطع على "الإعلان غير الدستوري"، لم يمنع "الإخوان" و"السلفيين" من تبنيه، ومن مواجهة، بل، ومن إدماء، جماهير هائجة، ترفضه، وتنادي بإسقاطه، استجابة لدعوة "القوى المدنية"، التي توحدت، كما لم يحصل من قبل، في جبهة واحدة، شعارها: "للثورة شعب يحميها"، ما ينبئ بانتقال الثورة المصرية إلى مرحلة جديدة، جوهر الصراع فيها على صياغة أهدافها في دستور ثوري حديث يصون الهوية المدنية للدولة ويمنع إعادة إنتاج نظام الاستبداد المطاح في آن، ما يعني أن الصراع صار بين القوى الفعلية للثورة وبين "الإخوان" و"السلفيين"، بعد أن انكشف تماماً، أن مشاركتهم في الثورة حتى إطاحة رأس النظام لم تكن سوى ركوباً لموجتها، وأن اعتمادهم المسار الدستوري سبيلاً لتصفية بقايا هذا النظام، لم يكن بهدف تغيير مضمونه، بل، بهدف التفرد بالسلطة، وإقصاء "القوى المدنية"، وإطاحة الهوية المدنية للدولة، وفرْض تصور نظام الملة العثماني العتيق، الذي، وإن لم يمضِ، (عربياً)، تماماً، إلا أن ثمة جديداً عريقاً، لم يُخلق من عدم، يقارعه، وإن لم ينتصر كلياً بعد، ما يتيح القول: يبدو أن مصر كبيرة، بل كبيرة جداً، على رئيسها وجماعته، لكن الخشية كل الخشية، أن تدفع مصر الكبيرة هذه، ثمناً باهظاً، لمناورات حكامها "الجدد" المدفوعين، (عن وعي)، بأيديولوجيا التفرد بالسلطة وإقصاء الآخر، إلى الدوران في فلك "المحافظين الجدد"، أصحاب بدعة "الفوضى الخلاقة" في الولايات المتحدة، وحلفائها الغربيين والإقليميين، وأولهم إسرائيل، بلا ريب أو شك.     
 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018