الوحدة الوطنية ضمان النجاح في إسقاط مشاريع التجنيد../ د. باسل غطاس

الوحدة الوطنية ضمان النجاح في إسقاط مشاريع التجنيد../ د. باسل غطاس

يبدو أن الحكومة الحالية بقيادة نتانياهو تعمل من خلال تطبيق كامل لمفهوم أنها في حالة حرب مع أخطر أعدائها، مواطنيها العرب، ذلك أنهم يشكلون أقلية قومية أصلانية، وفي نفس الوقت هم النقيض التاريخي للمشروع الصهيوني ولمشروع الدولة اليهودية.

منذ أن بدأت الحكومة الحالية بائتلافها اليميني العنصري عملها قبل سنة ونيف ونحن نواجه "حروبا" متواصلة على جبهات متعددة تفتحها علينا حكومة نتانياهو، ونحن لا نكاد نلتقط أنفاسنا في المواجهات المختلفة وبصعوبة بالغة نستطيع الرد، وهذا نتيجة أيضا لمشاكلنا الداخلية المتمثلة في الانقسامات السياسية وغياب المؤسسات القومية الجامعة. وإذا كنا نطمح لنطور إستراتيجيات في المبادرة والفعل بدل رد الفعل، علينا الاعتراف أننا في خضم حرب ضروس تجبرنا على عمليات الرد والصمود والتمترس في مواقعنا بحيث يصبح من الصعب جدا أن نستخدم إستراتيجيات مواجهة تعتمد على المبادرات المخططة والمدروسة والفعل الإبداعي. ليس بهدف إحصاء مكاره هذه الحكومة ومبادراتها العنصرية بالتفصيل، ولكن لنتذكر الجبهات الكبرى التي فتحت علينا خلال أقل من سنة ونصف ونحن لا زلنا في خضم المواجهات على جميعها:

فمن "قانون برافر" لمصادرة أراضي النقب وعمليات الهدم والتهجير المستمر، إلى قوانين منع التمثيل السياسي للعرب بواسطة رفع نسبة الحسم، إلى مشاريع التجنيد من خلال خلق الفتن وتمزيق النسيج الاجتماعي لشعبنا وتفريقه إلى ملل وطوائف. هذا ناهيك عن الممارسات العدوانية اليومية تجاه المقدسات، وخاصة المسجد الأقصى، وانتهاكات حقوق الإنسان المستمرة، ونظام الفصل العنصري الذي يفرز قضايا يومية، مثل قضية أهل رمية، وقضايا التهجير في عكا، وبيع الأوقاف الإسلامية مثل خان العمدان وخان الشونة والحمام الشعبي، ومخططات التهويد التي ينوون البدء بها قريبا في الجليل. ويضاف إلى ذلك المخطط الجديد الذي سيشرف عليه بيبي نتانياهو شخصيا في سن "قانون أساس الدولة اليهودية".

هذه كلها جبهات جديدة ساخنة تضاف إلى المواجهات الدائمة في مواضيع التمييز في الميزانيات والموارد ومناطق الأفضلية والتخطيط والبناء والتشغيل وقضايا الفقر والإقصاء الاقتصادي. إذا أضفنا إلى هذا كله الوضع السياسي العام، واستمرار الاستيطان والاحتلال بأبشع صوره، وانتهاء بــ"لعبة المفاوضات" التي استخدمها نتانياهو لسنوات طويلة لاكتساب الوقت في عملية إدارة الصراع، لوجدنا أن الصورة قاتمة جدا.

التحدي الأكبر الذي يواجهنا الآن كأقلية قومية هو: كيف ننجح في التصدي والمواجهة من خلال رد الفعل، وفي نفس الوقت نطور وسائل نضال ومواجهة فاعلة تباغت المؤسسة وتجعلها هي في حالة دفاع؟ الوسيلة لذلك برأيي تكمن في تطوير وسائل الفعل والهجوم خلال عمليات التصدي نفسها. هذا ما جرى بشكل أولي خلال "مواجهة برافر"، ويمكن تطويره في كل المواجهات المقبلة، ناهيك عن فتح جبهات جديدة لمقاومة سياسة الفصل العنصري والتمييز القومي.

الجبهة الساخنة جدا الحالية هي مشروع تجنيد العرب لجيش الاحتلال والخدمة المدنية والتركيز على المسيحيين هذه المرة في محاولة لتشويه الهوية والانتماء وضرب الوحدة الوطنية التي هي ركيزة أساسية نملكها كأقلية قومية في مواجهة كل التحديات.

المؤسسة بكافة أذرعها الأخطبوطية تقوم بتنفيذ المشروع ومعها إعلام إسرائيلي عميل ومجند لصالح الإجماع القومي اليهودي. رد فعلنا الشعبي في تصاعد والتعبئة في الشارع العربي مستمرة، وبدأنا نحقق بعض النتائج، فبيان رؤساء الكنائس الثلاثة عشر في الأراضي المقدسة الذي صدر قبل أيام ضد التجنيد هو خطوة هامة وإيجابية الموقف الذي اضطر البطريرك الأرثوذوكسي إلى اتخاذه ضد خوري التجنيد العميل هو موقف جيد ولكن ليس كافيا.

ولعل أهم النجاحات التي تحققت والتي يجب تعزيزها في الأسابيع القادمة هي الوحدة الوطنية الشاملة ضد التجنيد التي تجلت في انضواء كل المركبات والأطر الفاعلة في حملة واحدة تحت سقف لجنة المتابعة. ستتجلى هذه الوحدة الوطنية والتي هي الضمان الوحيد للنجاح في إسقاط المشروع في الأسابيع القادمة في عقد المؤتمر الوطني الشامل ضد التجنيد والخدمة المدنية في 6 حزيران، وفي الاجتماع التحضيري الكبير الذي سيسبقه يوم السبت 17 أيار الساعة الثانية عشر ظهرا في مركز محمود درويش في الناصرة.

نجاح الاجتماع التحضيري والمؤتمر هو مهمة كل القوى السياسية والأطر الشبابية والاجتماعية، وسيكون له أبعد الأثر في إفشال المشروع وتحقيق الانتصار في هذه الجبهة الهامة التي ستتطلب منا جهودا متواصلة قد تستمر سنوات.

الإستراتيجية التي تبنتها القوى الوطنية حتى الآن اعتمدت على ركيزتين هامتين جدا: الأولى المواجهة الوطنية الشاملة والموحدة لمشروع تجنيد المسيحيين وإرسال رسالة قوية بأن إسقاط هذا المشروع ليس مهمة المسيحيين وانما مسؤولية جماعية للشعب الفلسطيني برمته وفي كافة أماكن تواجده؛ أما الركيزة الثانية فهي تأتي من باب الفعل والهجوم وعدم الاكتفاء بالرد على المشروع العيني الذي هوفي المواجهة، بما يعني فتح كل ملفات التجنيد والخدمة المدنية في مواجهة السلطة، بما فيه إعادة قضية التجنيد الإجباري لأبناء الطائفة العربية الدرزية إلى الواجهة وإلى قلب جبهة التصدي للتجنيد.

هذا يتطلب تحويل مطلب إلغاء قانون التجنيد الإجباري على الدروز إلى مطلب أساسي للحملة ويجعل شعار "أرفض شعبك يحميك" ليس شعارمجموعة أو إطار معين بل يجعله شعارا اساسيا للحملة كلها.

كذلك في موضوع الخدمة المدنية التي يجب أن نعترف أن السلطة حققت نجاحات فيها ستكون موضع هجوم من قبلنا حتى يتم إسقاطها سوية مع مشاريع التجنيد من خلال ربط مشروع الخدمة المدنية بالتجنيد،ولكي يفهم كل الشباب والأهل أن من أدخل لنا الخدمة المدنية من الشباك يدخل لنا الآن الخدمة العسكرية من الباب، ولهذا علينا أن نقفل كليهما ونسدهما بشكل تام مما يعني تطويرا بعيد المدى للعمل على الوعي والانتماء وتعزيز الهوية الوطنية والذاكرة الجماعية.

ليس أقل أهمية ألا نترك زمام المبادرة لحكومة اليمين والفصل العنصري، وأن نقوم ببعض المبادرات الفاعلة تفتح ملفات وقضايا جديدة نكون فيها في موقع الهجوم، والسلطة في موقع الدفاع. على سبيل المثال لا الحصر في ملف القرى المهجرة وممارسة حق العودة ممكن بل مطلوب الأخذ بالتجربة الرائعة لشباب قريتي إقرث وبرعم في العودة إلى قراهم. ألا يمكن أن نحقق العودة من قبل مجموعات جدية من الشباب لعدد من مواقع القرى المهجرة التي تتمتع ببعض المقومات التي تساعد على صمود النواة العائدة؟ هذا موضوع لمداخلة أخرى قريبا.