المصالحة تقتضي المصارحة../ علي جرادات

المصالحة تقتضي المصارحة../ علي جرادات

"الانقسام ربح صافٍ للاحتلال وحالة وطنية فلسطينية مريضة لم يحلم بها قادته". استخلاص لا يكف عن تأكيده حتى من تسبب في وقوع هذا الانقسام وما انفك يعيق إنهاءه. "إنهاء الانقسام مطلب شعبي عام ومصلحة وطنية عليا". لازمة يرددها الجميع صباح مساء. "الانقسام أعاد القضية الفلسطينية عقوداً للوراء". مقولة تعكس واقعاً لم يعد بحاجة إلى برهان. "الانقسام يساعد أطراف النظام الرسمي العربي، قديمها و"جديدها"، في التملص من واجبها القومي تجاه القضية الفلسطينية". استنتاج لا مراء فيه بإجماع الجميع. "الانقسام أضاع فرصة واقعية لإعادة القضية الفلسطينية إلى صدارة اهتمامات الشعوب العربية المنتفضة على أنظمة الاستبداد والفساد والتبعية والخنوع والارتهان". خلاصة لم تعد بحاجة لإثبات. لكن لما كانت هذه هي تقديرات النخب السياسية الفلسطينية بجميع ألوانها لمخاطر الانقسام على القضية الوطنية، وهي تقديرات صحيحة على أية حال، إذاً لماذا يستمر هذا الانقسام الذي يقترب من دخول عامه السابع؟ ولماذا تغيب الإرادة السياسية عن تنفيذ اتفاقات إنهائه إلى درجة يصبح معها بوسع ملاسنة (الأحمد ودويك) العابرة تعطيل لقاءات البحث في تنفيذ آخر هذه الاتفاقات إلى أجل غير مسمى؟

تنطوي الأسئلة أعلاه على مفارقة تحتاج تفسيراً قط غير ممكن إلا بإعادة البحث في السبب الفعلي لهذا الانقسام المختلف نوعياً عما شهدته الساحة الفلسطينية من انقسامات منذ تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية ككيان وطني جامع. أما لماذا؟ لأنه أول انقسام يختلط فيه الخلاف الفكري السياسي بالتنازع على التمثيل السياسي للشعب الفلسطيني، ولأنه لم يكن ثمة وحدة بين طرفيه قبل وقوعه. بل لعل التنازع على التفرد بهذا التمثيل هو السبب الفعلي لهذا الانقسام واستمراره بينما الخلاف السياسي مجرد غطاء وذريعة. وشواهد ذلك كثيرة، لعل أبرزها:

1: أن ثمة توافقاً بين طرفي هذا الانقسام على "التهدئة" كخيار سياسي لإدارة الصراع مع الاحتلال، ما يعني أن المسؤولية السياسية عن إجهاض الهبات الجماهيرية المتوالية وإعاقة تطور أي منها إلى انتفاضة شعبية لا تقع فقط على عاتق الطرف الذي يعلن صراحة عن عدم اقتناعه بالانتفاضة كخيار سياسي، بل، تقع، أيضاً، على عاتق الطرف الذي يريد وقوع هذه الانتفاضة، إنما خارج نطاق "حصته" من "سلطة" اسمية، وبما لا يمس استمرارها.

2: أن أياً من جولات الحوار بين طرفي الانقسام لم تبحث بجدية في البرنامج السياسي الوطني، ناهيك عن أن تعطيل أي من هذه الجولات لم يكن بسبب الخلاف السياسي، بل، إن أياً من اتفاقات الطرفين المعطلة لم تحتوِ إلا على ما هو عام في الشأن السياسي، باستثناء توافقهما على تجديد التعاقد السياسي لاتفاق أوسلو عبر إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية للسلطة الوطنية المرادفة لتجديد المرحلة الانتقالية لاتفاق "أوسلو" التي انتهى عمرها الزمني في أيار 1999. ماذا يعني هذا الكلام؟

إن إنهاء هذا الانقسام يحتاج أول ما يحتاج إلى مصارحة تكشف عن السبب الفعلي لوقوعه، وبالتالي عن باطن أسباب استمراره وغياب إرادة تنفيذ اتفاقات إنهائه. علماً أن إنهاءه لا يكون فعلياً إلا بالتوصل إلى وحدة سياسية وطنية لا يساويها، ولا يرادفها، تحقيق "المصالحة" التي تحيل، مصطلحاً ومدلولاً، إلى طرائق التوافق العشائري الملغم بين طرفين متصارعين تضطرهما، (دون قناعة داخلية راسخة)، ظروف خارجية ضاغطة لإجراء "صلحة" تقوم على: "دفع الدية" وإعلان أن "لا غالب ولا مغلوب" كما أعلن بالحرف الأستاذ إسماعيل هنية باسم "حماس" بعد "اتفاق مكة" في شباط 2007 . فالمصالحة بهذا المعنى هي، شكلاً ومضموناً، قولاً وممارسة، مقولة ما قبل سياسية، ولا علاقة لها البتة بالوحدة كمقولة فكرية سياسية حديثة، سواء لناحية بناء ائتلاف حكومي تقيمه على أساس برنامج مشترك أحزاب متنوعة المشارب في واقع الدول المستقلة، أو لناحية بناء جبهة وطنية تقيمها أحزاب حركة تحرر وطني تناضل لانتزاع حقوق شعبها في الحرية والاستقلال والسيادة من براثن احتلال أجنبي، تماما كما هي حتى الآن، برغم نشوء سلطة وطنية محدودة ومقيدة، مقتضيات واقع أحزاب وفصائل الحركة الوطنية الفلسطينية المتنوعة. ولعلها مفارقة ذات دلالة أن يقتحم، منذ سنوات، مصطلح المصالحة العشائري هذا فضاء التنظيم السياسي الفلسطيني، ويحلَّ، بلا تمحيص، محل مقولة الوحدة السياسية، ذلك رغم تجربة أربعة عقود ونيف من بناء جبهة وطنية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، بوصفها كياناً وطنياً جامعاً لكل مكونات المجتمع السياسي والمدني للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات. وهو المجتمع الذي يحتوي بطبيعته، وكأي مجتمع آخر، على التنوع والتعدد. بل، وكان منطقياً أن يفرز تشتيت الفلسطينيين بعد احتلال أرضهم وضعية خاصة ومعقدة من التنوع والتعدد في الاجتماع والاقتصاد والفكر والسياسة. وضعية شكلت سيفاً ذا حدين، فهي، ورغم ما وفرته للمجتمع السياسي والمدني الفلسطيني من غنى وثراء لا ريب فيهما، إلا أنها بالمقابل وفرت لإسرائيل ومن يرعاها ويواليها مدخلاً للعب على تناقضاتهم والعبث بوحدتهم الوطنية، وبمستواها السياسي بالذات. وهذا ما يفسِّر لجوء بقية فصائل منظمة التحرير الفلسطينية إلى إدارة خلافها السياسي مع "فتح" كتيار مركزي فيها، وفقاً لقانون الخلاف داخل الوحدة، وبما لا يمس بوحدة التمثيل الفلسطيني، ذلك حتى بعد اتفاق "أوسلو" كمحطة شطرت الحركة الوطنية الفلسطينية إلى فسطاطين . بل، ويسجل لحركة "الجهاد الإسلامي" عدم التورط في خطيئة الاحتراب الداخلي، رغم أنها من أكثر الفصائل الفلسطينية جدية وانسجاماً في معارضة هذا الاتفاق.        
 
لكن كل هذا بدأ يتغير بتدرج منذ تأسيس حركة "حماس" في العام 1988 حيث لم تنجح كل محاولات ووساطات واتفاقات ضمها إلى منظمة التحرير الفلسطينية كإطار وطني جامع. لذلك فإنه وعلى الرغم من نجاح التنسيق الميداني بين قيادتي "المنظمة" و"حماس" في التخفيف من وطأة خلافهما على فعاليات الانتفاضة الشعبية الكبرى، (1987-1993)، وبقدرٍ أقل على مجريات انتفاضة الأقصى المسلحة، (2000-2004)، إلا أن عدم انضواء "حماس" في ائتلاف وطني على أساس الحد الأدنى المشترك أبقى الباب مفتوحاً على تحويل خلافها مع المنظمة، بوصفه تناقضاً ثانوياً، إلى تناقض رئيسي. وهذا ما حصل بالفعل في حزيران 2007 بإقدام قيادة "حماس" على حسم قضايا الخلاف السياسي بوسائل عسكرية، ما وشى بأن الأمر يتجاوز حدود الخلاف السياسي وتحويله إلى غطاء للصراع على التمثيل الوطني. وهذا ما فاقم الأزمة السياسية التي يعيشها التنظيم السياسي الفلسطيني منذ محطة "أوسلو"، وحوَّلها إلى مأزق مستعصٍ ما انفك يعصف بالمؤسسات الوطنية التمثيلية الجامعة ويحيل انقسامها العمودي إلى غياب دائم لوحدة الرؤية والبرنامج والقيادة. انقسام يحول دون إنهائه استشراء ممارسات تغليب الفئوي الخاص على الوطني العام، مع كل ما قاد إليه ذلك من تباين للأجندات وتعدد للرهانات. وبالنتيجة، ( مع افترض حسن النية)، إلى تنازع ممتد على تمثيل شعب يستبيحه احتلال استيطاني اقتلاعي ابتلاعي، أرضاً ووجوداً وحقوقاً. وهذا ما يقتضي المصارحة قبل أي حديث عن المصالحة.                                       

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018