أضخم عملية سطو على الثروة الثقافية الفلسطينية!../ نواف الزرو

أضخم عملية سطو على الثروة الثقافية الفلسطينية!../ نواف الزرو

في الحروب الإبادية-التدميرية للآخر التي عرفها التاريخ، يلجأ الغزاة أول ما يلجأون إلى حرق ونهب وإخفاء التراث الثقافي والفكري-الأرشيفي الخاص بالآخر، فقد عرفنا وقرأنا عن قيام التتار مثلا بتدمير وإحراق مكتبة بغداد التي كانت الأعظم على وجه الأرض في ذلك الزمن، وهي الدار التي جمعت تراث فكر المسلمين الذي شمل كل العلوم والآداب والفنون، من علوم شرعية، ومن علوم حياتية، ومن علوم إنسانية، الإضافة إلى كنز هائل من أبيات الشعر، والقصص والنثر، والترجمات المختلفة لكل العلوم الأجنبية. وكانت مكتبة بغداد مكتبة عظيمة بكل المقاييس، ولم يقترب منها في العظمة إلا مكتبة قرطبة الإسلامية في الأندلس، التي شهدت نفس التجربة التي مرت بها مكتبة بغداد، فعندما سقطت قرطبة سنة 636 هـ (قبل سقوط بغداد بعشرين سنة فقط) قاموا بحرق مكتبتها تماما.

وفي التاريخ العربي استهدف الغزاة دائما المكتبات العربية باعتبارها الثروة الثقافية الفكرية التأريخية للأمة،  ففي سنة 48 ق.م ، قام يوليوس قيصر بإحراق مكتبة الإسكندرية، وفي سنة 490م، أحرقت مكتبة الإسكندرية مرة ثانية، وفي سنة 641م، أحرقت مكتبة الإسكندرية مرة ثالثة، وفي سنة 1221م أحرق هولاكو مكتبات العراق، وفي عام 2003، وخلال الغزو الامريكي البريطاني لبغداد تم استهداف المكتبات والمتاحف والأراشيف العراقية والقضاء عليها إما بالتدمير أو السرقة.

غير أن ما جرى مع المكتبات الوطنية الفلسطينية على يد التنظيمات الارهابية الصهيونية، يحتلف تماما عن الحالات السابقة، ففي إطار سياسات التطهير العرقي الصهيونية، التي تعني من ضمن ما تعني الإبادة والتهديم والنهب والسلب، كشفت أطروحة دكتوراة أعدها الباحث الإسرائيلي د. غيش عميت من جامعة  بئر السبع، النقاب عن قيام العصابات الصهيونية بالسطو على عشرات آلاف الكتب الفلسطينية النفيسة والفريدة من بيوت الفلسطينيين، وتمت أعمال السطو هذه  تحت حماية جنود العصابات اليهودية والجيش الإسرائيلي، وبمراقبة ومساعدة أمناء المكتبة الوطنية الإسرائيلية.

وحسب وثائق الدكتور عميت فقد تم سلب مكتبات كاملة لعائلات وكتاب وأدباء فلسطينيين، مثل المكتبة الخاصة لخليل السكاكيني، ومكتبة آل نشاشيبي، إضافة الى مكتبات ووثائق الهيئات الفلسطينية العامة، والمدارس والكنائس. وكشف عميت في مقابلة خاصة مع صحيفة "هآرتس"، عن وثائق رسمية وقرارات حكومية بشأن كيفية التصرف بهذه المسروقات، وهذا الكنز الثقافي الهائل، وتحت أي بند يجب تخزينها.

وجاء في أطروحة عميت: هناك  في مخازن المكتبة الوطنية في القدس، ثروة مكونة من 8000 كتاب وضع عليها الحرفان AP ، اختصارا لعبارة "ممتلكات متروكة"، لكن الدعابة السائدة في المكتبة الوطنية تشير إلى أن المقصود بالحرفين المذكورين هو"القيِم"، في إشارة إلى"القيِّم على أملاك الغائبين"المسؤول عن هذه الكتب"،  وبين أيار 1948 ولغاية نهاية شباط 1949 تمكن عاملو "المكتبة الوطنية" من جمع 30 ألف كتاب، وصحيفة ومجلة تركها وراءهم سكان القدس، كما تم جمع آلاف الكتب التي كانت في المؤسسات التعليمية والكنائس، وتناولت مواضيع مختلفة: قانون، شريعة، تفسيرات للقرآن، أدب، ترجمات، أدبيات علمية، تاريخ وفلسفة. ويقول مخرج الأفلام الوثائقية بني برونير الذي أعد فيلما عن القضية تحت عنوان: "أكبر سرقة للكتب عرفها التاريخ": "منذ 64 عاما وهذه الكتب هناك، شاهد على قضية تاريخية منسية وكأنها لم تكن"، كان هناك من عرفوا بأمرها، لكن الحياة مستمرة والقضية ظلت طي النسيان"، ومن المقرر أن يعرض الفيلم في الثالث من يناير في السينامتيك في تل أبيب، وتعود هذه الكتب النفيسة لفلسطينيين من القدس ومدن أخرى، ممن فروا أو طردوا من بيوتهم عام 1948، وقام جنود الجيش الإسرائيلي يرافقهم عاملو وأمناء المكتبة الوطنية الجامعية (التي أصبحت اليوم المكتبة الوطنية) بجمعها من البيوت الخاصة والمؤسسات العامة ونقلها للمكتبة".

إلى ذلك، فإن المخفي أعظم وأخطر، ففي إطار إستراتيجياتها التي تستهدف الإبادة والتطهير، كي تبقى فلسطين لهم يهودية نقية، لم تتوقف الدولة الصهيونية عن العمل على محو كافة المعالم الحضارية والتراثية العربية في فلسطين، وتغطي كل ذلك بالخلفيات والنصوص الأيديولوجية والتوراتية، وما جرى مع المكتبات الوطنية الفلسطينية إنما هو جزء من حملة هدم منهجية للثقافة والفكر الفلسطينيين، بل للوجود العربي في فلسطين!

هي إذا، أضخم عملية سطو مسلح على الثروة الثقافية العربية في فلسطين، ألا يستدعي ذلك مثلا تحركا فلسطينيا عربيا عاجلا للمطالبة باسترداد هذا التراث الثقافي الفكري العلمي المنهوب على رؤوس الأشهاد على يد التنظيمات الصهيونية؟!

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018