نستطيع../ عرين هواري*

نستطيع../ عرين هواري*

* عضو المكتب السياسي للتجمع الوطني الديمقراطي

لأول مرة يخوض التجمع الوطني الديمقراطي المعركة الانتخابية دون أي تحالف، ويزيد عدد مصوتيه، ليدخل ثلاثة من قياداته إلى البرلمان، منتخبا الثانية بقائمته امرأة دون أن تحتاج إلى تحصين بل تم انتخابها بنسبة 77% من أصوات مندوبيه في المؤتمر.

كانت المعركة الانتخابية فرصة لنا كي نرى حجم التضامن الكبير مع التجمع الوطني الديمقراطي، ومع قيادته ضد التحريض الدموي عليه، ولاسيّما على النائبة حنين زعبي.

"حنين رفعت رأسنا"، ما أكثر ما سمعنا هذه الجملة خلال الحلقات الانتخابية مع النساء والرجال، ويمكننا تسجيل آلاف الاقتباسات المشابهة التي سمعناها من الناس. وهذه فرصة لنشكر الداعمين لنا ومصوتينا على مساعدتنا في تسجيل أكبر إنجاز للتجمع في الانتخابات البرلمانية، وهو برأينا إنجاز للحركة الوطنية التي تؤكد أنه كلما ازدادت الملاحقة والتحريض عليها تزداد قوة.

كانت فترة الانتخابات فرصة أيضا لنرى كم يؤمن جمهورنا بقيادة نسائية، وكم هو مستعد لأن يدعم قائدة ويفخر بها. وبدا جلياً أن الاستهتار بقدرات النساء، ولاسيّما بقدرة المرأة العربية، كان من نصيب القيادات الصهيونية الرجالية والنسائية تلك التي تنحدر من دول أوروبية وتدعي "الحداثة" والـ"تقدم".

لا يمكن للكلمات الداعمة وللتضامن الكبير معنا أن يثنينا عن الإصغاء للأصوات الأخرى التي سمعناها، والمشاهد التي رأيناها خلال هذه المعركة وخلال التواصل مع الناس. أصوات تعبر عن شرائح مجتمعية مختلفة أتناول هنا بشكل خاص شريحتين منها: الأولى لا ترى جدوى بالعمل السياسي وتخافه، والأخرى تؤدلج لعدم جدوى العمل البرلماني. كان مؤلما لنا سماع الأصوات التي تقول لنا "شو بطلع بأيدينا"، ولكن كان محزنا أكثر أن نسمع أصواتاً تريدنا "ألا يطلع بأيدينا".

فأما الشريحة الأولى فهي لا تؤمن أصلا بأننا نستطيع، ولا تؤمن بضرورة العمل السياسي؛ لا الشعبي ولا البرلماني، ويفهمون العمل السياسي ويقيمونه بالإنجازات المادية الملموسة فقط، أي يقيمون النائب المعارض في البرلمان كما يقيمون الوزير في الحكومة، وقد يعزون إنجازاتنا حتى في الحراك الشعبي في الدفاع عن الأرض أو المسكن، لـ"حسن أخلاق المحتل".

مؤلم أن نرى كم تسيطر على بعضنا لقمة العيش، في تعاملهم مع السياسة. لا نلوم الناس لأننا نفهم ما قامت به المؤسسة الحاكمة خلال عقود من سيطرتها على شعبنا، من تحويل لقمة العيش إلى مشروع نضالي، فلقمة العيش كانت أجرا يتلقاه من يسكت ويبتعد عن العمل السياسي، أو من يعمل لصالح السلطة، هذا ما أسّست له السلطة خلال فترة الحكم العسكري وما تلاها. وهذا ما تحاول القيام به لغاية اليوم من خلال التحريض على التجمّع والحركة والوطنية من أجل تخويف الناس من العمل السياسي خاصة الذي يرفع السقف الموجود، وهذا ما علينا إعادة التفكير في كيفية محاربته.

وأما الشريحة الثانية ممن زاودوا على العمل البرلماني، فكان واضحا أنهم لا يكتفون بعدم التعويل على العمل البرلماني، ولكن بعضهم كان يشعر بنشوة كلما ازدادت التوقعات بأن تتشكل حكومة فاشية أكثر، ليثبت لنفسه أنه لا أمل في علمنا البرلماني المتصدي للمد الفاشي.

قاموا بذلك بالطبع من دون المساهمة معنا في إنشاء مشروع بديل، ودون مشاركتنا في نضالنا الشعبي. كثيرون ممن تشنّجوا خلال هذه المعركة في التأكيد على ضرورة المقاطعة، وضرورة تبني بدائلَ من الحراك الشعبي، لم نرهم أصلا في العمل الشعبي ولا في النضالات الجماهيرية.

كثيرون ممن لا يريدون العمل البرلماني، ولا أقصد أعضاء حركة أبناء البلد والمقربين منهم وعددهم محدود أصلا، لا نراهم في النضالات الشعبية لا عندما يهدم بيت في مصمص، ولا عندما تهدد بيوت دهمش، ولا عندما تصادر أراض في جلجولية، ولا عندما نحيي ذكرى مجزرة كفر قاسم، ولا في الدفاع عن قرية العراقيب، ولا في التظاهرات ضد حصار ترشيحا من قبل "معلوت" و"كفار هفرديم"، ولا عندما يتم طرد عمال من المصانع، لا نجدهم في اللجان الشعبية، ولا في المظاهرات. وهم في نفس الوقت لا يقاطعون مؤسسات الدولة، ولا أقصد الحالة الاضطرارية وهي حمل الهوية، وإنما يعمل بعضهم بشكل اختياري ضمن مؤسسات الدولة، ويستغلون ميزانيات الوزارات المختلفة، ويستغلون المحاكم من أجل قضايا عامة وخاصة وبعضهم أول المتعاطفين مع فرق كرة قدم تحمل اسم "مكابي" وهبوعيل". وعندما يحقق العمل البرلماني إنجازا لا يتوانون عن الاستفادة منه، ولكن عندما تسنح الفرصة للمزاودة على العمل البرلماني ليضعوا أنفسهم في خانة "الوطنيين كثير" لا يفوِّتون تلك الفرصة.

تحتاج هذه القضايا إلى مناقشة أطول وعبر مقالات أطول وأيام دراسية تناقش الخوف من العمل السياسي، كما واللامبالاة نحوه، وتناقش أيضا أدلجة اللامبالاة تحت شعار المقاطعة، ولكن نكتفي هنا بإعادة التأكيد على أهمية إنجاز التجمع بانتصاره، وتوسيع صفوفه خصوصا في ظل الهجوم الفاشي على وجودنا في البرلمان وفي الوطن.
نعم.. نستطيع..

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018