الإعمار والاستعمار وغزوة غزة بالدولار../ أمير مخول

الإعمار والاستعمار وغزوة غزة بالدولار../ أمير مخول

ينشر موقع عــ48ـرب هذا المقال الذي كتب بتاريخ 16/10/2014. وقد خص الكاتب الموقع بهذا المقال ولكن تأخر وصوله بسبب كون الكاتب أسيرا في السجون الإسرائيلية

 

وانعقد مؤتمر "إعادة إعمار" غزة، واستضافت القاهرة (12.10.2014) ممثلي عشرات الدول والمنظمات الدولية. انفتحت جيوب النظام العربي الخليجي والغربي الأوروبي والأمريكي، وقد تكون كلّها جيب واحدة وبقرار واحد لإغراق غزة بالمال..غزوها بالأموال.. وكم كانت غزة تفضّل أن يقوم كلّ هؤلاء بحمايتها مسبقًّا وبفكّ الحصار وردع العدوان ومنع الدمار وأعمال الإبادة التي اقترفتها إسرائيل. فلا إعمار للأرواح التي أزهقت.

ما يثر الانتباه هو حصول "فلسطين" على تعهدات مالية أو ما يعادلها، تفوق ما طلبته وحدّدته رسميًا من احتياجات لتغطية تكاليف "إعادة إعمار غزة". وزاد التمويل الموعود بحوالي الأربعين بالمائة عن المخطط (4،5 مليار دولار مقابل 4 مليارات). وهذه حالة غير مألوفة فيما يسمّى بالمساعدات الدولية، لكنها مألوفة وتتكرر بالذات مع "دولة فلسطين" (أنظر/ي خليل نخلة: فلسطين وطن للبيع).

وباعتقادي إن وراء إغداق الأموال تقف أولا سياسة تبغي تعميق الهيمنة على القرار الفلسطيني والعربي، وثانيًا، الخضوع الدولي لإسرائيل وحمايتها دوليًا وللحيلولة دون إلزامها بدفع الثمن المالي والسياسي والقضائي لجريمتها. ولا نبالغ بالقول أنّه لو لم تكن إسرائيل هي المسؤولة عن الدمار لما تجنّد المجتمع الدولي لإعادة الإعمار. والدول الغربية مشغولة دائمًا في إيجاد المخارج لإسرائيل للإفلات من المحاسبة على جرائمها، ولثني الفلسطينيين عن إجراءات يزمعون القيام بها في هذا الصدد.

إن مشاريع إعادة الإعمار ليست جديدة في العلاقات الدولية، وأشهرها في التاريخ الحديث هو "مشروع مارشال" الذي قادته الولايات المتحدة دولة عظمى في نظام القطبين بعد الحرب العالمية الثانية لإعادة إعمار ألمانيا وأوروبا الغربية. إن جزءًا كبيرا من الدمار الهائل للمدن في الأشهر الأخيرة للحرب، قامت به قوات الولايات المتحدة ذاتها مثلما حصل مع مدينة دريزدن في مرحلة كانت فيها القوات النازية في حالة انهيار وسقوط. وهناك علامات سؤال كثيرة من المؤرخين العسكريين حول الحاجة العسكرية لتلك العمليات. وفي النتيجة، شكل مشروع مارشل أداة هيمنة اقتصادية وسياسية وعسكرية إستراتيجية، وأدخل أرباحًا هائلة للشركات الكبرى وللمجتمعات الصناعية العسكرية الأمريكية ذات الصلة.

إن إعادة الإعمار هو مشروع سياسي وتمويل سياسي وتنفيذ سياسي ولا يصحّ وصفه كمشروع إغاثة إنسانية بأيّ شكل من الأشكال. والمساعدات الدولية لم تكن يوما من باب "الكرم الحاتمي" وإنما مصالح الدول. وكم من جريمة حرب ارتكبت باسم المساعدات الإنسانية الدولية!

خطاب المؤتمر

لقد تحدّث المؤتمرون عن ضرورة العودة للمحادثات أو المفاوضات، ليس فكّ الحصار وإنهاء الاحتلال وردع إسرائيل، وإنما المحادثات "السلميّة" للحيلولة دون تكرار العدوان. وشدّدوا، وبالذات الرئاسة الفلسطينية على الضمانات والموقف الحازم لمنع وصول الأموال إلى يدي أي "طرف" باستثناء السلطة الفلسطينيّة وحكومتها. والمستهدف هو المقاومة ومنه وصول الأموال أو استغلالها لتعزيز بنية مقاومة لدولة الاحتلال ولحصارها البري والجوي والبحري القاتل.

صحيح أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس تطرّق إلى أهمية معاقبة إسرائيل وإخضاعها للمساءلة، لكنه لم يطرح المسألة كمطلب من المؤتمرين ولم يطالبهم باتخاذ إجراءات في هذا الصدد.

وأكد الوزير الأمريكي جون كيري أنه "ليس فقط الأموال ينبغي أن تنبثق عن هذا المؤتمر، وإنما أيضا التزام متجدد من قبل الجميع للعمل من أجل سلام يلائم طموحات كل الأطراف". وفي هذا رسالة مفادها بأن ما حدث في غزة هو صراع بين طرفين ندّين يتحملان ذات المسؤولية. وهذا يعني ضمنيًّا حماية موقف إسرائيل وإعفاءها من المسؤولية عن عدوانها وجريمتها دون محاسبة أو عقاب.

وهذا يتلاقى مع المسعى الأمريكي لتحميل القضية الفلسطينية حتى نتائج وإسقاطات الاحتلال الأمريكي للعراق وأفغانستان ونشوء دولة الإسلام في العراق والشام (داعش)، وبالذات هذه الأخيرة كما تنظيم القاعدة ليست انشغالهم بفلسطين ولا بالاستعمار الصهيوني فيها، ناهيك عن العلاقة بين نشوئها ومخططات الـ "سي آي إي". كما أن كيري يدفع باتجاه حل أمريكي إسرائيلي عربي إقليمي للقضية الفلسطينية تكون فيه إسرائيل طرفا حليفا وشريكا شرعيا "للأنظمة المعتدلة". وهذا يتماشى مع خطاب نتانياهو الأخير أمام الجمعية العامة لأمم المتحدة، ومفاده "السلام" الإسرائيلي العربي ثم فلسطين.

لقد لفت النظر أكثر من غيره الخطاب الإشكالي للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ودعوته الموجهة إلى إسرائيل والإسرائيليين بتبني "مبادرة السلام العربية" لإنهاء الصراع. وهي مبادرة تنتقص جوهريا من الحق الفلسطيني والعربي في فلسطين، في حين تتسارع في أنحاء العالم وتيرة مقاطعة إسرائيل والحملات لفرض العقوبات عليها كموقف ومطلب شعبي وبرلماني وشبه رسمي، بل وحتى رسمي كما حدّدت حكومة السويد والبرلمان البريطاني.. فالمقاطعة هي إستراتيجية كفاحية عالمية تضامنية ومساندة للحق الفلسطيني وللنضال التحرري ولنزع شرعية الاستعمار في فلسطين، بينما مناهضة التطبيع هي أقلً المطلوب عربيا إضافة الى مساندة الكفاح الفلسطيني والشراكة بالمسؤولية معه، بينما النظام العربي المهيمن ليس في هذا ولا في ذاك، وإنما يتهافت للتطبيع مع إسرائيل.

إن تجديد الدعوة للمبادرة العربية فيها، وللأسف، حسم مصري لصالح تطبيع إسرائيل كما تنص المبادرة حتى دون إحقاق الحق الفلسطيني واستحقاقات التحرير والعودة. انه حسم رسمي مصري لصالح الهيمنة الأمريكية في المنطقة واتفاقيات كامب ديفيد التي أشاد بها الرئيس في مستهل خطابه أمام المؤتمر ودون أي استئناف على ذلك. وللأسف فان ما وفرته الثورة المصرية من إمكانيات وفرص للتحرر من "كامب ديفيد" وإسقاطاتها الوطنية والقومية قد جرى التخلي عنه. ولا نسمع اليوم أي صوت عربي شعبي جماعي يدعو إلى مناهضة التطبيع ولمناهضة "مبادرة السلام العربية" ولإسقاطها ناهيك عن اتفاقيات "كامب ديفيد" و"اتفاقيات أوسلو" واتفاقيات "العرباه" الأردنية الإسرائيلية.

لقد تخلّى المؤتمرون عن المطلب الأهم والأكثر ضمانة لردع العدوان الإسرائيلي، والمقصود أنهم اعتبروا "العملية السياسية" والمحادثات الإسرائيلية الفلسطينية هي الطريق، في حين أن تاريخ الكفاح والمعاناة يؤكد أن الطريق الوحيد الذي من الممكن أن تحترمه إسرائيل وتنصاع إليه هو المقاومة (........).. فهذا الكيان لا يتورع عن شيء، لكنه لن يستطيع كل شيء. وما يردعه هو القوة والعقاب والثمن الذي يدفعه وليس الإقناع ولا المحادثات. وفي هذا السياق فإن أقل المتوقع كان السعي الفعلي والجاد والحازم لتفعيل الآليات الدولية وبالذات محكمة الجنايات وإلزام مجلس الأمن بفرض العقوبات، وإلزام إسرائيل بكامل الثمن السياسي والمالي والجنائي تجاه الدمار الذي أحدثته.

إن الحصار هو عدوان متواصل، والإعمار في ظله منقوص وليس حلاً. فلم يكن التحرير هو غاية المؤتمر وإنما الاعمار مقابل المحادثات وإدخال لاعبين دوليين جدد- أجانب وعرب- لعملية الاحتواء.

إن من تواطأ مع العدوان سواء لتصفية حسابات فلسطينية فلسطينيّة أم فلسطينية عربية أم عربية عربية والذين تقاعسوا عن وقفه، وكان بمستطاعهم ذلك، لن يعيدوا إعمار غزة، ولن يحرروها فهم لا يسعون لتحرير فلسطين. كما أن مجمل المفاوضات والمحادثات والتنسيق الأمني في السنوات الماضية تجري في ظل حصار فلسطيني في غزة، وتخللتها ثلاث حروب عدوانية إسرائيلية متتالية خلال خمسة أعوام وكلها تدميريّة.

إن التركيز على تجديد المحادثات يعني أن الفلسطينيين- الضحية- يتحملون هم أيضا المسؤولية كي يضمن العالم عدم تكرار غزوة جديدة لغزة.

إعادة الإعمار ودولة الحصار

إن ما يعنيه مشروع إعادة الاعمار بالنسبة إلى إسرائيل هو أن العدوان والحصار رخيصي التكلفة. بل إن مجمعات صناعة الأسلحة وتكنولوجيا العدوان الإسرائيلي قد انتعشت، فقد قامت بتجريب كل أسلحتها ومجمل الأسلحة الأمريكية.. وفي المقابل فإن إسرائيل تدمر وترتكب الجرائم وأعمال الإبادة بينما النظام الخليجي والغربي يدفعان ثمن إعادة الإعمار أو يستثمرون بالأحرى في مشروع إعادة الإعمار.

ولو نظرنا إلى "إسهام" الولايات المتحدة بما يعادل (212) مليون دولار، فان ما أحدثته أسلحتها الفتاكة وبالذات صواريخها العملاقة ذات القوة التدميرية الهائلة والتي استخدمتها إسرائيل بزنة 1-3 طن من الذخيرة للصاروخ، قد أحدثت دمارًا وقتلا يفوق حجمه أضعاف إسهامها المذكور.. وما تكتسبه من استثمارها هذا يفوق بكثير ما تدفعه. ثم أن الولايات المتحدة وفّرت الحماية لإسرائيل وتتباهى بهذا الدعم وبفتح مخازن الأسلحة الإستراتيجية الاحتياطية الأمريكية في إسرائيل أمام قوات الأخيرة كي لا يحدث أي نقص في آلة الحرب والقتل الإسرائيلية، في حين تحضر هذه الدولة العظمى الأولى في العالم إلى المؤتمر لتعزيز هيمنتها وهيمنة حليفتها الثابتة إسرائيل وتعزيز حضورها الإقليمي.

إن إحدى غايات المؤتمر كما تشير نتائجه ومخرجاته، هي السعي لضرب روح المقاومة والالتفاف عليها وتجاوزها. وكذلك إغداق الأموال والسير في مسار الحلّ الأمريكي الإسرائيلي والتوافق بينهما. كما أن "مبادرة السلام العربية" ليست خارج إطار الحلّ الأمريكي بل تتماشى معه وتخدمه وتخدم دمج إسرائيل في المنطقة العربي كطرف طبيعي وكيان عادي. إنها أقرب إلى إنهاء الصراع من طرف واحد.. الطرف الضعيف والمهزوم ليتحدث باسم الشعب الضحية. وهذه أيضا الإستراتيجية الإسرائيلية المتبلورة والموهمة بأن الصراع في المنطقة ليس شأن إسرائيل، بل وكأن إسرائيل هي شريك وحليف للأنظمة "المعتدلة" (السعودية مثلا).. في مواجهة "المتطرفين"!

ولشعبنا الفلسطيني تجربة حديثة في "إعادة الاعمار"، والنموذج هو جنين ومخيم جنين بعد الاجتياح الإسرائيلي العدواني عام 2002، وان كان نموذجا مصغرا ومن دون مؤتمر دولي، لكن تدميره جرى لأنه قاوم الاحتلال، وإعادة الاعمار في حينه استهدفت المقاومة وبنيتها الاجتماعية والمكانية، والسعي كذلك إلى خلق حالة تغريب للفلسطيني تجاه المكان. طبعا لم يطرح لللاجئين في المخيم العودة الى مدنهم وقراهم المهجرة في فلسطين 48، بل حتى لم يسمح لهم بالعودة إلى حالة "الثبات" النسبي المؤقت في المخيم حتى التحرير، بل دفعتهم إلى الاغتراب عن المكان ولا مقاومة في الاغتراب، وهذا ما يخططه "العمارون" لغزة.

إنهم والى حد معيّن ينجزون بآلية التمويل ما عجز العدوان الإسرائيلي عن إنجازه بآلة الدمار والعدوان. كما أن تنفيذ "الإعمار" ضمن الشروط والمعايير التي تفرضها إسرائيل، إنما يدفع بهذا الاتجاه.

وحضرت إسرائيل

لم تكن إسرائيل غائبة عن المؤتمر حتى وان لم تحضر أو لم تتم دعوتها. وهناك حالة ثابتة ومفادها أنه في المؤتمرات الدولية ذات الصلة، حيث تغيب إسرائيل، تقوم الدول الأوروبية والولايات المتحدة وكندا بتمثيل مصالح سياستها أكثر مما لو كانت حاضرة. لكنّ التجديد هو أن أنظمة عربية انضمت لهذا النهج جهارا.

إن الادعاء بأن إسرائيل ليست شريكة في المشروع هو موقف للتمويه وللتستير على التواطؤ. إسرائيل هي شريك كامل في "إعادة الاعمار".. إعادة إعمار ما دمّرته وأبادته، لكن دون أن تدفع أي ثمن.. بل إنها تحصد الشرعية العربية والدولية المهيمنة، وتكون عمليا شريكا أساسيا في الحرب على المقاومة في غزة وكل فلسطين والوطن العربي. وهذا يحررها من تبعات المسؤولية عما اقترفته أياديها.

لقد علمتنا تجربة شعبنا الفلسطيني أن "إعادة اعمار" خارج المعركة لفك الحصار ولإنهاء الاحتلال والتحرر الوطني، هي نهاية المطاف تدعيم للاحتلال في فلسطين.

وما يحزٌّ بالنفس هو غياب الصوت العربي الشعبي القومي والتقدمي واليساري والإسلامي المناهض للتطبيع والمساند لمعركة التحرير.

إن المطلوب بشكل أساسي هو إعادة اعمار الموقف الفلسطيني والعربي التحرري والمناهض للصهيونية ومشروعها الاستعماري في فلسطين، في كل فلسطين. والتحرر من الوهم بأن الإعمار سيغطي آثار الجريمة.. إننا بصد اعمار.. بل استعمار.. والموقف من الاستعمار لا مهادنة فيه لمن لا يريد أن يهادن.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018