الكرامة إنجاز إعلامي؟ والأشخاص أهم من القضايا؟../ ربيع هنداوي

الكرامة إنجاز إعلامي؟ والأشخاص أهم من القضايا؟../ ربيع هنداوي

ثمة عملية انتخابية متكررة نصادفها كل بضعة سنوات ويلحظ صداها المواطن، أي مواطن، عبر الإعلام الحزبي المنتشر بكثافة في الشوارع والشبكات الاجتماعية. يتفاعل الإعلام الحزبي مع العقول عبر خطابين: الأول سياسي يؤسس لقيمة أخلاقية وسياسية. والثاني انتخابي  يدفع المواطن نحو التصويت للحزب المعني دون تبني آرائه أحيانا كثيرة.

يتوسط الخطابين أعلاه الحملات الدعائية التي يبدأ سريانها قبل أسابيع قليلة من الموعد الرسمي للانتخابات، ليبدأ كل حزب بنشر منتجاته الإعلامية التي منذ إطلاقها ترفض الحياد، ويتم إسقاطها على أحد الخطابين تارة، وعلى الخطابين سوية تارة أخرى.

بالطبع، لا يمكن الفصل آليا بين الخطابين، وتأثيرهما في تشكيل الوعي لكون الضرورة الانتخابية تطلب من الأحزاب تأطير قيمها السياسية في منتجها الإعلامي، الإ اذا قام الحزب -أي حزب- بعزل  المنتج الإعلامي عن القيمة السياسية أو منحه هامشا ضيقا عبر اختصار المنتج بالمنافسة الانتخابية دون أدلجتها سياسيا بالطريقة اللائقة، وذلك عبر إطلاق منتجات إعلامية مثل: "أنجزنا رغم الصعوبات" و"أنجزنا أكثر من الآخرين" في رسوم بيانية  تعتمد على المقارنة مع الأحزاب الأخرى، لا على الصراع مع الدولة ودون التطرق للقيمة السياسية بحدها الأدنى، أو عبر إطلاق حملات سياسية تتطرق للصراع مع الدولة ولكنها لا تقصده، مثل شعار " من لا يصوت للعربية يصوت للصهيونية " قاصدا مناكفة غير مصوتيه أكثر مما يقصد مهاجمة مصوتي الأحزاب الصهيونية، للأسف.

في عرض سريع  لبعض الحملات الدعائية للقوائم العربية والعربية - اليهودية الانتخابية المرشحة في ال 22 يناير القريب والتي يدخل بها تناقضات جمع القيمة السياسية داخل المنتج الإعلامي بطبيعة التناقض المتراكم تاريخيا والمتمثل بمقولة "إرض بالإنجازات الفردية وإنس الجماعة وتعقب الأمل، حتى لو كان وهما ما دام يحمل فتاتا ليوم أو يومين "، تناقض بين قيمة سياسية  تنتشر ببطء وتحتاج لتذويت، ومنتج إعلامي انتشاره السريع مكمن نجاحه. القيمة أخلاقية ترفض المساومات، والمنتج الإعلامي سر نجاحه في قدرته على الوصول إلى من يختلفون معه. يشتغل المنتج الإعلامي عبدا للقيمة السياسية عند انتشار الظلم والعنصرية والتطرف، والعكس صحيح في غيابه. فهل حقا يريد لشعب عاش النكبة وحكمها العسكري مرورا بالانتفاضتين بعد يوم الأرض أن يختار قائمته الانتخابية بناء على من رفع يده أكثر في الكنيست أو حضر جلسات أكثر؟ هل هو استهتار بعقول الناس أم هي عقلية غلب عليها نعاس الستينيات وما زالت ترى في العربي يرفض القمع ويتصدى له لكن يرفض التصدي شديد اللهجة وثابت الخطا؟

إن انهيار القيمة السياسية (أقصد الوطنية) لحساب المنتج الإعلامي في الحملة الإعلامية للجبهة الديمقراطية وتشديدها في المقارنة على حزب "العمل" الصهيوني وإنتاجه يوحي بإخفاء قيمة سياسية للمنتج يرى في الوسيلة رقيا أكثر من الهدف، وحالة جافة لكيفية انتقال الهوس من القيمة الى الثمن، وتقييما أعور للحالة السياسية والتي تستنتج فيها القيادة أن الإنسان العربي في الداخل لا يحتاج كرامة سياسية بل يحتاج إلى أوهام إجتماعية، عدا عن الطرح المتجدد للسؤال المتدحرج من التاريخ القريب والبعيد: هل تركيز الجبهة على خطابها الاجتماعي دون السياسي نوع من الخطوة الى الخلف في مشروع التصدي، أم يقف خلفه مشروع الحفاظ على التيار اليهودي المتنوع  داخل الحزب والجبهة والذي يكن بعضه للصهيونية حميمية كبيرة؟

لا داعي للجواب، ما دامت الثقافة التي تبثها الجبهة تأتي بهذه الطريقة، وحقا لا أريد أن أجزم ما الهدف ما دامت الوسيلة سيئة لهذا الحد. للمعلومة، درج بعض المفكرين في الغرب على تسمية الحالة السياسية هناك على أنها ما بعد حزبية ما دام المواطن في أمان، فالنظام القانوني يحميه دون تحزبه ودون نضال، فهل الحزب الشيوعي سائر في اتجاه شبيه: حالة حزبية دون سياسية لمن كتب لهم البقاء دوما في المعارضة، ولهم مصلحة في جلب السياسة إلى المركز؟ الجواب مفترض، وعلى أمل أن لا يبقى ضمن الافتراض مستقبلا.

أما القائمة الموحدة  فقررت الاستمرار في ثقافة عزل القيمة الأخلاقية والسياسية عن خطابها السياسي في منتجها الإعلامي، استمرار لحالة "نحن نمثل الجماهير سياسيا دون أن نسيسها" عبر تغليب الأشخاص على القضايا، فعدا عن الشعار الجهنمي الركيك "يصوت للصهيونية"، نرى مرشحي القائمة الموحدة بارزين أكثر من القضية التي يعبرون عنها في منتجاتهم الإعلامية، عبر "تحركهم" في مقابل "سكون القضية" التي يمثلونها، فالمرشح مسعود غنايم يعلم، وإبراهيم صرصور يزور، وطلب الصانع يأخذ قسطا من "جبل الباطون".

خاتمة، كان لا بد للطوفان أن ينذرنا بفكرة ما، فالشوادر المتطايرة على قارعة الطريق هي دعوة أخرى لجلب معايير أرقى ومنتجات إعلامية تتعامل مع شعب وليس مع مجموعة تشخص على أنها تلهث وراء المصالح أو لا تعرف من السياسة الإ شعاراتها. فليس من الذكاء أن يكون صوتك أعلى، بل عليك أن ترتفع بصوت الشارع حتى يكون تأثيرك أكبر، فلا تجعل من المناكفة الإعلامية نوعا سيئا من المهاترة السياسية.

دمتم وودام الطوفان فرصة لإعادة التوازن.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018