الخيارات القاتلة../ شوكت اشتي

الخيارات القاتلة../ شوكت اشتي

تثير اللحظة السياسية الراهنة التي تخترق أحداثها الدامية العديد من الأقطار العربية أسئلة وجودية حول فكرة الأمة ووجودها، ومستقبل أقطارها وبقائها. فالاتجاه التقسيمي يزداد اتساعاً، والعودة إلى الولاءات ما قبل الدولة الحديثة وانتماءاتها الأولية يزداد نمواً، مما يجعل الأفق "مسدودا"» والمستقبل وكأنه أكثر سواداً.

من هنا حمّل البعض الحراك الشعبي في الاقطار العربية مسؤولية ما آلت إليه أوضاع البلاد والعباد، لدرجة "ترحّم" البعض على ما كانت عليه أوضاعهم من "هدوء" واستقرار، مقارنة بما أصبحوا عليه من خراب ودمار.

إن التذمر من الحراك الشعبي الذي يخترق العديد من الأقطار العربية فيه نوع من الإجحاف، ويعبر عن نظرة أحادية الجانب. لأنه يحاول أن يلغي مسؤولية النظام والحاكم و"يحرره" من الجرائم التي ارتكبها لعقود وعقود، سواء بطابعه الديكتاتوري الذي هيمن على البلاد والعباد، أو بأسلوب حكمه القائم على الحديد والنار، أو بمنطقه الذي استند على الفساد والإفساد وسوء الإدارة وامتهان كرامات الناس وإذلالهم...

لقد ارتدت الأنظمة التي اخترقها الحراك الشعبي عن الشعارات التي تذرعت بها للوصول إلى السلطة، وفرّغتها من مضمونها، سواء ما له علاقة بالقضية المركزية ـ فلسطين، أو بالفكرة القومية، أو بتحقيق العدالة الاجتماعية، أو بموضوع حرية الفرد والمجتمع... فقد ألغت الأنظمة الديكتاتورية تداول السلطة، وحوّلت البلد إلى "جمهورية وراثية" وصادرت ثروة الوطن ومرافقه الاقتصادية والثقافية والسياسية... لدرجة غدت ممتلكات الحاكم وزبائنيته أكبر من ميزانية البلد وناسه، مما أفقر الوطن وحوله إلى نوع من الملكية الخاصة للحاكم وورثته.

في ظل هذه الأوضاع استقرت الأمة على وضعها المذري واستقر الحاكم "المنفرد" بذاته على "عرشه" راضياً مرضياً ومرتاح البال. باعتباره الضامن ببطشه لوحدة البلد واستقراره الأمني. فهل يمكن التسليم بهذا الوضع؟ وهل يمكن إعفاء النظام من مسؤوليته وتبعيات أعماله؟ وهل كان من الممكن ضمن هذه الوضعية إحداث التغيير؟ فالمعارضة في السجون، أو في المنافي، أو في القبور. خاصة وأن الحياة السياسية في موات والمجتمع صادرته سلطة الحاكم وابتلعته، مما دفع البعض إلى "الترحم" على رجالات الاقطاع ومرحلة ما قبل الاستقلال. وهذا الترحم، إذا جاز التعبير، ليس دلالة على ارتداد الناس و"عمالتهم"، بقدر ما هو تعبير عن رفضهم لممارسات الأنظمة وتسلطها الفاضح.

إن الحراك الشعبي الذي يخترق العديد من "الجمهوريات الوراثية" كان اتجاهاً إيجابياً يطمح في ما يطمح إليه، إلى استعادة البلد لأهله و"تحريره" من حكامه الذين تصرفوا وكأنهم نوع من "الاحتلال الداخلي". غير أن هذه الإيجابية لا تلغي بالمقابل الأخطاء التي تعتصر الحراك الشعبي سواء في ظلامية بعض قواه، أو سلوكياته وبعض طروحاته... وبالتالي لم تنفع "عفويته" وصدقية شعاراته في حمايته أو تحصينه من قمع الأنظمة التي ثار عليها، أو من الاختراقات الخارجية التي غدت لبعض قواه حاجة ضرورية لحماية الحراك وتحقيق أهدافه، مما جعله يواجه تحديات جمة سواء في بلورة برنامجه، أو في تعيين قياداته، أو في تحديد تحالفاته، أو في توضيح هويته، أو ممارساته العنفية، او في بروز مظاهر ظلامية فاعلة بين فصائله... لذلك بدا وكأنه جسر عبور لأهداف تجاوزت طروحاته واخترقت عفويته. بل غدا في لحظة سياسية وكأنه رأس الرمح لإعادة الاحتلال. فوقع بغالبيته في خضم لعبة الأمم ومصالح الدول الكبرى، الأمر الذي أفقده الكثير الكثير من رونقه، فأصبح مُسيراً لأغراض لم تكن في صميم توجهاته "التحررية" ومطالبه الديموقراطية.

قد تكون فكرة المعارضة كرأس رمح للاحتلال تجسدت في بعض قوى المعارضة العراقية التي وصلت إلى الحكم على "الدبابة الأميركية" وكانت نتائجه مأساوية بامتياز. ويبدو أن هذا الأسلوب في "التغيير" أصبح نموذجاً عند البعض لاحقاً (تجربة مصر خارج هذا التوصيف).

من هنا تبدو الأمة أمام معضلة قاتلة. فإذا كان من غير الممكن، بل من المستحيل، القبول بالاحتلال، أو استدراجه تحت أية ذريعة، فإنه بالمقابل لا يمكن استمرار الحكم الاستبدادي. فكيف تمكن معالجة هذه الاشكالية في خضم "الانقسام" الدموي الحاصل؟

إن المعطيات تبين أنه من الصعوبة الخروج من هذه المعضلة. خاصة أن قوى الصراع سواء الحاكم ونظامه، أم المعارضة وفصائلها، غدت رهينة للخارج ومساراته. فهل يعني هذا أن الأمة وأقطارها ستبقى رهينة الرعب والعنف؟ أم أن قوى التغيير لم تزل، رغم محاصرتها، تحمل بذور الأمل بغد أفضل ومستقبل مشرق؟
"السفير"

قراءات في نصّ مريد | ملف خاص