حتمية العودة إلى المربع الأول../ د. هنيدة غانـم

حتمية العودة إلى المربع الأول../ د. هنيدة غانـم

مرت قبل عدة أسابيع الذكرى السابعة والأربعون للاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة وهضبة الجولان السورية. لم تثر ذكرى النكسة هذه المرة الاهتمام الذي يتوقع لذكرى أليمة وكارثية أن تثيره، وبدت المحاولات القليلة التي قام بها البعض لإحيائها باهتة وصفراء.

لكن بعكس بهتان فعاليات "استذكار" النكسة، ظهرت فعاليات إحياء الذكرى السادسة والستين للنكبة حيوية وقوية وتميزت بزخم جماهيري وخاصة بين فلسطينيي 1948. وقد بات من الملفت وجود بوادر علاقة طردية بين فعاليات إحياء ذكرى النكبة وبين فعاليات إحياء النكسة، حيث يبدو جليا تراجع الثانية مع تصاعد الأولى، وإذا ما استمرت الحالة على ما هي فأغلب الظن أن تتعزز وتتصاعد هذه العلاقة طرديا في السنوات المقبلة.

يمكن القول إن بهتان فعاليات إحياء ذكرى النكسة مقابل تصاعد التركيز على إحياء النكبة يرتبط بإزاحة إستراتيجية في النظرة الجمعية لكيفية التعامل مع الواقع المأزوم، وذلك بالانتقال من منظور الاحتلال إلى منظور الاستعمار، من احتلال 1967 إلى الاستعمار المرتبط بـ 1948، وهو ما يعني إعادة مفهمة الاحتلال ضمن منظومة الاستعمار الاستيطاني والإحلال والقوة لا ضمن مفاهيم الأمن والصراع القومي والخلافات على تبادل الأراضي.

لا بد من الإشارة هنا إلى أن العودة إلى جذور المشكلة، أي إعادة التمركز في دائرة 1948، ليست خيارا فلسطينيا مدروسا ومحسوبا عقلانيا بمفاهيم الربح والخسارة السياسية، بل نتاج تقاطع وتفاعل مجموعة من العوامل التي حولت قبول الفلسطيني لحل سياسي ضمن إطار الدولتين وما يتضمنه من قبول بما يساوي 20% من وطنه إلى رماد.

من ضمن هذه العوامل يمكن أن نشير بالطبع إلى التعنت الإسرائيلي وقصور المجتمع الدولي وشرذمة العالم العربي، لكن بالأساس بسبب عدم نجاح الصهيونية في "التقاط" الفرصة التاريخية التي أتيحت لها العام 1967 بالتحول من مشروع استعماري إلى مشروع دولة واضحة الحدود والمعالم، بل على العكس أوغلت في بعدها الاستعماري الاستيطاني الشرس وتحويله إلى ناظم علاقات الدولة والمؤسسات والمواطنة، والذي يخضع باقي العوامل لديناميكياته، وهو ما يتجلى حاليا في التحول المنتظم لإسرائيل في المستقبل القريب إلى دولة أكثر يهودية وقبلية منغلقة وأبارتهايدية، تحمل بذور فشلها في الحفاظ على شكلها هذا لأمد طويل بين طياتها.

توجد مجموعة من المؤشرات تسمح لنا بأن نستقرئ وجهة إسرائيل هذه وبالتالي فهم الآثار المترتبة على مستقبلنا ككل، من بينها:

1. أفول الصهيونية التقليدية بصيغتها الاشتراكية - العلمانية الأشكنازية التي أسسها جيل الآباء، وكان خير من مثلها أبناء الكيبوتسات، وحزب العمل على تجلياته المختلفة، وفي المقابل صعود تدريجي لقوى الهوامش، من شرقيين وسكان مناطق الأطراف والمتدينين والحريديم والمهاجرين، واليمين الليبرالي، وهو ما أطلق عليه عالم الاجتماع الإسرائيلي باروخ كيمرلينغ "نهاية الهيمنة الاشكنازية". وقد أسهم في هذا التغير بشكل خاص التغير الديمغرافي في القماشة السكانية في إسرائيل، إذ يشكل اليوم الحريديم والمتدينون 50% من طلاب الصفوف الأولى اليهودية في المدارس الابتدائية؛

2. التشديد على القيم اليهودية القومية مقابل تهميش القيم الديمقراطية، وتحويل القيم المتعلقة بالهوية الإثنية- القومية إلى مرجعية أساسية. في هذا السياق يمكن الإشارة على سبيل المثال إلى أن الصيغ التي جرت العادة على استعمالها مثل "إسرائيل يهودية وديمقراطية" صار يتم تنحيتها لصالح صيغ "إسرائيل دولة يهودية"، وإسرائيل "دولة الشعب اليهودي" أو إسرائيل "الدولة القومية للشعب اليهودي"؛

3.  التديين المستمر للصهيونية، في مقابل الصهينة المستمرة للحريديم بشكل خاص والمتدينين بشكل عام. لا بد هنا من الإشارة إلى أن حركة "شاس" التي كانت حتى اغتيال إسحق رابين حركة قطاعية تعبر عن مصالح الشرقيين المتدينين وغير صهيونية، تحولت مع ابتعاد آرييه درعي وتحت قيادة إيلي يشاي وعوفاديا يوسف الى حركة قومية دينية يمينية ومتصهينة، حتى تحولت الى جزء من خارطة اليمين الإسرائيلي، هذا التصهين والتحول نحو اليمين بدأ يبهت قليلا مع عودة درعي لقيادة "شاس" واستثناء الحريديم من الحكومة، ومع موت عوفاديا يوسف ومجيء قائد روحاني يقال إنه أقل اهتماما بشؤون الدولة العامة؛

4. التحول المستمر في تركيبة النخب الحاكمة وفي بنية الجيش، فالتحولات الديمغرافية المستمرة في إسرائيل تنعكس على تركيبة المؤسسات الإسرائيلية والنخب التي تقود الدولة وعلى وجهتها المستقبلية إذ يتزايد حضور المتدينين والمستوطنين واليمينيين باطراد. في هذا السياق يمكن أن نشير إلى التغير في نسبة المتدينين الذين ينخرطون في الوحدات القتالية في الجيش، فمثلا لم تتعد نسبة المتجندين في فرق المشاة من معتمري القبعات العام 1990 الـ 2.5% فيما وصلت العام 2008 إلى 26%. بالإضافة إلى ذلك نجح معتمرو القبعات من المستوطنين في الدخول إلى قلب المؤسسة القضائية بعد أن تم تعيين قاض منهم في المحكمة العليا وهو نوعم سولبرغ؛

5. تآكل الخط الأخضر المستمر: اليوم 10% من اليهود هم مستوطنون يعيشون فيما وراء الخط الأخضر، وبعض الإحصائيات تتحدث عن أن النسبة تفوق ذلك إذ أن عدد المستوطنين بحسب مصادرهم تجاوز 750 ألف مستوطن. والتجربة تعلمنا مع الأسف أن مصادرهم ليست دائما مخطئة! وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو أعطى الوزارات المفصلية التي تؤثر على الوقائع على الأرض في المناطق المحتلة وفي طليعتها وزارة الإسكان ووزارة الدفاع لمستوطنين هما أوري أريئيل من "البيت اليهودي" وموشيه يعلون من "الليكود"، فإننا سنرى أن ما كتبه ألوف بن عن أن هدف نتنياهو الإستراتيجي هو أن يصل عدد المستوطنين خلال ولايته إلى مليون مستوطن، هو هدف إستراتيجي معقول، يهدف إلى تفريغ حل الدولتين من مضمونه بشكل تام؛

6. بعد تمدّد المشروع الاستعماري في العام 1967 إلى كل أراضي فلسطين، وبعد أن تشابكت المستوطنات في الجغرافيا، نتج واقع ثنائي في فلسطين التاريخية غير قابل للفصل، على الأقل غير قابل للفصل الجغرافي التقليدي الذي يعتمد وضع حد واضح بين الجماعات.

إن هذه التغيرات البنيوية التي تشهدها إسرائيل ليست غريبة على الفلسطيني الذي يتابع تجلياتها اليومية وإفرازاتها المستمرة سواء في أراضي 1967 أو داخل 1948. وهي على ما يبدو توجّه خياراته حتى عندما يتم إحياء يوم النكبة أو يوم النكسة، وتسهم في إعادة ضبط بوصلته نحو مقارعة الأساس المولد وليس إفرازاته، أي من خلال العودة إلى 1948 وعدم الانحصار في 1967!
 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018