عكا: تحريض واعتداءات وتهجم باسم الدين../ نورا منصور

عكا: تحريض واعتداءات وتهجم باسم الدين../ نورا منصور

في عكا، وباسم الدين، قام مجموعة من الشباب العكي بالتهجم على النساء، وتكفير كل من جاء لمشاهدة عرض وطن عوتر، وإغلاق المدخل الرئيسي للمسرح مما أدى في الأخير الى الغاء العرض.
نعم.. نعم.. في عكا! ونعم.. في القرن الحادي والعشرين.

القصة لم تبدأ البارحة، يوم السبت الخامس من آذار، يوم العرض. القصة بدأت قبل أسبوعين من اليوم المحدد للعرض، حيث بدأ البعض من شيوخ البلد في تحريض وشحن الشباب في عكا والاستخفاف بعقولهم، وبالتالي إقناعهم بأن طاقم "وطن عوتر" يتعرض للدين وللرسول من خلال عروضه، ولذلك، احتراما ودفاعا عن الدين يجب ألا يسمح لهؤلاء، الذين هم أيضا من أبناء شعبنا الفلسطيني في رام الله ومسلمون ايضا، أن تطأ أقدامهم أرض عكا.

عكا، التي دائما كانت مركز الجليل الثقافي، التي كانت وما زالت تتقبل جميع الزائرين برحابة صدر، تكشف لنا ولأول مرة عن وجهها القبيح من خلال مجموعة تكفيريين متطرفين تتجرأ على أن تشوه وجه عكا الحضاري الجميل، وتشوه وجه ديننا وحضارتنا الإسلامية.

وتتحول عكا من حاضنة للفن والحريات ومنبر للتسامح إلى مقبرة لجميع هذه القيم - التي هي في الأصل إسلامية - في هذا اليوم الأسود المشؤوم الذي يشكل وصمة عار على جبين جميع العكيين.
فلنمعن النظر بما حدث..

الإساءة للدين والرسول

"من كفر مسلما، فهو كافر"

لقد تمت الإساءة لديننا ورسولنا العربي النبي محمد أشد الإساءة، ولحضارتنا الإسلامية. لكن الإساءة لم تصدر من قبل طاقم وطن عوتر، بل من قبل تلك المجموعة المشحونة من الشباب التي قامت بتكفير جميع من جاء ليشاهد العرض المسرحي الكوميدي، إذ قام أحد "الشيوخ" وبكل جرأة بإقصاء الناس من دين محمد صارخاً "من يدخل لمشاهدة هذه المسرحية فهو خارج عن دين محمد". فقد قام هذا الشخص بتكفير نفسه والإساءة لنفسه قبل أن يسيء إلى المجموعة التي جاءت لتشاهد العرض، وذلك استناداً لحديث نبوي شريف، يقول به النبي العربي "ايما رجل قال لأخيه: كافر، باء بها أحدهما"، بمعنى أن الإساءة والتكفير يرتدون على الجهة التي قامت بالإساءة والتكفير، من كفّر مسلما فهو كافر.

"لا إكراه في الدين"

تمت الإساءة للإسلام تحت غطاء الدفاع عنه وعن رسوله من زاوية أخرى، إذ أن "المتظاهرين"، جاؤوا إلى مكان العرض، ووقفوا أمام المدخل ورفضوا السماح لأي شخص في الاقتراب إلى البوابة. وبقيت المجموعة التي جاءت لتحضر العرض، من عكا وخارجها، تنتظر لمدة ساعة ونصف خارج المسرح، حتى تم إلغاء العرض.

لقد قامت هذه المجموعة المشحونة من "المتظاهرين" في فرض وجهة نظرها، ورؤيتها المتطرفة على المجموعة الأخرى التي اختارت أن تأتي لتحضر العرض، بالرغم من التحريض والتوعد والتهديد، وأكرهوا في التخلي عن الحق في حرية الاختيار، التي تعتبر أحد أسس القيم الديمقراطية والإسلامية، إذ تقول الآية القرانية: "لا إكراه في الدين". أي حتى لو كانت مجموعة المتظاهرين على صواب، والمجموعه الثانية على خطأ، فلا يجوز إكراههم على فعل شيء ما لا يريدون فعله في الدين، أو منعهم عن شيء ما.

"إن النساء شقائق الرجال، ما أكرمهن إلا كريم، وما أهانهن إلا لئيم"

في حديث شريف للنبي العربي، يشدد على أهمية معاملة النساء باحترام، إذ أنه يوصي أمته وأتباعه على احترامهن ومعاملتهن بالحسنى، ويحذرهم من إهانتهن فيقول إن اهانتهن تدل على لؤم وقلة أخلاق من قبل الطرف الذي بدرت منه الإهانة. لكن المتظاهرين "المدافعين" عن الرسول، قاموا بالاعتداء على النساء كلامياً وجسدياً. فرددت عبارات مثل: "أنتن العاريات الكاسيات"، بالإضافة إلى التهديد والشتائم والإهانات التي وجهت إلى جميع الناس الذين جاؤوا لمشاهدة العرض. والأخطر من ذلك، أن هنالك من تجرأ على التهجم جسديا على النساء (واحدة منهن صاحبة هذا المقال).

عكا، قاهرة نابليون والصليبيين من قبله، المدينة التي لا تخاف البحر وتسكنه بكل عنفوان وقوة، شكلت دائما دفيئة لتنمية وإنتاج نساء استثنائيات، مثل الأديبة سميرة قيصر عزام، التي ولدت في عكا عام 1928، وعملت في مهنة التدريس في إحدى مدارس عكا، عملت أيضا كصحفية في صحيفة "فلسطين" وفي الإذاعة في بغداد وقبرص، حازت على جائزة القصة القصيرة عام 1962، وعملت لجمع التبرعات للنازحين الفلسطينيين الجدد في العراق بعد عدوان 1967.

فنساؤنا العكيات في عصرنا هذا يحذون حذو سميرة عزام، ويتمثلون في مسيرتها المشرفة، فهن ملتزمات في الاستمرار بالعطاء لمدينتهن العريقة. ومنذ سميرة عزام وحتى يومنا هذا، أبدعن ولا زلن يبدعن في شتى المجالات:

الفن: مثل الممثلة سامية قزموز بكري، والرسامات أمال أبو حامد وأنيسة أشقر. وفي الأكاديميا: مثل البروفيسور خولة أبو بكر، والدكتورة مريم مرعي. وفي إدارة اعمال: سهيلة هندي، التي تدير أنجح المطاعم في عكا، وسناء عزايزة والتي تشغل منصب كبير في شركة عالمية. وفي الطب: الدكتورة نادية منصور وشاحي مديرة مركز طبي ومختصة في طب العائلة. وفي المحاماة: المرحومة مها خوري حزان وهي محامية أسرة، والمحامية الشابة عبير بكر محامية للدفاع عن حقوق الأسرى. وفي الرياضة: حنين ناصر والتي لعبت كرة القدم مع عدة منتخبات منها المنتخب الفلسطيني. وناشطات اجتماعيات- سياسيات: الحاجة منيرة أبو حميد، عندليب أبو دبي، والمحامية وعضوة البلدية مديحة رمّال وأختها المعلمة وعضوة البلدية ولاء رمال علي. بالإضافة إلى مجالات أخرى مثل التربية والتعليم وغيرها.

لكن المتأسلمون والمتطرفون في البلد، الذين يعتقدون أن النساء اللاتي جئن لحضور العرض ومن ضمنهم البعض من النساء المذكورات أعلاه هن "عاريات كاسيات"، يرون أنه من المناسب إمطارهن بالشتائم والإهانات، وحتى التهجم عليهن جسدياً. الشيء المناقض تماما لحديث النبي الذي يوصي بإكرام النساء واحترامهن. وكأن الظلم والقهر والتهميش الذي تواجهه النساء العربيات من قبل المؤسسة الصهيونية لا يكفي، فها هم المتأسلمون من أبناء شعبنا يأتون ليشكلوا حاجزا وعائقا آخر أمام هذه النساء التي تناضل وتكافح يومياً على جميع الأصعدة وخاصة الاجتماعي والسياسي.

التحريض واستغلال الشباب

من الملفت للنظر أنه تم مسح دماغ الشباب وتسميمهم بأفكار متطرفة بعيدة كل البعد عن ما تمليه علينا حضارتنا الإسلامية، وتجنيدهم من قبل جهات مشبوهة في البلد حتى تأتي لتتظاهر أمام المسرح "مدافعةً" عن الدين والنبي. هؤلاء الشباب تم شحنهم وتحريضهم بشكل ممنهج لمدة أسبوعين، ضد المنظمين للعرض، طاقم العرض والجمهور، حتى تحول التحريض إلى تهديد ووعيد من قبل هذه الجماعات المتأسلمة المتطرفة، ومن ثم إلى اعتداء وتهجم فعلي.

المؤلم بالأمر هو استغلال هذه الأطراف المشبوهة لهؤلاء الشباب، واستخدامهم كأداة لتحقيق الفتنة ودق إسفين بين أهل البلد، فانقسمت البلد إلى قسمين، وأفرزت لدينا حالة استقطاب. وأصبح الشباب يتحدثون بمصطلحات "نحن" و"هم". والأسوأ من ذلك هو استغلال الطفلة اليتيمة التي فقدت عائلتها في كارثة عكا المؤلمة - والتي تجند جميع أبناء شعبنا في الداخل، الضفة وغزة والشتات لمساعدتها ومساعدة باقي العائلات المتضررة – لمحاربة أبناء شعبها وأبناء بلدها بحجة الدفاع عن الدين.

أقل ما يمكن قوله عن هذه الجهات أنها تصرفت بلا وعي وقلة مسؤولية، إذ أنها تغاضت عما يمكن أن تؤول إليه الأمور وما قد يسببه تحريضهم، من تطرف وكراهية، وترجمتها إلى توعد وتهديد واعتداءات مزقت النسيج الاجتماعي الشعبي والوطني في عكا، فأصبح لدينا معسكران، وفرضت ممارسات على معسكر من قبل المعسكر الآخر بالرغم من كونه أقلية لا تمثل أغلبية أهالي البلدة.

ولم نسمع أو نر أية محاولة لتهدئة النفوس وتدارك الأزمة من قبل القيادات، دينية، اجتماعية او سياسية.

الشرطة

كل هذه الأحداث، ابتداءً من التحريض وتصاعده وصولا إلى يوم العرض، وانتهاءً في الأحداث التي تمثلت في التهجم الكلامي والجسدي، وإلغاء العرض، كانت بعلم الشرطة. إذ أن رجال الشرطة كانوا متواجدين في موقع الحدث، إلا أنهم قرروا أن يلعبوا دور المتفرج. رغم أننا لا نعول على الشرطة في هذه الحالة، إلا أن لها دوراً لم تقم به في هذه الحالة، ومن المفروض أن تتم أيضا مساءلتها ومحاسبتها. إذ كان بإمكانها فض التجمهر بطرق سلمية، وكان بإمكانها ممارسة الضغط على هؤلاء المحرضين، لتهدئتهم. لكنها لم تفعل ذلك، وما فعلته الشرطة في هذه الحالة هو أنها قام بتعزيز التطرف وتوفيرغطاء وحماية له، وهو تصرف نمطي للدولة الصهيونية التي تعمل جاهدة على تعزيز العادات السيئة في مجتمعنا العربي في الداخل، مثل: التطرف، العنف والمخدرات، قتل النساء، وغيرها، وذلك من خلال عدم معالجتها لهذه الإشكاليات تحت ذريعة أنها شؤون "داخلية" تتعلق بالعادات والتقاليد العربية. كنت أتمنى أن أرى نفس التوجه من قبل الدولة في قضايا أخرى مثل التربية والتعليم، فلتمنحنا الدولة الحق في تقرير المصير فيما نتعلمه ونعلمه في مدارسنا، ولتحسبه شأنا داخلياً، بدل أن تتملص من مسؤولياتها تجاه الأقلية العربية في قضايا شائكة، وتتركنا نصارع ظواهر سلبية لوحدنا دون تطبيق القانون في بلداتنا وقرانا العربية.

ما حصل في عكا مساء يوم السبت هو سابقة خطيرة جداً، وإذا لم يتم تداركها ومحاسبة جميع الأطراف التي أدت بشكل مباشر أو غير مباشر إلى تدهور الوضع وصولا إلى ما وصل عليه من تحريض، اعتداءات وتهجم، سنعاني من هذه الظواهر جميعنا. والتطرف لا يعني فقط التطرف الديني كما هو في هذه الحالة، فالتطرف قد يأخذ عدة أشكال ويظهر في شتى المجالات. علينا أن نحافظ على عكا لتبقى تتسع لجميع أهلها، بمختلف معتقداتهم، وجهات نظرهم، وانتماءاتهم الدينية، الاجتماعية والسياسية.

لتبق عكا منبرا ومنارة للثقافة العربية الفلسطينية.
 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018