"سايكس - بيكو": ضرورة وطنية وقومية../ شوكت إشتي

"سايكس - بيكو": ضرورة وطنية وقومية../ شوكت إشتي

في 16 أيار من العام 1916 وقّع الفرنسيون والبريطانيون، سراً، في القاهرة، الاتفاقية التي عُرفت باسم مندوبي الدولتين الاستعماريتين: جورج بيكو قنصل فرنسا العام في بيروت، ومارك سايكس عضو مجلس العموم البريطاني والمندوب السامي البريطاني لشؤون الشرق الأدنى.

بقيت الاتفاقية سرية، إلى أن كشفتها الثورة البولشفية (1917)، بعد أن كانت روسيا القيصرية طرفاً فيها. وقد شكل الإعلان عن الاتفاقية "حرجا" شكلياً للدولتين الاستعماريتين، خاصة أن وعود الحلفاء للشريف حسين كانت معاكسة لما كانوا يخططون له ويسعون لتنفيذه.

تعتبر اتفاقية "سايكس بيكو" أول السياسات الفعلية التي قسّمت المشرق العربي وفَتَّتَتْهُ إلى دويلات ضعيفة من جهة، ومقدمة لاحتلال فلسطين من جهة أخرى، وعاملاً مهماً لضرب الثورة العربية التي قادها الشريف حسين من جهة ثالثة. وفي الحالات كافة كانت الاتفاقية موضوعاً مرفوضاً من حركة التحرر العربية، وساهمت في "نشأة" الأحزاب القومية، إذا جاز التعبير، الداعية لإعادة توحيد الهلال الخصيب والأمة العربية، وبالتالي إعادة اللحمة إلى الجسم القومي المُثقل بالانقسامات على أنواعها.

من هنا حمل القوميون على اختلاف مشاربهم لواء الثورة على "سايكس بيكو"، واعتبروا الكيانات التي نشأت على أساسها "غلطة تاريخية" يجب تصحيحها لإعادة التاريخ والجغرافيا إلى مسارهما الطبيعي من خلال الوحدة القومية بين الكيانات القائمة.

غير أن الكيانات التي رسمتها الاتفاقية تبدو اليوم مهددة بالمزيد من التشظي والانقسام. فبعد ما يقارب القرن على توقيع الاتفاقية (97 عاماً) غدت هذه الاتفاقية أكثر "رحمة" مقارنة بالخرائط والحدود المطروحة على بساط البحث والموضوعة على ما يبدو على طاولة الدول الاستعمارية ذاتها تقريباً. فالنضال ضد التجزئة لم يؤدِ إلى تجاوز تداعياتها حتى تاريخه. بل غدا الواقع المعاش في اللحظة التاريخية الراهنة أكثر مرارة وتردياً. وبالتالي لم تنجح حركة التحرر العربية وفي "طليعتها" الأحزاب القومية في الحد من الانكسارات المتلاحقة التي تطال الأمة وأقطارها.

في المرحلة الماضية، "ولوقت قريب جداً"، ألقت القوى السياسية هذا الفشل على القوى الاستعمارية الطامحة في خيرات الأمة وثرواتها، الأمر الذي عزز مقولة "المؤامرة" عند مناقشة أية قضية وطنية أو قومية، أو أي سعي للتجديد والتغيير.

هذا المنطق أبقى التجزئة قائمة بحجة المؤامرة والتآمر، وأعفى هذه القوى من أية مسؤولية.

صحيح أن القوى المعادية نجحت في تفتيت المنطقة وإقامة التجزئة بين أقطارها، غير أن القوى الوحدوية لم تنجح بالمقابل وعلى مدار القرن الماضي في تحقيق الحد الأدنى من الوحدة على المستوى القومي، والطامة الكبرى أن هذه القوى قد تصبح عبئاً على أقطارها.

لقد أخفق الوحدويون في تأمين استمرارية أول تجربة وحدوية عربية بين مصر وسوريا (1958). ورغم أن هذه الخطوة الوحدوية كانت قد هددت القوى الخارجية، فعمل "الخارج" على إفشالها والانقضاض عليها، غير أن أخطاء رجال الوحدة لم تكن "بسيطة" لتحمي الوحدة وتصونها.

في السياق ذاته، فشلت القوى الوحدوية التي جاءت "ثورة" على "سايكس بيكو" في كل المحاولات "الجدية" أو الاستعراضية لإقامة أطر وحدوية بين "الكيانات المصطنعة". لدرجة ساهم الحكم "القومي" أو "التقدمي" في بعض الأقطار العربية في تنمية العداء بين بعض الأقطار العربية، وفي ترسيخ السدود بين هذه الأقطار، مقارنة بما كانت عليه هذه الحدود زمن الاستعمار. والمعطيات التاريخية كثيرة حول هذه المسألة سواء بين العراق وسوريا، أو بين العراق والكويت، أو بين سوريا ولبنان، أو بين ليبيا وجيرانها، أو بين اليمنين.

إن الفشل في مواجهة "سايكس ـ بيكو" لم يقتصر على عدم تخطي ما رسمه الاستعمار، بل في عدم المقدرة على إقامة دولة مدنية حديثة داخل "الكيانات المصطنعة". فقد عمدت القوى السياسية التي سيطرت على الحكم في الأقطار العربية عامة، إلى تنمية الانتماءات الأولية وعصبياتها المرضية. ففي حين كانت هذه الانتماءات تذبل وتذوي في مواجهة الاستعمار ومعارك التحرر لنيل الاستقلال، لجأت السلطات الحاكمة والمتعاقبة بعد الاستقلال إلى الاستئثار بالسلطة بالقوة والإكراه، ملغية حق الناس في إدارة شؤونهم، ومنتهكة كراماتهم، ومتجاوزة منطق العمل القومي والوطني الجامع. لذلك استندت هذه السلطات إلى عصبياتها الأولية: العائلية أو المذهبية أو الطائفية أو العشائرية... أو كلها مجتمعة، مما أفقد هذه القوى صدقيتها، وفرّغ الدول التي تحكمها من معنى الدولة ومضمونها.

ما استجد في اللحظة التاريخية الراهنة أن الفشل الرسمي في تحقيق أية خطوة وحدوية انسحب على فشلها في حماية الدولة المدنية وتدعيمها، لذلك أحالت الأنظمة مسؤولية هذا الفشل على الحراك الشعبي الذي يخترق العديد من بلدان الوطن الكبير، لدرجة ربط البعض بين الحراك الشعبي ومسار التفتيت والتقسيم. فغدا التحرك الشعبي، برأي هذا البعض، المسؤول عما وصلت إليه أحوال البلاد والعباد.

إن وضع الحراك الشعبي في مواجهة وحدة الأوطان في الذكرى السابعة والتسعين لاتفاقية "سايكس بيكو" يبدو اتهاماً ظالماً بحق الشعوب وطموحاتها، وبحق الوطن ومقوماته، وبحق الدولة المدنية وأسسها. فهل هناك مصلحة للحراك الشعبي التوّاق إلى الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية في التفتيت والتقسيم؟ ولماذا إلقاء التبعية على الناس دون أن يكون للحاكم والنظام أي دور سلبي في إيصال الأوضاع إلى ما هي عليه؟ خاصة أن هذه الأنظمة ربطت الأوطان بمصير الأشخاص، الأمر الذي "ألغى" فكرة الوطن وهمّش بناء الدولة، وفكك أواصر اللحمة الوطنية ونسيجها الوطني الجامع.

لا يهدف هذا الاتجاه في التحليل إلى الدفاع عن بعض المظاهر المرضية في الحراك الشعبي على امتداد الوطن الكبير، خاصة سلوكيات وأفكار بعض القوى السياسية الإسلاموية. لكنه يحاول في ذكرى اتفاقية "سايكس بيكو" العودة إلى جوهر الفكرة الوحدوية وإلى مضمون السياسات الجامعة التي تقوم عليها الفكرة الوحدوية قبل ان تلوثها مغانم السلطة ومفاسدها. وقبل أن تتحول الأوطان إلى "ملكيات" خاصة يتم توارثها من جيل لآخر.

إن اللحظة التاريخية تفرض "الدفاع" عن وحدة الأوطان التي "رسمها" الانتداب، قبل أن تذوي إلى المزيد من التشرذم والانقسام. ولعل هذه مهمة من مهمات الحراك الشعبي بعد أن عجزت الأنظمة عن حماية الوطن وصون وحدته. لقد "فشلنا" في تجاوز الحدود التي فرضتها "سايكس ـ بيكو"، فهل نفشل في حماية ما تبقى من هذه الحدود؟ إنه تحد جديد قد لا تكون القوى الوحدوية معتادة عليه، كونها لم تزل قابعة في منطق "المؤامرة" وسياسة إعفاء "الذات" من أية مسؤولية. إن الشعور القومي يتراجع لكنه ما خبا. وبالتالي فإن النضال لوحدة أوطاننا بالشكل الذي رسمته اتفاقية "سايكس بيكو" ضرورة ملحة تؤسس لتنامي اتجاه قومي أكثر عدالة وديموقراطية وتحرراً.
"السفير"

قراءات في نصّ مريد | ملف خاص