انتبهوا...لن تُفرض الخدمة "المدنيّة" على العرب!/ *خالد عنبتاوي

انتبهوا...لن تُفرض الخدمة "المدنيّة" على العرب!/ *خالد عنبتاوي

" بعد عشر سنوات، لن تكون عائلة واحدة في الوسط غير اليهودي ولا تخدم خدمة مدنيّة أو عسكريّة"، بهذا التوصيف الخطير شرح العاد شامير، مدير القسم العربي في "المؤسسة للتطوّع" الاسرائيليّة وهي أكبر الجمعيّات التي تجنّد وتفعّل خادمين ضمن مشروع الخدمة "المدنيّة"، خطتهم التدريجيّة والبطيئة في عمليّة "الفرض الناعم للخدمة المدنيّة" وذلك في احدى جلسات لجنة "شاكيد" المخوّلة في نقاش قانون "المساواة في العبء".


مرّ قانون ما يعرف باسم "المساواة في العبء" يوم الثلاثاء 11.03.14، أي أسبوع قبل خروج "الكنيست" لعطلتها الربيعيّة، مرّ مرور اللئام والصوت العربي خافت غير مسموع تحت حجة أن القانون معدّ بأساسه لليهود أو بالأحرى "للحريديم" ولا ناقة لنا فيه ولا جمل. هذا التوصيف لعلاقتنا بالقانون وان كانت سليمة من الناحيّة الشكليّة، الا أنها تعكس، بحد ذ

اتها، جزءاً من الأزمة، أزمة "الاستيقاظ متأخرا" "والفيعان سريع الحركة قصير المفعول" الذي لا يحلّل باطن الأمور وما وراء نصّها.


كيف نقرأ اذا القانون وما وراء القانون؟
اتفق مع الفكرة القائلة أن خدمة العرب او فرض الخدمة عليهم (مدنيا او عسكريا) ليست في أولوية المؤسسة الصهيونيّة في الوقت الحالي أو على الأقل لم يحسم، فهم منشغلون في فرضها على "الحريديم" وقراءة سريعة للقانون وللنقاشات التي دارت حوله منذ توقيع اتفاقيات الائتلاف الحكومي حول "المساواة في العبء" بدءا من لجنة "بيري" مرورا بلجنة "شاكيد" وصولا لمرور القانون في الكنيست، تؤكد هذا الانطباع، الا أن قراءة أكثر عمقا وخاصة كفيلة للتيقّن أن ثمّة مشروع آخر لا يقل خطورة، بل ربما يزيد، عن مشروع "فرض الخدمة على العرب" وهو ما اسميّه "الفرض الناعم للخدمة على العرب".


لقد كان العاد شامير، صاحب التصريح الذي افتتحت مقالي به، صارما وحازما في هذا الرأي القائل بضرورة العمل ببطء دون إزعاج حتى تنفيذ المخطط دون فرض سريع ومباشر، يشاركه الرأي بنفس الحزم شالوم جربي، المدير العام لمديريّة الخدمة المدنيّة، والذي حضر جلسة النقاش المذكورة، وفيها أبدى تفاؤلا كبيرا حول سير المشروع، كيف لا وهو يتحدث عن ارتفاع عدد الخادمين من 1256 عام 2009 الى 3608 اليوم، 90% منهم هن من الفتيات، وتضيف الأرقام أن هنالك ما يقارب 600 شابة تنتظر الانخراط في المشروع الا أن قلة الملكات المقررة من قبل الحكومة تحول دون ذلك.، يذكر أنه عام 2005، قبل تشكيل المديريّة، خدم ما يقارب 240 عربي فقط ضمن الخدمة المدنيّة.
يضيف جربي وشامير أن هذا "النجاح" تم بالتحديد نتيجة العمل التدريجي غير "المزعج" وجاء حديثهم في الرد على "مزايدات" نوّاب اليمين الاسرائيلي أمثال دافيد روتيم ويسرائيل حاسون على عدم فرض الخدمة المدنيّة أو العسكريّة على العرب، فثمة ذراع تخطيطي وتنفيذي أذكى من هذه "المزايدات" يدرك تماما أن فرض الخدمة المدنيّة اليوم سوف تتلوه ردة فعل قويّة من الشارع العربي وسيقوّي حملات رفض المشروع ويؤكد على صحة ادعاءاتها ومخاوفها.


تتماشى هذه الفكرة مع ما صرّح به شالوم جربي راميا الى أن فرض الخدمة المدنيّة اليوم سيكون من مصلحة القيادات العربيّة وسيضرّ بالمشروع وينسف المخطط، مقترحا ايضا أن يتم العمل بمنعزل عن الخدمة العسكريّة، ليس لأنهما غير مرتبطان، ف جربي نفسه يقرّ بهذا الربط انما من منطلق التكتيك الذي انتُهِج منذ بداية المشروع فجربي نفسه قد رفض قبل مدة الظهور على منصة واحدة مع ضباط في الجيش للحديث عن "المساواة في العبء" معللا أن هذه ستكون هديّة مجانية للحملة المناهضة للخدمة "المدنيّة" وتأكيدا  أن ادعاءاتها صحيحة، الأمر الذي لم ينكره.


هذه المحاولات تأتي في اطار ما أسميته "الفرض الناعم" أي التدريجي والمفصول "شكلا" عن الأجهزة الأمنيّة، فمن المعلوم، مثلا،  أن شالوم جربي قد طلب من الحكومة الاسرائليّة ووزارة الأمن أن تزوّد المديريّة  مبالغ "صندوق الجنود المسرّحين"  وليس تحويلها مباشرة الى الخادمين كما هو الحال اليوم وذلك في اطار "الفصل الشكلي" من أجل تنفيذ المخطط.


الخطوات العمليّة في القانون


يتواءم القانون الحالي مع أفكار وتوجّه مديريّة الخدمة المدنيّة الحالية، بعيدا عن مزايدات اليمين الصهيوني البلهاء والسطحيّة، فالقانون او المخطط لا يتحدث عن فرض الخدمة المدنيّة أو العسكريّة على الشباب العرب، انما على توسيع وزيادة الملكات القائمة للوصول الى 6000 ملكة وخادم حتى عام 2017 ( عدد الخادمين اليوم 3608)، بالاضافة لزيادة "الامتيازات" التي يحصل الخادم عليها ونقل المديريّة التي ستتحوّل الى "سلطة الخدمة القوميّة" الى وزارة الاقتصاد الذي يرأسها اليميني العنصري نقتالي بينت.
ثمة ما هو أخطر من هذا في القانون الجديد وهو اقتراح تفصيل "الخدمة المدنيّة القوميّة" وتقسيمها الى مساريّن: مسار "الخدمة المدنيّة الاجتماعيّة" ومسار "الخدمة القوميّة الأمنيّة"، الحديث هو عن فروقات في أماكن الخدمة وماهيّتها، وما وراء الحديث أن المخطط الحالي هو الابقاء على المسار "المدني الاجتماعي" حتى يتسنّى دمج العرب ضمن المشروع، كما أكد عوفر شيلح، وفتح امكانيّة دمج الجميع مستقبلا ضمن المسار "القومي الأمني" أي في مؤسسات الأمن الداخلي والجبهة الداخليّة.


تتساوق هذه الخطة "الذكيّة" تماما مع تصريحات كان قد أدلى بها يوفال شطاينتس، وزير الماليّة في حكومة نتنياهو السابقة، أن الخدمة "المدنيّة" بحلّتها القديمة مضرّة في الاقتصاد الاسرائيلي وستكون مدمّرة له في حال تم فرضها بحلّتها القائمة واقترح في حينه "خدمة مدنيّة ذات طابع أمني"، وهذا يتماشى تماما مع "الحلّة الحاليّة" ضمن القانون الجديد المعدّل، ما يشير أن القرارات لا تأتي من فراغ وبعيدة تماما عن "المزيدات الببغاويّة" لروتيم ودانون وغيرهم ممن يطالبون بفرض مباشر وسريع للخدمة المدنيّة أو العسكرية على العرب.


وجب التنبّه الى ما لا يقل خطورة في المخطط الأساسي، الذي بنيّ عليه القانون، أي مخطط لجنة "بيري" الذي رأسها يعقوب بيري، خريج جهاز الأمن الاسرائيلي، الرامي لفتح "حوار" جدي ضمن لجنة مشتركة بين قيادة المجتمع العربي وبين المؤسسة الاسرائيليّة حول أساليب فرض الخدمة المدنيّة، يجب أن نحلل هذا الاقتراح في سياق الرؤية الشاملة التدريجيّة التي عرضت جزءا منها وليس بمنعزل عنها، واعلان مقاطعة اللجنة المشتركة مسبقا.


مقترحات سريعة
لا يمكن بأي حال من الأحوال فصل هذا المخطط عن مخطط التجنيد العسكري للعرب، وان كان التركيز الحالي هو على تجنيد أبناء الديانة المسيحيّة كون الظرف اليوم مؤات اقليميا ومحليا ويلقى قبول بعض رجال الدين المنتفعين، فالحديث عن مخططات تطبخ في ذات المطبخ وذات العقليّة التي تؤمن بالعمل التدريجي، وهذا ما رمى اليه الضابط المسئول عن تجنيد الأقليات في جيش الاحتلال الاسرائيلي رامز أحمد وهو بهذا يقدم أرقاما منافيا لأرقام " منتدى تجنيد المسيحيّين" الذي لا يختلف بديماغوغيته وسطحيته عن نواب اليمين ومزايداتهم، فالأرقام الرسمية تتحدث عن وجود 137 جندي عربي مسيحي وليس 500 كما يدعي البعض مضللا،  ويؤكد  قسم "الأقليات" في جيش الاحتلال أنه لم يطرأ أي زيادة  أو تغيير، منذ خمس سنوات،  في عدد المجندين في كل دورة (الذي يقارب ال 50 شاب\ة).


يتضح لنا اذا، من السرد أعلاه، أننا أمام مخطط لا يقل خطورة الفرض المباشر للخدمة "المدنيّة" وهو "الفرض الناعم" لها، ويتضح ايضا تساوق تام في العقليّة والتنفيذ بين الذراع السياسي المتنفّذ وبين الذراع التنفيذي المهني، وعليه لا بد من اعادة الاعتبار لما أسميناه لدى انطلاق الحملة المناهضة للتجنيد ب "الاجماع الوطني الأهلي العام الرافض للخدمة المدنيّة" هذه المرة مع التأكيد على رابطها بالخدمة العسكريّة، وفضح المخطط اعلاميا وشعبيا، فأخر مؤتمر عام جدي في هذا الموضوع عقد قبل 7 سنوات!!


كذلك من الملاحظ أن الأولويّة اليوم في مديرية الخدمة في التوجّه للمناطق النائية المستضعفة من الناحيتيّن الاجتماعيّة والاقتصادية كالقدس المحتلة (ما يقارب ال 80 خادم وخادمة) وضواحيها كأبو غوش، عين رافا عين نقوبا وفي النقب حتى وصل الأمر الى الجولان المحتل، عليه يجب تركيز العمل في هذه المناطق بالتحديد دون اغفال غيرها. كذلك التركيز على شريحة الفتيات فهن يشكلن 90% من مجمل الخادمين، وشريحة الشباب ممن أنهوا وأنهين للتو الدراسة الثانويّة فمعظم الخادمين 90% من هذا الجيل العمريّ.


اننا ابّان مخطط يُرصد فيه الملايين والمئات من المتفرّغين المنتشرين شمالا وجنوبا يعتمد في أساسه على "طول النفس" والتأني في العمل، وهو تكتيك صهيوني استراتيجي معروف، لكنه يعتمد كذلك في أساسه على "قصر النفس" لدينا وانعدام المثابرة، من هنا يجب مجابهته بنفس الروح وأكثر منها،  فانتبهوا أيها السادة...لن يتم فرض الخدمة المدنيّة علينا حاليّا.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018