ليست أم المعارك.. ولكنها رافعة للتحدّي / عوض عبد الفتاح

ليست أم المعارك.. ولكنها رافعة للتحدّي / عوض عبد الفتاح

أمين عام حزب التجمع الوطني الديمقراطي

ليست انتخابات الكنيست الإسرائيلية أم المعارك وليست هي من المسلمات غير الخاضعة للنقاش ولإعادة النظر في ظل المتغيرات المتسارعة الجارية في بنية نظام الأبارتهايد الإسرائيلي والمجتمع الاستيطاني الصهيوني. ولكنها كانت للكثيرين، ولا تزال، في نظر جزء ليس قليلاً منا، إحدى الروافع الهامة لنشاطنا السياسي وإحدى الساحات الهامة للمجابهة الأيدلوجية والسياسية والثقافية مع الدولة العبرية ونظامها الكولونيالي العنصري.

لقداضطرت الأحزاب القديمة والقوائم العربية الجديدة إلى التنافس مع التجمع، ومحاكاته في تحويل ساحة الكنيست إلى ساحة مجابهة مع المؤسسة الإسرائيلية، فطوّرت هذه الأحزاب أداءها. وهذا التنافس فضلاً عن النتائج الإيجابية، إلا أنه أيضًا وفي نفس الوقت، أفرز مظاهر بائسة ومشوهة لدى البعض. فمن لا يملك البوصلة الفكرية والسياسية يتحوّل إلى ممثل أو محترف سياسي ليس إلا. ولذلك نرى البعض يتمسك بالكرسي لسنوات طويلة ويعقد الصفقات مع أقطاب المؤسسة من وراء الكواليس.

 كما أن البعض يحول احترافه إلى طريقة حياة بدل أن يستثمر وجوده في الكنيست لبناء حزب سياسي عصري، ويُهيّء قيادات شابة وبديلة، ويواصل الادعاء والتصرف على أنه الوحيد الذي يستطيع أن يُمثل حزبه. وقد لا يكون مضرًا أن يستمر أعضاء في الكنيست، لفترة طويلة نسبيًا إذا ما توفر شرطان؛ الأول هو القدرة على التجدّد والعطاء، والثاني هو استثمار هذا الوجود في تعزيز وتوسيع وتطوير الحزب السياسي الذي يمثله بحيث يشمل حركات شبابية واسعة وفروع، ونشاطات ميدانية -شعبية ونشاط ثقافي في الفروع ينتج قيادات سياسية للمستقبل.

هذا يمثل جزءًا من عملية تنظيم المجتمع العربي الفلسطيني وتأهيل قيادات سياسية مستقبلية مُجرّبة، وبمثابة مقدمة أو مقدمات تُسهم في الوصول يومًا الى مجتمع منظم تنظيمًا عصريًا تقوده مؤسسة، أو مرجعية عربية فلسطينية قطرية. وبعض الأحزاب، أو الحركات الممثلة في الكنيست التي تعجز أو تغفل عن بناء القاعدة الفكرية والبشرية للحزب أو الحركة قد تختفي دون أن تترك أثرًا.

الجدل حول القائمة الواحدة

إن الأمر الجديد بالنسبة لما يواجهه عرب الداخل في هذه الانتخابات هو أنهم للمرة الأولى يجدون أنفسهم، خاصة ممن لا يزالون يعتقدون بجدوى اللعبة البرلمانية، أمام خيار اضطراري لتوحيد القوائم العربية، في قائمة واحدة، وهو مطلب شعبي منذ فترة طويلة. وذلك بسبب رفع نسبة الحسم، بحيث يصعب على الأحزاب إقناع الجمهور العربي بالنزول إلى صناديق الاقتراع إذا بقوا منفردين، خاصة وأن نسبة الإقبال على التصويت في أوساط المواطنين العرب آخذة في التراجع الحاد منذ هبة القدس والأقصى، بسبب انعدام الثقة بالنظام الإسرائيلي وبسبب غياب الوحدة بين الأحزاب.

إن الحاجة الى خوض الانتخابات بقائمة واحدة أو تحالفات واسعة كان ضروريًا منذ فترة طويلة، وقد أصبح الآن أكثر إلحاحًا بنظر غالبية الأحزاب والحركات السياسية، وكذلك غالبية المواطنين العرب.

كنت قد كتبت قبل اشهر من انتخابات الكنيست السابقة (لعام 2012)، أنه ربما لم يبق أمام العرب من خيارات قوية بخصوص ¬¬¬¬انتخابات ¬الكنيست، في ظل الانزياح الحاد نحو اليمين واليمين المتطرف وفي ظل التراجع المستمر في نسبة التصويت في أوساط العرب، الا المقاطعة الشاملة أو خوض الانتخابات في قائمة واحدة. وفي لقاء بين الأحزاب العربية عشية الانتخابات السابقة للتداول بشأن القائمة المشتركة، قُلت لسكرتير الجبهة-الحزب الشيوعي، الذي عبّر في حينه عن رفض حزبه القاطع لقائمة واحدة مع أن التجمع والحركة الإسلامية يؤيدان أن يكون يهوديًا ديمقراطيًا في القائمة؛ "أليس أفضل أن نتوحّد الآن بمحض إرادتنا، بدل أن تجبرنا إسرائيل على ذلك". وأضفت؛ "ألا تتوقع أنكم قد تضطرون لبلع كل المسوغات وراء رفضكم، عندما ترفع نسبة الحسم وحين تواجهون ضغطًا شعبيًا لقبول الوحدة".

ومؤخرًا أجرى التجمع، بقرار من المكتب السياسي، قبل أشهر، لقاءات مع الأحزاب السياسية، ومنها الجبهة، بخصوص فكرة القائمة الانتخابية الواحدة وبخصوص وضع لجنة المتابعة وكيفية الخروج من الفراغ القيادي. تبيّن أن الجبهة لا تزال غير موافقة على القائمة الواحدة. لماذا؟! وهذا لا يقولونه في العلن؛ إنه يمسّ بالعمل العربي-اليهودي المشترك. وقد فوجئوا عشية الانتخابات السابقة بعريضة وقعها أكثر من 120 يهودي مناهض للاحتلال والعنصرية يدعون القوائم العربية لخوض الانتخابات بقائمة واحدة. وما لا يقولونه بالعلن، إنهم ليسوا مستعدين أن يكونوا في قائمة مشتركة مع الحركة الإسلامية (الجنوبية) المعروفة باعتدالها الاجتماعي. بعضهم معنيّ، أن يحصل فرز مفتعل في الساحة تحت شعار العلمانية، في حين أنهم بذلك يكرسون ويعمقون الانقسام على أساس الهوية الطائفية والمذهبية في مجتمعنا الفلسطيني الذي لا يعيش في دولته، بل يعيش في ظل دولة كولونيالية عنصرية تضطهده قوميًا. ويتحدثون في الجلسات الخاصة أيضًا بلهجة طائفية وكأنهم حماة لطائفة معيّنة ولجزء من العلمانيين!! وهذا ينمّ عن جهل مُدقع بالعلمانية ومعانيها، مع أن القائمة الموحدة هي آلية لحماية و طنية شاملة لكافة أبناء شعبنا وطوائفه.

ما الفائدة من قائمة واحدة؟

الجبهة تقول دائمًا في شعاراتها وأدبياتها يجب مواجهة اليمين. حسنًا. إذا ألا تساهم قائمة مشتركة وفيها يهود ديمقراطيون مناهضون للاحتلال والعنصرية أيضًا، في التقليل من نسبة التمثيل اليميني في الكنيست؟! ألا يُقلل زيادة التمثيل العربي في الكنيست نسبة تمثيل الكتلة اليمينية في الكنيست؟!.

ليس هذا مهمًا بالنسبة لي، لأن هناك أيضًا في الكنيست، وفي الحكم من هو أخطر من اليمين، بل من يقوم بتنفيذ مخططات اليمين بصورة رسمية.

ولكن الأهم في القائمة المشتركة ليس زيادة المقاعد وإرضاء الرغبات الشخصية لبعض من يتنافس على مقاعد الكنيست، بل خلق مناخ وحدوي تعاوني، الذي من شأنه ان يضع مدماكًا قويًا لعمل وحدوي ميداني على مستوى العمل من أجل تنظيم المجتمع العربي، ومن أجل خوض نضال شعبي منهجي وفاعل ضد مجمل نظام الأبارتهايد الإسرائيلي. لنتخيل صورة كوادر الأحزاب المختلفة؛ التجمع، الجبهة، الحركة الإسلامية والحزب العربي الديمقراطي، وكل القوى التي تخوض الانتخابات للكنيست، وهي تعمل بصورة مشتركة على مدار ثلاثة أشهر، تحضيرًا للانتخابات، وحين تكون هذه الحملة الانتخابية ذات مضامين سياسية-وطنية ضد النظام العنصري بدل أن يكون جزءٌ كبيرٌ منها موجهًا ضد بعضنا البعض.

وهذا التحضير للانتخابات يشمل تواصل يومي مع الناس، من خلال الاجتماعات والندوات ومن خلال النشرات السياسية-الانتخابية. إنها حملة تثقيف شاملة وواسعة، ستترك أثرًا عميقًا لن يزول ساعة الانتهاء من الانتخابات. وتدعيمًا لذلك، سمعت مؤخرًا من قيادات الحركة الإسلامية الشمالية التي لا تخوض الانتخابات ومن قيادات في حركة أبناء البلد التي ايضًا تقاطعها، أنهم يفضلون قائمة عربية واحدة. وهذا يدلّ على الشعور العام العميق بالحاجة إلى الوحدة داخل هذه الأطر السياسية أيضًا.

إن غالبية القوى والناس يدركون ما يمكن أن ينتج من جنون عن حالة الشعور بفقدان الأمن لدى المؤسسة الإسرائيلية والمجتمع الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني بما فيه هذا الجزء من شعبنا الفلسطيني داخل الخط الأخضر. هذا كله يحتاج منا إلى أوسع وحدة وطنية وإلى جهوزية تنظيمية ومعنوية وسياسية عالية، ويحتاج إلى دراية كبيرة لكيفية إدارة الصراع مع المؤسسة الإسرائيلية، وإلى شجاعة ممهورة بالحكمة والاتزان.

أم المعارك الحقيقية

أم المعارك الحقيقية بالنسبة لمجتمعنا الفلسطيني داخل إسرائيل، هي معركة تنظيم هذا المجتمع، وبناء مؤسساته الوطنية العليا الموحدة، ومؤسساته الفرعية. ويجب ألا يغيب عن أحد منا أن هذا جزء من معركة الشعب الفلسطيني كله. أن بقاءنا هنا في وطننا وممارسة دورنا السياسي الوطني يصب في مصلحة كل شعبنا. هذه المعركة، معركة تنظيم وتحصين المجتمع الفلسطيني، هي الآلية وهي الهدف في الآن ذاته. فقط عبر تنظيمه، نُمكّن ونُقوّي المجتمع، ونوطّد هويته الجامعة، ونضعه على عتبة التحوّل الديمقراطي - نحو العدالة والمساواة الكاملة بين أفراده العرب بما فيه المرأة، ومع الأفراد في المجتمع اليهودي الإسرائيلي.

ولذلك لن تسمح القوى المعنية والمنخرطة في جهود صادقة لمأسسة لجنة المتابعة، بالتذرع بانتخابات الكنيست لتعطيل الجهود التي تبذلها لهذا الغرض كما حدث عشية الدورة السابقة لانتخابات الكنيست عام 2012. في حينها، تم تعليق الجهود لتطبيق الهيكلية الجديدة (والدستور الجديد)، من خلال مؤتمر عام لإقرار ذلك وذلك بحجة حاجة الأحزاب للتفرغ لانتخابات الكنيست. وحتى الآن لم يعقد هذا المؤتمر الذي أجلّ عدة مرات ولم يسأل أحد عن مصيره. وأعربت في حينه القوى التي لا تخوض الكنيست، عن تذمرها وعدم رضاها، وتساءلت، وبحق، عن مبررات مقنعة لهذا التعطيل.. مستحضرة ادعاءاتها بأن الوجود في الكنيست يُعطل الانخراط الفعلي في البناء. مع أني أعتقد أن الانشغال بانتخابات الكنيست أو العمل البرلماني ليس بالضرورة أن يؤدي الى ذلك. بل من المفترض أن يُدعم الانشغال في الانتخابات، وخاصة عبر قائمة واحدة، تنظيم المجتمع العربي. ليس سبب إهمال تنظيم المجتمع وتطويره آليات مقاومته للظلم وللعطب الداخلي النقص في الوقت، بل لأن بعض هذه الأحزاب ليست معنية مبدئيًا بهذا المشروع، بغض النظر عمن يرئس المتابعة. لقد ترأس لجنة المتابعة شخصية من الجبهة، السيد شوقي خطيب، ونال دعمنا جميعًا، لمدة تسع سنوات، بين عام 2001 الى 2009، ولم يتقدم خطوة واحدة نحو إعادة البناء، مع أن في عهده صدرت وثائق التصوّر المستقبلي الهامة والتي لم يجرِ تنفيذ اي منها. كما أن الشخصية التوافقية التي عُينت لرئاسة اللجنة، السيد محمد زيدان، تم عرقلة عمله بشكل مقصود. وعندما بدأنا نُفعّل اللجنة المالية والتنمية الاقتصادية (وأنا مركزها) ومن خلال إقامة جمعية أصدقاء المتابعة التي عيّن ابو فيصل ناشطًا جبهويًا لرئاستها، هو الزميل منصور داهمشة، ايضًا تم عرقلة عمله. وقال لي ابو فيصل حين نفذ صبره لهذا التعطيل، أن دهامشة أبلغه أن قيادة الجبهة طلبت منه إبطاء العمل في الجمعية. وللصدق، إن الأخ منصور، في وقت لاحق، بذل جهدًا صادقًا للنهوض بعمل الجمعية وكان متحمسًا معنا لعقد المؤتمر الأول ولكنه كان مكبلاً. والدليل على ذلك أن الجبهة، هي التيار الوحيد الذي لم تدفع بعد مستحقاتها المالية، كما ينص عليه النظام الداخلي الجديد للجنة.

كما أنه في خضم التحضير للمؤتمر العام للجنة المتابعة لعام 2012، قال سكرتير الجبهة في الاجتماع التحضيري، أنه لا يرى أن هناك حاجة لكل هذا العمل من أجل النهوض بالمتابعة، وبل قال لي شخصيًا أنني أنا، كعضو في لجنة المتابعة وكمركز للجنة الحالية والتنمية الاقتصادية، أضيع وقتي بدون جدوى. ولكني أجبته بنصيحة؛ أنصحك كزميل أن تلحق بالقطار الذي لن يتوقف، قطار إعادة بناء المتابعة، لأنكم بذلك تعزلون أنفسكم عن بقية مركبات العمل السياسي العربي. الجبهة لا تريد للمتابعة أن تكون أكثر من لجنة تنسيق. ليس هذا تجنيًا على الجبهة بل هذا موقف مؤكد وتدعمه الأقوال والممارسات، وهم لا ينكرونه.

فهذا التيار، وكما أكد عليه رئيس الجبهة في المقابلة البائسة والمتهافتة والمسيئة له قبل غيره في صحيفة هآرتس، لم يتمكن من الخروج من المفاهيم التقليدية القديمة المناهضة لاي شكل من أشكال التنظيم القومي الشامل. فقط عبر تجميع خيوط القوة نتمكن كأقلية قومية من ممارسة الضغط الحقيقي على الحكم المركزي للتخلي عن عنصريته والتعامل بمساواة مع العرب، ليس كأفراد ذوي حقوق مدنية كالتصويت، وبناء الأحزاب والجمعيات فحسب، بل كجماعة قومية أصلانية يحق لها أن تسيطر على مواردها وأرضها والتحكم بمسار تطورها الاجتماعي والمادي والثقافي والعلمي. كما يحق لها أن تمارس وتساند نضال الشعب الفلسطيني من أجل الحرية والاستقلال والعودة.

هذه هي المعركة الحقيقية لفلسطينيي الداخل، وليست انتخابات الكنيست إلا رافعة من روافع العمل السياسي ورافعة من روافع التحدي.