إسرائيل: ثورة دستورية جديدة؟/ خالد تيتي

إسرائيل: ثورة دستورية جديدة؟/ خالد تيتي

عرب ٤٨

أطل علينا نتنياهو عشية ذكرى تأسيس دولة إسرائيل ونكبة شعبنا الفلسطيني معلنًا نيته الشروع بسن قانون أساس: القومية اليهودية. ليست هذه المرة الأولى التي يطرح فيها هذا المشروع، فقد كان الوزير السابق آفي ديختر أول من اقترحه في الكنيست الثامنة عشرة، وقد عاد رئيس الائتلاف ياريف لافين بطرحه في الكنيست الحالية. 

لن أخوض في الأبعاد السياسية التي تكمن في سن قانون من هذا النوع، على أهميتها، بل في الأبعاد القانونية الدستورية التي يؤسس لها قانون أساس يضمن وضعية دستورية للقومية اليهودية ولمبدأ يهودية الدولة، كخلفية ربما ستنظم المبنى الدستوري الإسرائيلي من جديد، وفي محاولة سريعة لتسليط الضوء على مسألة يبدو أننا سنتداولها كثيرًا هذا العام.  

كما هو معلوم، حتى اليوم لا يوجد في إسرائيل دستور كامل متكامل لجميع المفاصل الأساسية التي تنظم تعريف الدولة والمبادئ الأساسية التي تقوم عليها سلطاتها وصلاحياتها أو تلك التي تعنى بحقوق الإنسان، كما هو متعارف في دول العالم. ويدار المبنى الدستوري في إسرائيل وفق "قوانين أساس"، عرفت كأبواب مختلفة للدستور الإسرائيلي المنشود، تُسن من قبل الكنيست بدورها الاستمراري للجمعية التأسيسية للدستور وفق "نظرية القبعة" التي فسرها القاضي المتقاعد ورئيس المحكمة العليا السابق، أهارون باراك، إذ أن الكنيست تدمج ما بين كونها السلطة التشريعية عندما تسن القوانين العادية تارةً والسلطة التأسيسية المخولة بسن قوانين الأساس ذات الصبغة الدستورية تارة أخرى. 

وفقًا لهذه المنظومة، سنت الكنيست حتى اليوم قوانين أساس عدة تنظم عمل الكنيست والحكومة والمحكمة العليا ومؤسسة رئيس الدولة وغيرها، وكان أهم هذه القوانين قانون أساس كرامة الإنسان وحريته وقانون أساس حرية العمل، التي وصفت من قبل محكمة العدل العليا عام ١٩٩٢ كقوانين أحدثت ثورة في المنظومة الدستورية في إسرائيل، إذ تميزت هذه القوانين عن غيرها من قوانين الأساس بفتح الإمكانية لإبطال القوانين العادية التي تتعارض مع قوانين الأساس هذه، الأمر الذي يعطي قانون الأساس "مكانة دستورية فوق قانونية"، أي أنها تتغلب على القانون العادي في حال تعارض مع ما تنص عليه وتعرضه للنقض القضائي وللتعديل أو الإبطال في بعض الأحيان.

"الطفرة الدستورية" التي أتت بها وصف آنذاك بـ"الثورة الدستورية" أعلت من شأن المبادئ الديمقراطية من وجهة نظر السلطة القضائية، ما أدى في السنوات الأخيرة إلى قلق لدى القطاعات الإسرائيلية اليمينية المتطرفة وإلى تناحر مع المؤسسة القضائية والمحكمة العليا بالتحديد، التي قادت (بحسب الأوساط اليهودية المعارضة) نهجًا ليبراليًا في تفسيرها للتعارض الحاصل بين يهودية الدولة وديمقراطيتها، من حيث إعلاء مبادئ المساواة والتفضيل المصحح أو قل التقليص من تأثير صبغة الدولة اليهودية على المحك القضائي في مسائل مختلفة.

لا نقول إن هذا الادعاء صائب تمامًا، فما زالت السلطة القضائية تعمل ضمن إجماع ثنائي "اليهودية الديمقراطية"؛ إلا أن الناظر إلى واقع المساحة التي فرضتها "الثوة الدستورية الباراكيّة" يرى أنها أفسحت المجال للمناورة القضائية، من أجل المطالبة بتحقيق المساواة وتغليب المبدأ الديمقراطي على اليهودي في واقع تطغى به الفجوات وطابع الدولة وسياساتها النابعة من تفضيل اليهود على العرب. ومن الممكن أن نشير إلى انجازات مهمة في هذا المجال. 

لذا فعلى الرغم من حاجة إسرائيل السياسية لتعريفها لذاتها كدولة اليهود فهناك تداعيات قانونية أو قل دستورية ستفرزها عملية إقرار قانون أساس القومية اليهودية، فهل ستحدث هذه العملية "ثورة دستورية جديدة"؟!

الإجابة على هذا التساؤل هي بنعم وبلا في آن معًا، فإذا كنا نعني بالثورة الدستورية تلك التي وصفها القاضي باراك من حيث الإضافة النوعية لإمكانية تفعيل رقابة قضائية فعلية على قرارات حكومية وقوانين مناقضة لقوانين الأساس الدستورية، فيبدو أننا لسنا بصدد ثورة دستورية فعلية ترافقه آلية مباشرة لمنع أي تناقض ويهودية الدولة، إلا أن الإجابة ستكون نعم، إذا ما نظرنا إلى الطفرة التي من الممكن أن يحدثها قانون أساس القومية اليهودية في "روح المنظومة الدستورية"، لأن مبدأ يهودية الدولة قائم دون الحاجة لقانون أساس وهذا ينطبق حتى على القوانين التي تسن في البرلمان التي من المستحيل أن تمر إذا ما تناقضت ومبدأ يهودية الدولة. 

إن سن قانون أساس يهودية الدولة (في صيغته الحالية المطروحة) من شأنه أن يحدث انقلابًا في فهم مضمون الدولة، تعريفها ومبتغاها، حيث أن تركيبة النقاش حول اليهودية والديمقراطية ستتحول من الندية (أو التوازن الحساس كما يحلو للإسرائيليين القول) إلى تغليب أسس القومية اليهودية، الأمر الذي ستصل رواسبه إلى السلطات الثلاث، وذلك في تعاملها مع نفسها وفي تعاملها مع المواطنين العرب ومطالبهم خاصة. 

فوفقًا للصيغة المطروحة اليوم يبدو أن الموضوع سيكون بجله شكليًا ينظم رموز الدولة وتعريفاتها ومقولتها الصهيونية وحتى الدينية (اتخاذ الشريعة العبرية كمصدر لتفسير القوانين)، بالإضافة إلى إقرار "عودة اليهود" من جميع أنحاء العالم في ضمن قانون الأساس وإعطاء اللغة العربية صفة "لغة ذات مكانة خاصة" بدلاً من لغة رسمية. 

ولهذه الشكلية مضمون قوي جداً سيكون له وقع كبير لتعامل القضاء مع سياسات وقرارات الحكومة وقوانين الكنيست ذات الطابع اليهودي، فإذا كان خطاب يهودية الدولة مهيمنًا على القضاء حتى اليوم، فإن ترسيخه من الناحية القانونية ذات الطابع الدستوري ستؤسس لتفسيرات وسجالات معمقة (قديمة - جديدة) حول التناقض بين يهودية الدولة وديمقراطيتها، ومن المؤكد أن الأوساط القضائية المنحازة ليهودية الدولة ستتنفس الصعداء وتتزود بأدوات جديدة من العيار الثقيل في تعاملها مع أي مظهر من مظاهر مقارعة يهودية الدولة، إما بحجة المساواة الفردية وإما بحجة المطالب القومية والجماعية. 

ولنا أن نتخيل كيف سيكون التعامل مع مواضيع مثل البناء، الأرض والمسكن، استعمالات اللغة العربية، تفضيلات للمهاجرين الجدد، حالات لم الشمل، أسرلة جهاز التربية والتعليم الميزانيات وغيرها. هذا بالإضافة إلى الأرضية الخصبة التي ستدعو إلى سن قوانين عينية تعنى بتفضيل اليهود على العرب من باب تجسيد مبدأ القومية اليهودية الذي سيكون له مكانة دستورية أو قوانين عينية تحارب أي إمكانية لتنظيم الطموحات القومية والجماعية لدى المواطنين العرب، أو تلك التي من شأنها أن تتعارض مع هوية الدولة.  

عندما فسر قضاة إسرائيل سبب اهتمامهم بمبدأ يهودية الدولة على الرغم من عدم وجود خلفية دستورية لذلك، قالوا إنّ وثيقة الاستقلال أقرت هذا المبدأ، وعلى الرغم من عدم شرعية الوثيقة قانونيًا إلا أنها تعبر عن "تصريح ذاتي لتعريفنا لذاتنا كدولة اليهود". في حال أقر نتنياهو قانون أساس "القومية اليهودية"، سيقول القاضي إن مبدأ دولة اليهود هو دستورنا وكل ما عدا ذلك هو تفاصيل قابلة للتعديل.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018