عندما ينتفض التاريخ على جهل محمد بركة وانحطاطه/ د. محمود محارب

عندما ينتفض التاريخ على جهل محمد بركة وانحطاطه/ د. محمود محارب

أجرى محمد بركة، رئيس الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، مقابلة مطولة مع صحيفة 'هآرتس' بمناسبة إعلانه عن نيته الاستقالة من الكنيست في آذار المقبل.  وقد اتسمت هذه المقابلة بالضحالة الفكرية وبالسطحية السياسية وبالقصور في فهم الماضي والحاضر وبمحاولة الانغماس في الإجماع الإسرائيلي السائد الذي يوجه اللوم للضحية ويسعى إلى تدجين الشعب الفلسطيني وحرمانه من النضال ضد أسوأ وأطول احتلال كولونيالي استيطاني اقتلاعي في العصر الحديث.

 ولم يكتف محمد بركة بالتزلف للمجتمع الإسرائيلي طيلة المقابلة ولا بتبنيه فرضيات صهيونية أساسية ومغالطات تاريخية وابتعاده عن الرواية التاريخية الفلسطينية وتناقضه معها، وإنما شن حملة تحريضية شنيعة ضد الحركة الوطنية الفلسطينية في داخل الخط الأخضر وضد التجمع الوطني الديمقراطي وضد قادته ولا سيما ضد المفكر والمناضل الدكتور عزمي بشارة وضد النائية حنين زعبي وضد أحد أهم الحقوق الأولية للعرب الفلسطينيين في داخل الخط الأخضر وهو حقهم في أن ينظموا أنفسهم بشكل مستقل عن الصهيونية والأحزاب الإسرائيلية لكي يتمكنوا من النضال من أجل تحقيق حقوقهم القومية والمدنية.

وحرص محمد بركة في مقابلته المطولة أن يموضع نفسه في داخل الإجماع الإسرائيلي وألا يخدشه سواء في المواضيع التي تطرق إليها أو في تلك المواضيع الأساسية المهمة التي حرص كل الحرص أن يتجاهلها لكي لا يمس الإجماع الإسرائيلي. فلم يتطرق محمد بركة أو يشير إلى الحقوق القومية للشعب الفلسطيني داخل الخط الأخضر ولم يحاول أن يحدد ماهيتها ولم يتطرق إلى استراتجية الحكومات الإسرائيلية التي عملت على تدمير بناهم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، ولم ينتقد البطش الإسرائيلي المنهجي والمنظم ضد الشعب الفلسطيني والجرائم التي ما انفك يرتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنون وتنظيم جباية الثمن بحق الفلسطينيين في المناطق المحتلة،  ولم يشر إلى تعاظم الاستيطان واستفحاله ولم يتطرق إلى معاناة الفلسطينيين الشديدة تحت الاحتلال ولا إلى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها إسرائيل ضد الفلسطينيين، لا سيما في حربها الأخيرة ضد غزة، ولم يشر لا من قريب أو من بعيد إلى سياسة التطهير العرقي التي تتبعها إسرائيل ضد الفلسطينيين في القدس الشرقية المحتلة ولا إلى تعاظم المحاولات الإسرائيلية الرسمية وازدياد محاولات القوى والجماعات الفاشية الإسرائيلية المدعومة من الحكومة الإسرائيلية لتغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى بغرض فرض السيادة الإسرائيلية عليه وتقاسمه زمانيا ومكانيا تمهيدا لتهويده. لم يذكر محمد بركة المسجد الأقصى اطلاقا في مقابلته، ولكنه عوضا عن ذلك حرص على ذكر اعتزازه الكبير بصداقته مع ريؤوفين ريفلين الذي اقتحم المسجد الأقصى سوية مع شارون في عام 2000 لإثبات السيادة الإسرائيلية اليهودية عليه وملكية اليهود له.

ولا أعرف حقيقة لماذا اختار محمد بركة في المقابلة أن يبرز أنه كان له 'أصدقاء يهود وعشيقات يهوديات' (بنوت زوج بالعبرية)  أثناء دراسته في جامعة تل أبيب. لا أعرف أيضا ماذا كان يفعل هذا الصنف الذكوري من الناس لو أن شقيقة أو زوجة أحدهم قالت في مقابلة صحافية أنه كان لها أثناء دراستها في الجامعة صديقات يهوديات وعشاق يهود. 

تقديم أوراق اعتماد لليسار الصهيوني

لقد بدا محمد بركة في تملقه الاجماع الإسرائيلي في مقابلته وكأنه يقدم أوراق اعتماده للانتساب إلى أو التحالف مع أحد أحزاب اليسار الصهيوني. فما قاله محمد بركة يمكن أن يقوله بالكامل ومن دون تلعثم عضو عربي في حزب ميرتس أو في حزب العمل الصهيوني.

كان من المفروض أن يطرح محمد بركة في مقابلته الطويلة رؤيته التي تلخص عقد ونصف العقد لدوره ودور الجبهة التي يرأسها في تحقيق الأهداف التي تناضل من أجلها الجبهة وفي مقدمتها مدى سيرها نحو تحقيق الشيوعية أو الاشتراكية أو العدالة الاجتماعية في إسرائيل، أو مدى تحقيق المساواة للمواطنين العرب في إسرائيل، والربط بين كل ذلك وبين نضال الجبهة ضد الاحتلال والاستيطان. غير أن محمد بركة لم يأت بشيء من هذا.

ورغم أن المقابلة كانت ضحلة ومشتتة، إلا أن فكرتين أساسيتين هيمنتا عليها من بدايتها وحتى نهايتها، الأولى: محاولة محمد بركة الالتحاق بالإجماع الإسرائيلي والاندماج فيه، والثانية: التحريض المنهجي والشنيع ضد الحركة الوطنية في داخل الخط الأخضر بشكل عام والتجمع وضد حزب التجمع الوطني الديمقراطي وقيادته بشكل خاص، وضد المقاومة وضد حماس.

قدرات فكرية متواضعة للغاية ووعي سياسي محدود

لقد شكل تأسيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي وطرْحه رؤية جديدة، واجتراحه برنامجا سياسيا بشأن الحقوق القومية والمدنية للعرب الفلسطينيين في داخل الخط الأخضر وبشأن دولة المواطنين، وربْط ذلك مع النضال من أجل إزالة الإحتلال والاستيطان كلية من المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1967 وإقامة دولة فلسطينية مستقلة فيها، تحديا كبيرا للجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة. ومن سوء طالع الجبهة أنها كانت تفتقر عند ظهور هذا التحدي في منتصف التسعينيات إلى القيادة ذات القدرة الفكرية والوعي السياسي التي تمكنها من التعاطي إيجابيا مع طرح التجمع ومع تعاظم قوته وانتشار خطابه السياسي بسرعة بين صفوف الفلسطينيين داخل الخط الأخضر. فقد كان محمد بركة سكرتيرا للجبهة في هذه الفترة الحرجة من تاريخها والتي شهدت صراعات داخل الحزب الشيوعي وجبهته وخروج الكثيرين منها بعد إنهيار الاتحاد السوفييتي (الجبهة أصبحت منذ بداية التسعينيات هي التي تقود الحزب الشيوعي الإسرائيلي وليس العكس كما كان الوضع عليه في البداية).

لقد كان منصب السكرتير العام للجبهة ومن ثم منصب رئيسها أكبر بكثير جدا من طاقات محمد بركة الفكرية المتواضعة للغاية ومن وعيه السياسي المحدود. فقد كان محمد بركة رجلا تنفيذيا شعبويا ويتمتع بصفات ما يسمى 'القبضاي' إلى حد بعيد، وكان يمقت الفكر والفلسفة والكتابة والمثقفين لا سيما إذا كانوا مناضلين ومسيسين، ويعتز بذلك علنا. ولم يكن قوله في المقابلة بأنه نادرا ما يمسك بالقلم مفاجئا للذين يعرفونه. وهذه ليست المرة الأولى التي يقول ذلك، وهو لم يقصد على أي حال أنه يطبع ما يكتبه. لا لا . فهو يمقت الكتابة، وثقافته هي في أغلبها ثقافة شفوية. ومما زاد من وضع محمد بركة سوءا، استبداد الشعور بالنقص به وهيمنة الشعور بالدونية عليه، أمام المثقفين لا سيما الثوريين والمناضلين منهم، وهذا ما لمسناه بقوة وبوضوح عند تأسيس التجمع، وربما بشكل أدق منذ تأسيس التجمع. قبل ذلك، عندما كان محمد بركة يعتدي في المظاهرات في السبعينيات على الطلاب الفلسطينيين من الحركة الوطنية ومن حركة أبناء البلد أساسا، لأنهم كانوا يرددون شعارات وطنية مثل شعار 'شعب واحد في الخليل والجليل' ويرفعون العلم الفلسطيني، لم يكن يشعر محمد بركة بالنقص والدونية، ففي تلك الفترة كان يعتبر نفسه بطلا و'قبضايا'.

تمتع حزب التجمع الوطني الديمقراطي منذ تأسيسه بنخبة من القياديين الذين امتلكوا درجة عالية من الوعي والتجربة النضالية والرؤيا الواضحة، وحملوا مشروعا وطنيا يتجاوب مع التحديات الآنية والاستراتيجية لواقع شعبنا داخل الخط الأخضر. وكانت أعمار معظمهم حينئذ تزيد أو تقل قليلا عن أربعين عاما. وقد برز من بينهم الدكتور عزمي بشارة الذي لعب دورا محوريا في تأسيس وقيادة حزب التجمع الوطني الديمقراطي. فعلاوة على كونه مفكرا فذا وقائدا سياسيا صلبا ومناضلا وطنيا ذا إرادة حديدية، تمتع الدكتور عزمي بشارة بالكاريزما والحضور القوي وبالقدرة الكبيرة والنادرة في إيصال فكر حزب التجمع وبرنامجه السياسي ونشره بسرعة بين صفوف الفلسطينيين داخل الخط الأخضر. فبعد فترة وجيزة من تأسيس حزب التجمع أخذت شعبيته وشعبية رئيسه الدكتور عزمي بشارة تزداد باطراد وتنتشر بسرعة بين صفوف الفلسطينيين داخل الخط الأخضر كانتشار النار في الهشيم، وبلغت درجة من الشعبية لم تضاهيها شعبية أي قائد وطني داخل الخط الأخضر من قبل. وكان من الواضح أن رؤية التجمع ومشروعه الوطني وشعبية الدكتور عزمي يشارة تجد لها هوى ليس فقط بين صفوف  الجماهير وإنما أيضا بين أنصار الجبهة وأعضائها. وبالفعل أخذ ينضم الكثير منهم في تلك الفترة للتجمع.

 وكان محمد بركة وأترابه في قيادة الجبهة في أزمة حقيقية. ولكن بدل أن يتخلص محمد بركة وأقرانه من الجمود العقائدي والتكلس الفكري ومن بقايا طروحات ميكونيس وسنيه وفلنر المعادية للعرب في داخل الخط الأخضر ولحقوقهم القومية وفي مقدمتها حقهم في تنظيم أنفسهم على أسس قومية كحق أي شعب وأي أقلية قومية في الكون، وبدل أن يتخلصوا من تنظيرهم المقيت ليهودية الدولة واستشراسهم في الدفاع عنها ومناصبتهم العداء لدولة المواطنين، اختار محمد بركة وأترابه الخروج من هذه الأزمة التي ألمت بقيادة الجبهة، بواسطة التحريض المنهجي والمنظم ضد التجمع وقيادته وأساسا ضد رئيسه الدكتور عزمي بشارة، بغرض وضع سور منيع بين الجبهة وأنصارها من ناحية والتجمع من ناحية أخرى، وبغية عرقلة نمو التجمع والحد من توسعه تمهيدا لإضعافة أو القضاء عليه. وفي هذا السياق شن محمد بركة وأقرانه حملة منهجية منظمة ضد الدكتور عزمي بشارة منذ تأسيس التجمع وحتى اليوم لم يسبق لها مثيل بهدف 'قتل الشخصية' له.

وقد استمرت هذه الحملة في كل الظروف والمتغيرات المختلفة. دعاية وأكاذيب وافتراءات متناقضة في مواضيع شتى وتحت كل الظروف، ولم تتوقف لحظة واحدة. لم تتوقف عندما أطلقت قوات الشرطة الإسرائيلية النار عليه واستهدفته أثناء مظاهرة في سنة 1999 ضد هدم البيوت في اللد شارك فيها الدكتور عزمي بشارة. شاهدت بأم عيني كيف صوبت الشرطة الإسرائيلية الرصاص تجاه عزمي بشارة وكيف استهدفته الشرطة الإسرائيلية واستمرت تطلق النار باتجاهه وباتجاه السيارة التي احتمى خلفها عزمي بشارة لعدة دقائق. وقد جرحته رصاصة مطاطية في كتفه وأخذناه لمستشفى صرفند للعلاج هو والعديد من المتظاهرين المصابين كان بينهم شقيقان لي. واستمر بركة وأقرانه في الجبهة في التحريض المنهجي ضد عزمي بشارة عندما هاجم اليمين الفاشي الإسرائيلي منزله في 'نتسيرت عيليت' وأضرموا النار فيه أثناء هبة أكتوبر سنة 2000. واستمر بركة في 'نضاله' التحريضي ضد الدكتور عزمي بشارة بعدما قدمت إسرائيل عزمي بشارة للمحاكمة الأولى وللمحاكمة الثانية وأيضا عندما صعدت السلطات الإسرائيلية من ملاحقتها للدكتور عزمي بشارة ولفقت له ملفا خطيرا عقوبته الإعدام.

وطيلة الوقت، لم يقم بركة أو أقرانه في قيادة الجبهة بإجراء أي نقاش سياسي مع بشارة والتجمع ولم يجروا أي نقد موضوعي وإنما لجأوا في 'نضالهم' هذا إلى 'سلاح' الأكاذيب والافتراءات الرخيصة.

كنا ندرك في بدايات تأسيس التجمع مأزق قيادة الجبهة، وقد بذلنا جهدا كبيرا للتفاهم مع قيادة الجبهة على وقف التحريض الذي تقوم به ضد التجمع وضد الدكتور عزمي بشارة بالذات، لا سيما وأننا كنا في حالة تحالف في قائمة مشتركة لانتخابات الكنيست، ولكن من دون جدوى. كنا أيضا ندرك أن المشكلة لا تكمن في عدم وجود تفاهم بين الطرفين، وكنا ندرك أيضا أن أزمة الجبهة وإمكانية تخليها عن معاداة التجمع بعد أن انتشر واصلب عوده لا تحل ببذل مزيد من الجهد للتفاهم، وإنما بحاجة لنضال سياسي فكري طويل للمساهمة في تحرير الجبهة من فرضياتها المخطئة التي ورثتها من ميكونيس وسنيه وفلنر. رغم ذلك تحدثت مع محمد بركة في هذا الأمر عدة مرات في تلك الفترة، وكنت حينها سكرتير التجمع، وشرحت له تطور الأوضاع عند الفلسطينيين داخل الخط الأخضر وشددت على وجود تعددية سياسية عند العرب داخل الخط الأخضر... فقال لي 'هاي هي المشكلة. التعددية السياسية هي المشكلة'. قلت حينها في نفسي 'الضال في ضلاله كالمهتدي في هداه' وهذا الشخص حالة ميؤوس منها. وهذا يعيدنا إلى متابعة معالجة مقابلة محمد بركة في صحيفة هآرتس.

لم يتعلم شيئا

يقول الصحافي غيدي فايتس إن محمد بركة 'وجّه سهمه الأول المشحوذ في هذه المقابلة تجاه الانعزاليين مثل عزمي بشارة وحنين زعبي'، قائلا: ' إذا كان شيء يغيظني في السياسة العربية فهو القول: نحن عرب وعلينا أن نكون لوحدنا. أعتقد أن هؤلاء الذين هكذا هم مجرمون. لا فرق بينهم وبين ليبرمان'. الحقيقة أنني عندما قرأت أقوال محمد بركة هذه حزنت عليه. فإنه لم يتعلم شيئا طيلة هذه المدة ولم ينس فرضيات ميكونيس وسنيه وفلنر المخطئة، وظل متمسكا بها.

ولكنني لم أحزن عليه فقط وإنما ازدريته أيضا لأن محمد بركة لا يتنكر فقط لأحد أهم الحقوق القومية للعرب الفلسطينيين داخل الخط الأخضر وهو حقهم في تنظيم أنفسهم بشكل مستقل وحقهم في إقامة أحزابهم ومؤسساتهم كأي شعب أو أي أقلية قومية في العالم، وإنما أيضا وأساسا لأنه يفتري على العرب ويزيف مواقفهم ومواقف أحزابهم. فالأحزاب العربية وفي مقدمتها حزب التجمع الوطني الديمقراطي لا تقول اطلاقا 'نحن عرب وعلينا أن نكون لوحدنا' وإنما تقول نحن عرب ومن حقنا وواجبنا أن ننظم أنفسنا ونقيم أحزابنا ومؤسساتنا العربية لكي نتمكن من النضال للدفاع عن حقوقنا القومية والمدنية ومن إقامة علاقات مع الأغلبية اليهودية القائمة على المساواة واحترام الحقوق القومية والمدنية للعرب الفلسطينيين في إسرائيل.

الأحزاب العربية لا تريد أن يكون العرب في إسرائيل مرتعا للأحزاب الصهيونية واحتياطا لليسار الصهيوني. وهذا ليس انعزالية أو انغلاقا قوميا كما يقول محمد بركة ومن قبله ميكونيس وسنيه وبن غوريون ومنظرو الصهيونية العنصريون.

إذا كان يحرض هكذا علناً، فكيف يحرض سرًا؟

ومما زاد من ازدرائي لمحمد بركة أنه يفتري ويزور مواقف عزمي بشارة وحنين زعبي أولا وينسب لهما مواقف بعيدة عنهما بعد السماء عن الأرض ثانيا ليتهمهما زورا وبهتانا بالانعزالية، ثم ليستخلص أنهما مجرمان لا فرق بينهما وبين ليبرمان. أيوجد انحطاط أكثر من هذا الانحطاط؟ بالطبع يوجد! فإذا كان محمد بركة يفتري ويحرض علنا على التجمع وقادته بهذا الشكل من الانحطاط في صحيفة صهيونية، فليتخيل القارىء ماذا يحرض محمد بركة سرا ضد التجمع وقيادته وضد الحركة الوطنية في فعالياته وعلاقاته المختلفة في داخل إسرائيل وخارجها.

جهل في التاريخ

للجهل أشكال كثيرة وكلها خطيرة. والجهل كالمكر يحيق أيضا بأهله. ففي سياق دفاع محمد بركة عن توفيق طوبي حمّل محمد بركة مسؤولية دعوة توفيق طوبي لبن غوريون بتجنيد العرب في الجيش الإسرائيلي، بعيد تأسيس إسرائيل، أكثر بكثير من مسؤوليته الحقيقية. فتوفيق طوبي لم يكن لا هو ولا أقرانه العرب القلائل الذين كانوا في قيادة الحزب الشيوعي الإسرائيلي حينئذ، أي تأثير إطلاقا على عملية صنع القرارات في الحزب. فقد كانوا أقلية ضئيلة ومهزومة في مؤسسات الحزب الشيوعي الإسرائيلي. كانت الأغلبية اليهودية المتصهينة هي التي تقود الحزب بشكل حازم وصارم، بزعامة شموئيل ميكونيس ومئير فلنر، ولاحقا موشيه سنيه الذي شغل منصب قائد المنظمة الصهيونية العسكرية الهاجاناه في النصف الثاني من الأربعينيات والذي التحق بالحزب الشيوعي الإسرائيلي في بداية الخمسينيات وأصبح رئيسا له.

وتوفيق طوبي لم يتخذ قرار المطالبة بتجنيد العرب في الجيش الإسرائيلي، ولكنه قبله وانصاع له وهذه هي مسؤوليته ليس أكثر. هل كان توفيق طوبي مقتنعا بهذا القرار فعلا لصغر سنه ولوعيه المحدود، أم كان لا خيار له وفق منظوره، هذا بحث آخر. وعلى أية حال، لم تكن العلاقة بين اليهود والعرب في داخل الحزب الشيوعي حينئذ تقوم على أسس الرفاقية والاحترام والمساواة. فقد كانت قيادة الحزب الشيوعي اليهودية المتصهينة تنظر إلى 'رفاقهم' العرب نظرة المنتصر للمهزوم. وهذا هو السياق التاريخي لفهم تلك المرحلة. فقد أرغمت قيادة الحزب الشيوعي اليهودي المتصهينة الأعضاء العرب على نقد تاريخهم لا سيما نقد تأسيس عصبة التحرر الوطني في أواخر عام 1943 عندما انقسم الشيوعيون في فلسطين بشأن المسألة القومية في فلسطين على أسس قومية، وأسس الشيوعيون العرب عصبة التحرر الوطني.

علاوة على ذلك، انعكست نظرة المنتصر للمهزوم والنظرة الاستعلائية الكولونيالية لقيادة الحزب الشيوعي الإسرائيلي المتصهينة إلى 'رفاقهم' العرب المحليين، الأعضاء في الحزب الشيوعي الإسرائيلي حتى في الراتب الذي كان يتقاضاه متفرغو الحزب. ففي المجمل، كان يتقاضى المتفرغ اليهودي في الحزب في الخمسينيات ما يربو على ضعفي ما يتقاضاه المتفرغ العربي في الحزب حتى وإن كانوا يسكنون في المدينة ذاتها ويمتلكون نفس الكفاءات ويقومون بالعمل نفسه.

ودعوة الحزب الشيوعي الإسرائيلي لتجنيد العرب في الجيش الإسرائيلي لم تكن فاصلة صغيرة في تاريخ الحزب الشيوعي الإسرائيلي كما ادعى محمد بركة في المقابلة. فقد جاءت هذه الدعوة ضمن سياسة الحزب الشيوعي الإسرائيلي العامة التي انحازت كلية للصهيونية ولإسرائيل ضد الشعب الفلسطيني في حرب عام 1948. فقد انخرط في سياق هذا الانحياز أكثر من 5 آلاف شيوعي يهودي في صفوف الهاجاناه ومن ثم في صفوف الجيش الإسرائيلي عند تشكيله، سواء كانوا من الشيوعيين اليهود المستوطنين في فلسطين سابقا أو أولئك الذي جلبهم الحزب الشيوعي الإسرائيلي بقيادة ميكونيس في عملية جلب 'الهجرة اليهودية المقاتلة' أثناء حرب 1948. وقد ساهم هؤلاء الشيوعيون اليهود سواء عندما كانوا في صفوف الهاجاناه أو في صفوف الجيش الإسرائيلي ليس فقط في طرد العرب الفلسطينيين من المدن والقرى الفلسطينية وإنما أيضا في ارتكاب المجازر في حقهم. وقد تبنى الحزب الشيوعي الإسرائيلي  لعقود طويلة الموقف الصهيوني الذي لم يعترف بقيام إسرائيل بطرد الفلسطينيين وإنما حمل المسؤولية الأساسية على الضحية نفسها.

لقد اتضح من المقابلة أن محمد بركة افتقد القدرة الفكرية والسياسية على التمييز بين الجانب الإيديولوجي في الصراع والرواية التاريخية من ناحية، وبين الحلول السياسية المرتبطة بطبيعتها بموازين القوى من ناحية أخرى. ولعله بسبب ذلك تعامل مع حقوق اللاجئين الفلسطينيين وفي مقدمتها حقهم في العودة ليس كحق تاريخي وإنما كحالة فولكلورية. وربما أيضا بسبب هذا الجهل يعتقد محمد بركة أن تأسيس إسرائيل على أنقاض الشعب الفلسطيني عند طردها المنهجي والمنظم والمخطط سلفا والمصحوب بمجازر كبيرة كثيرة وجرائم حرب، 'يعبر عن حق تقرير المصير للشعب اليهودي في البلاد'.

ختامًا، لعل انعقاد المؤتمر الاستثنائي للحزب الشيوعي الإسرائيلي في كانون أول (ديسمبر) المقبل يكون فرصة لأعضاء الحزب والجبهة أيضًا لمراجعة التاريخ والتحرر من فرضيات قديمة فرضها المتصهينون على الحزب، وفي مقدمتها التحرر من رفض حق العرب الفلسطينيين في تأسيس أحزابهم وتنظيم مؤسساتهم المستقلة عن الأحزاب الإسرائيلية، والتحرر من رفض فكرة تطوير لجنة المتابعة العليا لتصبح قيادة وطنية وموحدة وتمثيلية للعرب الفلسطينيين في إسرائيل.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018