لم نتوقع في أسوأ احلامنا وكوابيسنا أن تتحول قضية أسرى ما قبل اوسلو إلى ورقة ابتزاز بيد الإسرائيلي وسيف مسلط من قبله على رقبة المفاوض الفلسطيني. نحن نرفض ذلك رفضا قاطعا ونفضل أن نبقى في قبور الأحياء على أن نستخدم أداة بيد عدونا لابتزاز قيادتنا.

ففي الوقت الذي كانت قضية هؤلاء الأسرى الورقة الرابحة بيد سيادتكم، وورقة استعادة الكرامة والعزة التي تجلت من خلال إصراركم وعزمكم على تحريرهم، وكشرط مسبق لأي مفاوضات باعتبارها استحقاقا لا يمكن تجاوزه، وبعد أن شعرنا ولأول مره منذ 20 عاماً أن قضية الأسرى لم تعد مجرد أرقام وأعداد كما كانت في السابق، بل إن لكل واحد فينا اسما وتاريخ اعتقال وسجلا نضاليا وقياده تتذكرهم أخذت على عاتقتها مسؤولية تصحيح الغبن والإجحاف الذي وقع بحقهم 20 عاما.

وبعد أن عادت لنا ابتسامة الفخار وعزة الانتماء، وضخت في قلوبنا دماء الأمل المتجدد، نجد أنفسنا نعود على بدء ونغرق مره أخرى في متاهات الضياع والتجزئة والمراحل والتقسيمات الأمنية والجغرافية، وكأن تجربة 20 عاما من المفاوضات لم تكف للتعرف على عدونا وعلى نتنياهو بشكل خاص وألاعيبه المتكررة من أجل التهرب من التزاماته أو على الأقل من أجل إفراغ أي اتفاق أو تفاهم من محتوياته لنزع الفرحة قلوبنا وقلوب محبينا، ونزع الفرحة بانجاز عما تم التوافق بشأنه. أليس نتنياهو هو نفس الذي اتفق على تحرير وإطلاق 750 مناضلاً ولم يلتزم بذلك وقام باطلاق سراح 750 من سارقي السيارات والتصاريح؟

هكذا هي إسرائيل.. أبداً لم تلتزم بأي تعهد أو اتفاق قطعته على نفسها مساءً لتخرقه صباحاً، فما بالكم باتفاق على مراحل ولمدة 9 أشهر؟

نحن على يقين أنه ما من مسؤول فلسطيني سيستطيع أن يتعهد بتنفيذ إسرائيل للهعد، وإتمامها لإطلاق سراح كافة الأسرى ال104 (ما قبل اوسلو) بعد 9 أشهر، لا سيما أن الطريق مليئة بالعقبات والانفاق، وفيه من الألغام ما يكفي على المستويين السياسي والتفاوضي حيث أن شكل وفحوى القرار الذي اتخذته حكومة إسرائيل بهذا الصدد يفتح الباب على مصراعيه مره أخرى أمام التلاعب والتذرع للتهرب من التنفيذ الدقيق والكامل لما تم التوافق بشأنه حول موضوع الأسرى.

نحن لا نخفي قلقنا بشأن عدم إتمام الصفقة والاتفاق، وخصوصا في ضوء ما أقرته حكومة إسرائيل بشأن إعادة عرض الدفعة الأخيرة والخاصة بإطلاق سراح أسرى الداخل مره أخرى على مجلس الوزراء بعد 8 أشهر لا سيما في ظل تصريحات الوزراء والحملة الإعلامية غير المسبوقة ضد إطلاق سراح أسرى الداخل، ومشروعية المطالبة بهم أصلا، حيث أن أغلبية الوزراء أعلنوا معارضتهم لذلك.

نحن قلقون أيضا من غياب الطرف الفلسطيني المختص عما يجري، وتصوير ما تم الاتفاق عليه كإنجاز غير مسبوق، وهنا نتساءل:

أين هو هذا الإنجاز؟ هل التراجع والموافقة على إطلاق سراحنا وتقسيمنا إلى 4 دفعات هو الإنجاز؟ أو هل الإنجاز هو بالتراجع عن الموقف الأساسي والموافقة بأن يطلق سراح الدفعة الأولى بعد شهر من بدء المفاوضات، وأن يستمر ذلك لمدة 9 أشهر وعلى طول فترة المفاوضات؟

أم أن الإنجاز بالتراجع والموافقة على تجزئتهم وتقسيمهم وفقا لمعايير أمنية وجغرافية يحددها الجانب الإسرائيلي بشكل مطلق؟ أم أن تحويل إطلاح سراح الأسرى إلى أداة بيد الإسرائيلي لابتزاز الطرف الفلسطيني أثناء المفاوضات بعد أن أصبح تنفيذ الاتفاق مربوطا باستمرار المفاوضات، واستمرارها لإطلاق سراح 2500 أسير إضافي وجدولة البقية؟

نجح الجانب الإسرائيلي عمليا في إلهاء الجانب الفلسطيني بإطلاق سراح الدفعات الأربع فقط، هذا إذا تم بشكل كامل مع نهاية ال9 أشهر، وضمن عدم فتح ملف الأسرى طيلة فترة المفاوضات. يا له من انجاز عظيم!..

إن ما تم الاتفاق عليه بالشكل والمضمون يشير وبشكل واضح إلى نوايا الرئيس الإسرائيلي ويعبر عن عدم الثقة بالطرف الفلسطيني، بالإضافة إلى محاولة أخرى لإضعاف الرئيس الفلسطيني بدلا من دعمه كشريك للمفاوضات والسلام المستقبلي وإضفاء أجواء إيجابية على سير المفاوضات. أليس هذا كافيا لقلقنا؟

كان بإمكاننا وجماهير شعبنا أن نستوعب تنازلا إجرائيا مثل عدم إطلاق سراح الأسرى كشرط مسبق لأية مفاوضات رغم وعدكم لنا ورغم موافقتكم المعلنة على مدار عامين، والتي أحيت فينا الأمل من جديد، لكن التنازل في كل مكان وفي كل اتجاه وقبول جميع الشروط الإسرائيلية لهذا الحد تعني أن للمفاوض الفلسطيني لا يوجد خطوط حمراء، وأن موافقته المعلنة شيء وما يقوله داخل الغرف والاتفاقات شيء آخر، وهذا يعني ببساطة استخفافا واستهتارا بعقول ذويهم وعقول أبناء شعبنا على السواء.

من يظن أن هذا الأداء يمكن أن يستمر، وأنه سينطلي على جميع شعبنا، لا يمكن وصفه بالجبن والتخاذل والتنازل فقط، بل لا يمكن إقناع أحد بصدق نواياه وأهليته ليكون مفاوضا حريصا ومندوبا مخلصا عن الشعب الفلسطيني وقضاياه ومصالحه على حد السواء. أما آن الأوان وبعد 20 عاما من تكرار الأخطاء نفسها لإعادة النظر بطريقة التفاوض بل والمفاوض الفلسطيني المعمر أيضا؟

سؤال لا بد من الإجابة عليه.........
عميد الأسرى كريم يونس

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018