مصر في عين العاصفة../ د. فايز رشيد

مصر في عين العاصفة../ د. فايز رشيد

مصر على وشك الأفلاس... واذا أكملنا ثلاثة أشهر فلن نكمل الأربعة، صرخة أطلقها البرادعي في تصريح له. ما وصلت إليه الأوضاع في مصر يتحمله الأخوان المسلمون، فالانفراد بالسلطة والإصرار على الاستئثار بها وإقصاء الآخرين سيوصل حتما إلى هذه النتيجة. دكتاتورية السادات ومن بعده مبارك استبدلت بدكتاتورية أشد وهي دكتاتورية الأخوان المسلمين، ولكن بقناع وطني هذه المرة، وكأن مصر لم تقم بانتفاضة جماهيرية، وكأن مصر لم تقدم شهداء ولم تعان.

المليارديرات من القطط السمان استبدلوا بشبيهين من حزب الاخوان المسلمين، الحزب المتفنن بالاستئثار بالسلطة حيث يستطيع. بدلا من تحسن الأوضاع الحياتية للشعب المصري ساءت أحواله وهذا بفضل السياسات القاصرة للإخوان المسلمين التي يقوم مرسي بتنفيذها بكل حذافيرها. هذا ما تقوله الصحافة المصرية بشكل يومي. برغم رفض كل القوى والأحزاب الأخرى للاستفتاء أصر الرئيس مرسي على إجرائه. لقد تم نشر تقرير صحفي في الصحافة العربية له أبعاده المختلفة بعنوان "نعم تكسب دائماً في استفتاءات مصر". 22 استفاءاً تم إجراؤها منذ ثورة 23 يوليو كلها حازت على "نعم". الاستفتاء على الدستور وهو الثالث والعشرون والذي تم في مرحلتيه الأولى والثانية، ووفقاً للنتائج الأولية حاز على أغلبية نسبية، لكن الذين ذهبوا للتصويت هم 16 مليون مصري من 52 مليونا يحق لهم التصويت، منهم 10 ملايين قالوا نعم، وهذا يشكل ما نسبته أقل من 20% من المصريين الذين يحق لهم التصويت، وهذه لا تساوي سوى خمس المصوتين على اعتبار أن كل الأخوان وأصدقائهم ذهبوا للتصويت، مما يعني أن 80 % من المصريين المسجلين للتصويت قالوا: لا.

للعلم الرئيس المصري محمد مرسي نجح في الانتخابات الرئاسية بأغلبية بسيطة بنسبة 51.6%. فما الذي يعنيه ذلك سواء بالنسبة لانتخاب الرئيس أو نتيجة الاستفتاء على الدستور؟ هذا يبين أن في مصر فريقين أحدهم يؤيد الحكم بما يمثله من سلطة للإخوان المسلمين بكل ما يعنيه من استئثار وتفرد بالسلطة وتفصيل الدستور على مقاساتهم، وإقصاء للآخر أيّاً كانت قوته. ثاني الفريقين هو القوى الوطنية والقومية والناصرية واليسارية التي ترفض جميعها انفراد الإخوان بالسلطة والدولة وعموم أجهزتها. الفريقان متوازيان ومتساويان تقريباً في تأييد المجتمع المصري لكل منهما.

يندر في التاريخ أن تجري كتابة الدستور لدولة عريقة في إعداد دساتيرها وتاريخ سلطتها القضائية بمثل السرعة التي جرت بها كتابة الدستور المصري (بمعنى آخر: لقد تم سلقه سلقا)، الذي جرى الاستفتاء عليه. الدستور تمت كتابته في يومين من قبل اللجنة التأسيسة التي في معظم أعضائها تتشكل من جماعة الإخوان المسلمين، وتم رفع المسودة للرئيس الذي صادق عليها سريعاً في نفس اليوم، وفي اليوم التالي، أصدر قراراً بعرضه على الاستفتاء في 15  و22 ديسمبر الحالي. الدستور المصري لم يجرِ توزيعه لا على المؤسسات المصرية المختصة ولا على القانونيين ولا على جماهير الشعب الذي من حقه مناقشة مواد هذا الدستور، والتصويت عليه بنعم تم على الأغلب على الجهة السياسية التي أصدرته. سنوات طويلة تأخذها صياغة الدساتير في الدول الأخرى. الدستور الأمريكي استغرق ما ينوف عن العشر سنوات لإعداده  ونفس المدة يستغرقها إعداد الدساتير في الدول الأخرى.

الرئيس مرسي وبإعلانه الدستوري الذي أصدره لتحصين قراراته ليكون حاكماً بأمره بدا وكأنه خطط لهذه اللحظة، فبعد إصداره لقرار موعد الاستفتاء، ألغى هذا الإعلان، بدا ذلك وكأنه استجابة لمطالب المعارضة، مع العلم أن الإعلان استنفذ دوره والأهداف التم تم إصداره من أجلها، ففي الفترة ما بين  صدوره وإلغائه كان إضراب السلطة القضائية وحوصر مقرها ومنع أعضاؤها من الدخول إلى المقر، وكان على جدول أعمالها: البحث في شرعية اللجنة التأسيسية. الأخيرة وبعد صدور الإعلان الدستوري عن الرئيس، استقال ممثلو القوى المعارضة فيها كلهم بلا استثناء، احتجاجاً على أن الإخوان المسلمين الذين  لهم فيها الأغلبية  يسيطرون عليها حتى في ظل وجود كل هذه القوى.

الإخوان المسلمون تراجعوا عن كل الوعود التي قطعوها على أنفسهم بعدم الاستيلاء على مجلس الشعب. الرئيس مرسي الذي استقال من منصبه في الحزب غداة تسلمه لمهام منصبه (والذي بقي ينفذ سياسات الحزب) حذا حذو حزبه فتراجع هو أيضاً (بعد وعود قاطعة له) عن إشراك القوى الأخرى في السلطة بكافة أجهزتها: رئاسة وحكومة ووزارات وغيرها، فكل هذه سيطر عليها حزب الحرية والعدالة الذي هو الإخوان المسلمون.

للعلم: فإن كافة قوى المعارضة شاركت في اختيار مرسي في الانتخابات الرئاسية لتقطع الطريق على مرشح الفلول، ومن المرشحين للرئاسة في الجولة الأولى كان حمدين صباحي الناصري أحد أقطاب المعارضة وحصل على الترتيب الثالث وبأصوات كثيرة، ثم إن التجمع في ميدان التحرير (حيث يتجمع معارضو مرسي) فإن تعدادهم في كثير من الأحيان يصل إلى مئات الآلاف، الأمر الذي يؤكد أن لقوى المعارضة وجودها القوي في الشارع المصري، ليس في العاصمة وإنما في كافة المحافظات المصرية والمدن الأخرى.

بالمعنى السياسي فإن سلطة الإخوان تبدو وكأنها استمرار لعهد مبارك، ظهر هذا في العلاقة مع إسرائيل والحرص على التمسك باتفاقية "كمب ديفيد"، و في أثناء العدوان الصهيوني الأخير على القطاع في نوفمبر الماضي، فمارست مصر نفس دور الوساطة الذي كان يمارسه مبارك، بين الطرفين. مصر أيضاً اقترضت من البنك الدولي (4)مليارات دولار وهي نفس السياسة التي مثّلها السادات ومبارك.

المواطن المصري لم يشعر بتغيير حقيقي في السياسة الداخلية المصرية أو السياسة الخارجية، فالإشكالات الاقتصادية بقيت ذاتها، ومعاناة الجماهير الفقيرة ظلت مثلما كانت. ندرك أن فترة الرئيس مرسي في منصبه ما زالت قليلة غير أن فترة تقارب النصف سنة كافية لإثبات أن هناك بداية توجهات لسياسات صحيحة. هذا ما تعكسه الصحافة المصرية ذات الاتجاهات السياسية المختلفة في كتاباتها عن الإخوان، وتقاريرها بعيدة كل البعد عن المبالغة، وهي مستمدة من واقع الحياة المصرية.

الإعلان الدستوري (رغم إلغائه) والإصرار على الاستفتاء في موعده: قسما الشراع المصري طوليا وعرضيا، وإقرار هذا الدستور (حتى بحسابات الحكومة)، لا يلغي مثل هذا الانقسام في الشارع المصري. الذي يلغي الانقسام: الاتفاق على القواسم المشتركة بين أحزاب السلطة (الإخوان والسلفيون) وأحزاب ووجوه المعارضة من خلال الحوار. جميع هذه الأحزاب شاركت في الثورة ( مع أن الأخوان شاركوا متأخرين وهم الوحيدون الذي حاوروا عمر سليمان بعد تعيينه نائبا للرئيس المصري في ظل رفض القوى الأخرى للحوار). بالتالي فإن  تقاسم السلطة وعدم احتكارها والتفرد بها من قبل فريق دون آخر يظل هو ضمانة الوحدة الوطنية، مصر ليست مهمة من أجل ذاتها فقط وإنما من أجل العالم العربي من المحيط إلى الخليج، ومن أجل دورها الأفريقي  وعلى الصعيد العالمي أيضا. مصر يجري تقزيم دورها الآن كما في عهدي السادات ومبارك.

ليس الحل في فرض الدستور من جهة واحدة على الشعب المصري، فهذا سيؤدي إلى الاستقطاب وإلى المزيد من تعميق الشرخ المجتمعي، وإنما تكمن المسألة في كيفية الخروج من هذا المأزق. من جهة الإخوان يطالبون بفرض الدستور فرضاً، ومن جهة أخرى المعارضة تطالب بإعادة الاستفتاء واتهمت الدولة بممارسة التزوير، والنسب الجماهيرية للفريقين متقاربة (حتى وفقا لحسابات الدولة)، لذا لا بد من إيجاد الحل العملي والواقعي الذي يجنب مصر مأزق استمرار الشرخ على طريق الانهيار الاقتصادي والتمزق الاجتماعي وتآكل الدولة ووصولها إلى الحضيض.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018