عشر سنوات على احتلال العراق../ واصل طه

عشر سنوات على احتلال العراق../ واصل طه

راهن البعض، كما اعتقد البعض الآخر، أن سقوط صدام حسين هو نهاية للحكم الاستبدادي، نظام الحزب القائد والحزب الواحد، وقد أوغل العديدون في هذا فاحتفلوا ورفعوا أعلامهم الحزبية الحمراء والخضراء في ساحة الفردوس عندما وصلت إليها القوات الأمريكية لتقتلع تمثال صدام حسين في مشهد موثق ومتلفز رآه الجميع،  فجاء هذا المشهد ليصبح الخازوق والمسمار الذي دق في مطلب الشعب العراقي في الحرية والديمقراطية والأمن والاستقرار في ربوعه.

منذ تلك الأيام، قبل عشر سنوات، والشعب العراقي يدفع ثمناً باهظاً بالأنفس، فاق كل تصور نتيجة الاحتلال الأمريكي الغربي. مئات الآلاف من القتلى منهم النخب العلمية، وملايين اللآجئين، وهدر وسرقة ثروات البلاد، والسطو على متاحف العراق وآثارها وتاريخها وثقافتها، وهتك لجغرافية البلد وتقسيمها إلى أقاليم متنافسة هي دول داخل الدولة، ثم تحويل العراق إلى ساحة صراع إقليمية ودموية، تركيا تتدخل، إيران تتدخل، السعودية ودول الخليج تتدخل، ولكل دولة أجندتها الخاصة والشعب العراقي هو أداة التنفيذ والاحتراق، وتبقى ثروته عرضة للنهب والسلب من قبل المستبدين الجدد في العراق وأقاليمه المختلفة، ناهيك عن دور مهندسي سياسة الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها ونهبهم لتلك الثروات باعتبار أن العراق بقرة حلوب ترعى ما بين النهرين وتحلب في عواصمهم.

وبعد أن صمَّ نظام الحكم السابق في بغداد آذانه لمطلب الإصلاح، وكذلك القيادات المتعصبة إثنيًا ودينيًا، التي أوغلت في الارتباط بالأجندات الخارجية، وخاصة الأمريكية، لم تميز بين العراق وصدام حسين فسقطت بغداد وانهار الجيش العراقي، وبدأت عملية "اجتثاث البعث" التي أصابت الشعب كله لأن غالبيته كانت مرتبطة به. فأصبحت العراق بلا أمن، ولا جيش ولا أمان شخصي، تسوده الفوضى وعدم الاستقرار الذي أدى إلى دمار عم العراق وأدى إلى هروب ولجوء الملايين، ونكبة كبرى أصابت هذا الجزء من الوطن العربي الكبير الذي فقد استقلاله الوطني، ولم يخلص من الاستبداد، ولم يحصل على حريته والديمقراطية التي وعد بها. لذا ما زالت انعكاسات ذلك عظيمة التأثير على المستوى العراقي والإقليمي والنفسي للأمة،  وقد صدق المفكر العربي عزمي بشارة حين قال: "إن من يتحدث عن الديمقراطية في المنطقة ولا يأخذ بالحسبان ما حلّ بالعراق فحديثه لا يعوّل عليه".

تميز العراق بهوياته المتعددة دينيًا ومذهبيًا وإثنيًا. وأبرزها الأقلية الكردية التي خاضت ثورات وانتفاضات من أجل حصولها على حكم ذاتي في عهد الأنظمة السابقة، وقد حصلت على الحكم الذاتي الموسع في عهد الرئيس السابق صدام حسين فكان مصير الشعب العراقي بكافة أطيافه مصيرًا واحدًا. والأخطار التي تتهدده واحدة فرأت مجموعة من النخب الكردية أن الاحتراب والاقتتال والتعاون مع الولايات المتحدة هو خدمة لها وللحركة الصهيونية، كما قال الباحث العراقي الكردي الدكتور عبد الخالق بابان، في مقالته في القدس العربي 20.2.2001  مخاطباً أكراد العراق: - "اعلموا أن الخطر الأكبر في مثل هذه الطروحات التعصبية (الانفصالية) أنها تبعد أشقاءنا من المثقفين والسياسيين العراقيين والعرب، والذين لولاهم لما عرف أحد شيئاً عن قضيتنا العادلة". وقال أيضاً: "فتعقلوا أيها الإخوان ولا تغشكم وعود أمريكا وإسرائيل لأنها لا تريد سوى الاحتراب والخراب لشعبنا العراقي ولشعوب الشرق الأوسط لكي تبقى إسرائيل هي واحة الديمقراطية والسلام. إعقلوا وإلا فإن التاريخ لن يرحمكم".

هكذا كان موقف العقلاء من الأكراد وغيرهم من أصحاب الهويات المختلفة؛ يزيديين، سريان، تركمان، وعرب الذين تميزوا بموقف وطني عراقي ساطع ونظيف لا تشوبه شائبة، في رفض التدخل الأجنبي من أجل الحفاظ على وحدة التراب العراقي وشعبه. فهؤلاء يعلمون أن القيادات التقليدية الكردية  التي تقود الصراع العرقي مع العرب اليوم هي غير قادرة على توحيد إقليميهما الكرديين المحميين منذ التأسيس من الولايات المتحدة وطائراتها وقواتها. فكل واحدٍ من التياريين يسعى اليوم لبناء علاقات وطيدة من أطراف عراقية أو مجاورة للحفاظ على ذاته خاصة بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، علمًا أننا نعرف دورهما في المؤتمر الوطني العراقي التابع لأمريكا. ونعرف حربهما الدائمة التي كانت أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية تتوسط دائمًا لحل الخلافات بينهما.

لم يأت الاحتلال بما وعد به من حرية وديمقراطية، وخلاص من الحكم الاستبدادي، بل أنتج الاحتلال نظاماً استبدادياً مغطى بالمحاصصة الطائفية "وبصندوق الاقتراع الذي كانت نتائجه مطابقة للاصطفاف الطائفي، فكان بعيداً كل البعد عن الديمقراطية المرجوة والمنتظرة والمبنية على المواطنة، فظهرت نتيجة للاحتلال قيادات استبدادية تعيث بالأقاليم فساداً وظلماً، وتستند بحكمها على الطائفية، أو على الانتماء العرقي ناهيك عن التدخل الأجنبي وازدياد نفوذ دول الجوار؛ تركيا، إيران، السعودية ودول الخليج، كل حسب أجندته ومصلحته ومصلحة جماعته داخل العراق المتطابقة معه مما يزيد الطين بلّة، ويعكر صفو العراقيين، ويعمق الصراع بينهم فيزداد سفك الدماء ونزيفه مما يجعل مخطط تقسيم العراق مخططاً واقعياً، وقد يصبح مطلباً عامًا للخروج من هذه الأزمة المستمرة والنفق المظلم الذي وجدت فيه، وهذا ما ينتظره أعداء الأمة والولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها والطامعون فيها من دول الجوار. 

هواء بغداد يجب أن يتنسمه أبناء العراق جميعاً على مختلف ألوانهم فتعقلوا أيها العراقيون وتعلموا الدرس، وثوبوا إلى رشدكم كي تعود بغداد بنسيمها، وزئير أسودها قلعة لجميع مواطنيها. عرباً وكرداً، سريانا،ً يزيديين، وتركماناً، فتعدد الهويات يتحول بحكمة الحكماء، إلى قوة بدلاً من الضعف، وإلى جمال بدلاً من التشوه، مثله مثل السجادة الخلابة الجميلة التي نسجت ألوانها ورسوماتها بنظام وترتيب فزاد جمالها وجاذبيتها وازداد ثمنها. هكذا نحب أن نرى العراق موحدًا بألوانه المختلفة تستند معاملتهم لبعضهم البعض إلى المواطنة، وليس الى الانتماء الديني المذهبي أو العرقي.

فدرس العراق يجب أن يكون محفزاً للإصلاح على مستوى الأمة وأنظمتها الغارقة بالتبعية والفساد، ودرساً يستفاد منه من أجل الانتقال إلى ثقافة جديدة مبنية على المساواة بين جميع المواطنين عرباً وغيرهم من أقليات أثنية، كي تصبح هذه الأقليات جزءاً بنيوياً من مستقبل الأمة وحاضرها، وليس نافذة للتدخل الأجنبي أو الدمار الذاتي الذي سيؤدي في النهاية إلى سايكس بيكو جديد، فيكون العرب وأنظمتهم ومعارضاتهم سببًا في ذلك. فالجميع في العراق يتحمل المسؤولية نظامًا سابقًا بسبب ممارساته اللاديمقراطية، ومعارضات ربطت مصيرها مع الطامعين بأرضهم ووطنهم وثروتهم، مما أدى إلى احتلال العراق وتمزيقه من خلال الاحتراب الطائفي والإثني الذي لن ينتهي إلا بالتوافق ووضع أسس جديدة لدولة العراق الحديث على أساس المواطنة الكاملة المتساوية بين كل العراقيين.

وما جرى في أرض ما بين النهرين، يجب أن يكون درسًا للإخوة العرب والسوريين تحديدًا، فعليهم استيعاب الدرس وعدم الانجرار وراء سراب نهايته هلاك سوريا ودمارها، فالإصلاح والديمقراطية والتعددية الحزبية المتدرجة خيرٌ من فتنة وحرب أهلية تأكل الأخضر واليابس  نظامًا ومعارضة ودولة وهذا ما ينتظره أعداء الأمة.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018