بين "دَمَقْرطة" الإخوان و"أخْوَنة" مصر../ علي جرادات

بين "دَمَقْرطة" الإخوان و"أخْوَنة" مصر../ علي جرادات

حتى تنحية رأس النظام المصري السابق في 11 شباط 2011 ظل "الإخوان"، (كغيرهم)، يعترفون بالدور الأساسي لـ"شباب مصر" في صُنْعِ هذا الإنجاز التاريخي. بهذا الاعتراف النظري، (المساوي للإقرار بعجز صاحبه)، بدا، وكأن "الإخوان" يعترفون بقيادة طاقات مصر الشابة الناهضة للثورة وأهدافها، لكن ممارستهم ناقضت ذلك، فقد قدَّموا، منذ البداية، مصلحتهم في إجراء الانتخابات على مصلحة الثورة في ترسيخ إنجازاتها في نص دستوري، ما كشف، مبكراً، اختلافهم الجوهري مع "الشباب" على:

1: المضمون الملموس الكفيل بتحقيق مفهوم "الحرية والعدالة" المجرد.
2: السيناريو الفعلي الكفيل بمواصلة خط سير الثورة بضمان دستوري يكبِّل أيدي بقايا النظام، وكل الطامعين في إعادة إنتاجه، أيضاً.
   بذلك عطل "الإخوان"، وأعاقوا صانع الثورة الفعلي عن استكمال أهدافها، وفرضوا، (بالتوافق مع"السلفيين" و"المجلس العسكري")، خيارهم الفئوي الضيق. ويبدو أن الحصاد المبهر لـ"الإخوان" في "الاستفتاء الشعبي" على "الإعلان الدستوري المؤقت"، وفي الانتخابات البرلمانية، قد "أسكر" قيادتهم، وعمق سطوة الأيديولوجي على السياسي لديهم، وعزز سيطرة جناحهم "الصقري". وقد تجلى ذلك في:

* الحنث بكل وعود عدم اللجوء إلى المغالبة.
* "لحْس" الاعتراف بالدور الأساسي لـ"شباب مصر" في تفجير الثورة وانجازاتها.
* تنامي الاستهانة بالقوى السياسية والمجتمعية الوطنية المصرية ووصفها بـ"الفضائية".
* تنامي التقارب مع التيارات "السلفية".
* الدخول في مناوشات محسوبة ومخططة مع "المجلس العسكري".
* تعظيم الخلاف المجرد والمفتعل بين "الديني" و"المدني" بغرض إضاعة طاسة الخلاف الواقعي الملموس بين السياسي- الاجتماعي من البرامج.   
* زيادة، وتعميق، أواصر العلاقة مع الدول الغربية عموماً، ومع الولايات المتحدة خصوصاً.
  
بهذا أدخل "الإخوان" مصر في نفق إحلال التصورات الأيديولوجية الثابتة محل السياسي الاجتماعي المتحرك والمعقَّد، إلى درجة العمى عما جلبه ذلك لهم من خسارة لنصف حصادهم الانتخابي في الانتخابات الرئاسية، مقارنة بحصادهم في الانتخابات البرلمانية، وإلى درجة الظن، بل التوهم، بأن بوسع مناوراتهم أن تحسم، بسرعة واستقرار، نتائج ثورة شعبية، (وُصفت بالحدث التاريخي)، لم ينالوا شرف إشعال شراراتها، أو قيادتها، بل، والتحقوا بركبها متأخرين، وغادروا "ميادينها"، وأداروا الظهر لصانعها الفعلي، مبكراً. بذلك صار منطقيا أن يتقاطع الخلاف المصري حول السياسي الاجتماعي الفعلي، مع المعنى الملموس لمفهوم"الحرية والعدالة"، والنص الدستوري المحدَّد الذي يجسده، سياسياً وفكرياً واجتماعياً واقتصادياً.  
      
   بتوالي هذه الممارسات الأيديولوجية و"السلطوية" لقيادة "الإخوان" تجاه ثورة 25 يناير وأهدافها وصانعها الفعلي كَبر سؤال مصري، (وبالتالي عربي)، قديم جديد، فحواه: هل يقود تسلُّم "الإخوان" السلطة إلى "دمقرطتهم" أو إلى "أخونة مصر"؟ ظلت الحيرة الناجمة عن هذا السؤال سارية إلى أن جاء القول الفصل بشأنها في "الإعلان الدستوري" قبل الأخير للرئيس مرسي، الذي أظهر، بما لا يبقي مجالاً للشك، أن صدر"الإخوان" أضيق من أن يتحمل الانتقادات السياسية والرقابة الشعبية والقضائية والإعلامية المشروعة، (دستورياً وثورياً)، بل، وحسم بلا رجعة أن مواصلة الدوران حول ما أنتجه هذا السؤال من حيرة، لن يفضي إلا إلى ترسيخ سلطة "الإخوان" الاستحواذية الإقصائية، وإلى استمرار تشتت، وتشرذم، وانقسام صف الأطراف المعارضة لها، وإلى تأخير حشد، وتوعية، الطبقات والشرائح والقطاعات الاجتماعية المتضررة منها، وإلى تأخير ضرورة دعوة الشعب إلى الدفاع عن ثورته، وحماية منجزاتها، ومنْعِ ترسيخ الارتداد عليها في نص دستوري غير توافقي، يعيد إنتاج نظام الاستبداد السابق، ولا يعبِّر عن:

1: مصر ما بعد الثورة.
2: مصر المستقبل الذي يتوالد باندفاع شبابي في مواجهة ماضٍ صار خارج الممكن "العصري" والتاريخي.
3: مصر المتوافقة مكوناتها الطبيعية والتاريخية، ناهيك عن السياسية. 
4: مصر التي تميزت عن غيرها من الأقطار العربية بصياغة الوثائق الدستورية الحديثة قبل ما يقارب القرنين.
5: مصر المطلوب إعادة التوازن لمجتمعها الذي يعيش الملايين من أفراده في "العشوائيات" والمقابر، ناهيك عن عيش ما يربو على 40% منهم تحت خط الفقر، ومثلهم، ويزيد في دائرة الأمية والبطالة.
6: مصر المطلوب إنهاء النهب لمقدراتها الطبيعية وأرضها وثروتها.
7: مصر المطلوب استعادة كرامتها الوطنية والقومية وفك أواصر تبعيتها، سياسياً واقتصادياً.
8: مصر المطلوب إطلاق العنان لحريات، أحزابها، نقاباتها، اتحاداتها، إعلامها، فكرها، ثقافتها، وفنونها بأنواعها.
 
لهذا كله، وعليه، فقد كان من المنطقي أن تضع مناورة "الإعلان الدستوري" لتمرير مشروع دستور غير توافقي، حداً لوهْمِ إمكان أن يفضي تسلُّم "الإخوان" السلطة إلى "دمقرطة" سلوكهم، من دون مواجهتهم بنضال سلمي متعدد الوجوه والأطراف والمراحل. نضال ها هو قد انطلق، وقاد إلى تراجع الوزن الشعبي لـ"الإخوان" وظهيرهم "السلفي"، حيث جاءت النتائج غير الرسمية للمرحلة الأولى من الاستفتاء الشعبي على مشروع الدستور، (رغم كل المخالفات والانتهاكات والخروقات)، بعكس ما توقعوا، وأشاعوا، إذ ثمة معنى كبير أن يأتي التصويت بنعم لهذا المشروع بنسبة 56%، بينما كان لـ"الإعلان الدستوري المؤقت" في آذار 2011 بنسبة 77%، هذا ناهيك عن دلالات تراجع نسبة المقترعين، (حوالي 30%)، وعن أن جلَّ من صوتوا بنعم تركز في الريف، بينما صوتت القاهرة بنسبة الثلثين، بلا، وانشطرت الإسكندرية إلى نصفين في تصويتها.
 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018