الاستبداد والإفقار والتبعية بالانتخاب../ علي جرادات

الاستبداد والإفقار والتبعية بالانتخاب../ علي جرادات

ليس على مقاس النخب الحاكمة والمعارضة، (بألوانها الفكرية المتنوعة)، إنما على مقاس شروط الحياة الواقعية، (سياسة واجتماعاً واقتصاداً)، تحدد الشعوب أهدافها، وبالتالي، أولويات مطالب، انتفاضاتها وثوراتها. وبقدر ما يتعلق الأمر بالشعوب العربية وثوراتها، فإن هدفيْ الاستقلال الوطني التحولات الديمقراطية، بالمعنيين السياسي والاجتماعي، كانا، وما زالا، الهدفان الأساسيان المطلوب، "بالقوة"، إنجازهما، ما جعل تحقيقهما، "بالفعل"، المعيار الأول للحكم على جدارة وصدقية، وبالتالي، على شعبية، التيارات الفكرية السياسية العربية، (الحاكم منها والمعارض). ففي تجربة الشعوب العربية، ( ككل الشعوب التي مرت بتجربة الاستعمار المباشر)، فإنه، رغم منطقية اعتبار الاستقلال الوطني الهدف السياسي الناظم لانتفاضات الشعوب العربية وثوراتها، إلا أن اختزاله في تولي وكيل محلي للأجنبي، أو تحوله إلى هذه الحال، هو ما قاد إلى تفريغ الهدف الوطني من محتواه الديمقراطي، سياسياً واجتماعياً. إذ معلوم أن الشعب الجزائري هو الشعب العربي الوحيد الذي طرد الاستعمار بالثورة المسلحة دفعة واحدة، أي دون المرور في مرحلة من الاستقلال الوطني الصوري المكبل بمعاهدات تجيز استمرار الوجود الأجنبي بمظاهره السياسية والعسكرية والاقتصادية، كمرحلة مرت بها بقية الشعوب العربية، وأنهتها موجة الانقلابات العسكرية على أنظمة الوكلاء المحليين للأجنبي في مصر والعراق وسوريا واليمن والسودان وتونس وليبيا. ولافت للنظر أن تكون هذه الأقطار العربية بالذات هي مسرح الانتفاضات الشعبية الجارية، ما يحيل إلى أن ما أنشأته الانقلابات العسكرية من أنظمة وطنية قد حملت، بطابعها السلطوي الشعبوي، قصوراً طبقياً بنيوياً، لم يحل، (وهذا منطقي)، دون بناء ديمقراطية سياسية، فحسب، بل، قاد، (كنتيجة محتومة)، أيضاً، إلى الارتداد على ما حققته للطبقات الشعبية من مكتسبات، وعلى ما حققته لشعوبها من استقلال وسيادة وطنيين، وعلى عهد دفاعها عن قضايا الأمة، في مقدمتها قضية الشعب الفلسطيني الذي لم ينل استقلاله الوطني بعد. وهو ما أفضى إلى الثورة على هذه الأنظمة، وإطاحة أقوى قلاعها، بعد عقود من الاستبداد والفساد السياسي والإفقار الاجتماعي والتبعية للأجنبي.

وبعد عامين من اندلاع الانتفاضات الشعبية العربية الجارية، يبدو أن تيارات الإسلام السياسي، وتيار"الإخوان" منها بالذات، تسير نحو المصير المحتوم ذاته، عاجلاً أو أجلاً. أما لماذا؟
لئن كان تفريغ الأنظمة الوطنية الشعبوية للاستقلال الوطني من محتواه الديمقراطي السياسي، هو ما قادها إلى الارتداد، (منذ أواسط سبعينيات القرن الماضي)، على ما حققته لشعوبها من إنجازات وطنية ومكتسبات اجتماعية للطبقات الشعبية، وبالتالي، إلى الثورة عليها، وإطاحة بعض رؤوسها، فيما بعضها الآخر على الطريق ينتظر، فإن فوز تيارات الإسلام السياسي بالانتخاب لن يحميها من بلوغ المصير ذاته، لسبب أساسي، جوهره: أنها قفزت إلى السلطة على أكتاف ثورات شعبية، ببرنامج اقتصادي ينحاز، عملياً وكلياً، (رغم الشعارات الرنانة)، لمصالح طبقات "الانفتاح الاقتصادي" إياها التي قادت عملية الارتداد على منجزات الاستقلال الوطني ومكتسبات الطبقات الشعبية، وحولتها، بالتبعية لمصالح دول النهب الأجنبي، بقيادة الولايات المتحدة، إياها، إلى شكل بلا مضمون.

وأكثر، إذ ليس فقط بتغييب الانتخابات أو استبدال الاستفتاءات بها على إدامة سلطة "القائد الأوحد" تنشأ أنظمة الطغيان، المساوية لحكم "المستبد العادل"، وكأن ثمة عدلاً مع الاستبداد.  وليس فقط بإيراد نص دستوري يجعل الحزب الحاكم "قائداً للدولة والمجتمع" تنشأ أنظمة الاستبداد، المساوية للتعسف في تطبيق القانون، أي لمفرخة الاستحواذ على السلطة وإقصاء المجتمع السياسي والمدني. بل، إن هذا وذاك من الأنظمة يمكن أن ينشأ، أيضاً، مع وجود الانتخابات، ودورية عقدها، في حال اتخذ المرفوع إلى السلطة بالانتخاب سلطته وسيلة للسيطرة على مفاصل الدولة والتحكم بمؤسساتها، لأنه بذلك يساوي السلطة بالدولة، ما يحوِّل، مبدأ "سلمية تداول السلطة" إلى شكل بلا مضمون. وهو ما يقود، (كما دلت التجارب العملية)، إلى إفلات يد الحزب الحاكم من الرقابة، المرادف لبقائه في السلطة، سواء عبر صياغة قوانين الانتخاب على نحو يخدمه، أو عبر تلاعب الإشراف عليها بأشكال مختلفة يحول غياب الرقابة القضائية والإدارية المستقلة والنزيهة دون كشفها. ولعل في تجربة إيران، (مثلاً)، ما يكشف كيف تحولت الانتخابات من طريق إلى تداول سلمي فعلي للسلطة، وتنافس ديمقراطي حر ونزيه عليها، إلى وسيلة لبقاء تيار "الإسلام السياسي" فيها، بعد أن قام بسحق كل ما عداه من تيارات منافسة، شاركته في ثورة إطاحة نظام الشاه الاستبدادي عام 1979.

ويبدو أن تيارات الإسلام السياسي السني، ( و"الإخوان" منها بالذات)، تحاول استلهام التجربة الإيرانية، وتطبيقها في الواقع العربي، بعد فوزها بسلطات انتقالية أنجبتها ثورات شعبية في أكثر من قُطْرٍ عربي، وفي مصر وتونس بالذات. لكن ما غاب عن ذهن قيادة تيارات الإسلام السياسي العربية، هو أن تاريخ تجربة البلدان العربية، عموما، وفي واقعها الراهن، خصوصاً، هي ليست إيران، وأن ما تم تمريره في الأخيرة بعد ثورتها في العام 1979 لا يمكن تمريره في المنطقة العربية المنتفضة شعوبها منذ عامين، ذلك لسببين أساسيين، هما:

أولاً: بما يشبه ما حصل في العهد الناصري من نظام ما بعد ثورة 1952، ومع اختلاف الهوية الفكرية والظروف وما تحقق للطبقات الشعبية من مكتسبات، استطاع النظام الإيراني بعد ثورة العام 1979، أن يعوض نقيصة استبداده الداخلي، بتبني مشروع قومي، حقق، وما زال يحقق، انجازات فعلية على الأرض، في مواجهة المشروع الغربي القائم على النهب وانتهاك الاستقلال والسيادة الوطنيين للدول؛ لكن هذا المشروع الوطني غير القائم، (أصلاً)، في برنامج جماعة الإخوان المسلمين التي جاءت ممارستها على الأرض، بعد توليها السلطة، لتبرهن على بطلان إدعاء امتلاك مثل هذا المشروع، ولو بحدود مشروع العهد الناصري الذي ناصبته العداء، وما زالت تناصبه، لأسباب أيديولوجية يتأكد اليوم مدى ارتباطها بما وقع للتجربة الوطنية الناصرية من عداء دولي غربي، بقيادة الولايات المتحدة، وكل من يدور في فلكها من توابع عربية وإقليمية.    

ثانياً: أن المعارضات الوطنية الديمقراطية العربية، بألوانها القومية والليبرالية واليسارية، قد تعلمت، (إن ليس بالسرعة والقدر المطلوبين)، الدرس من سحق تيار الإسلام السياسي الشيعي الإيراني لما عداه من تيارات فكرية سياسية بعد الثورة، وبالتالي، فإن محاولات تيار الإسلام السياسي السني إعادة إنتاج سيناريو الاستبداد بالانتخاب في التجربة الإيرانية في واقع ما بعد الثورات الشعبية العربية، غير ممكنة النجاح، بدليل ما أفضت إليه هذه المحاولات، سريعاً، في مصر وتونس، (مثلاً)، من استقطاب فكري وسياسي ومجتمعي حاد، أنجب صراعاً ميدانياً وشعبياً مفتوحاً، تجاهلت قيادة جماعة الإخوان المسلمين، وأخواتها "السلفية" و"الجهادية" دلالات سرعة حدوثه، وما يحمله لسلطتها، ولمصر وتونس الدولة، من مخاطر، أنكرت المسؤولية عنها،  ذلك رغم أن اتهامها بذلك، لم يقتصر على أحزاب وقوى المعارضة السياسية والمجتمعية، بمشاربها المتنوعة، بل، امتد، أيضاً، إلى قطاعات شعبية آخذة بالتوسع، ما يعني أن محاولة "الإخوان" إعادة إنتاج نظام الاستبداد والإفقار والتبعية بالانتخاب في الواقع العربي، لن تمر، لكنها، بلا ريب أو شك، ستكلف الشعوب العربية ثمنا باهظاً، وما يجري في مصر وتونس وليبيا واليمن وسورية من عمليات اختطاف وقتل وسحل واغتيال وتسيُّدٍ للميليشيات...الخ، مجرد مؤشر على أن ما هو قادم أشد وأعظم، لكنه، بالتأكيد، وفي الحالات كافة، يؤكد أن انتفاضات الشعوب العربية مستمرة، وأن اختطاف نتائجها مجرد مرحلة انتقالية، ليس إلا.   

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018