ومَن لَم يَمت بِرصاص الشُرطة مات بِغيره../ دعاء حوش طاطور

ومَن لَم يَمت بِرصاص الشُرطة مات بِغيره../ دعاء حوش طاطور

ما شَهدناه لم يكن موتًا طبيعيًا في وضع طبيعيّ ومُجتمع طبيعيّ عندما يكون تَعريف الطبيعيّ هنا هو حياة تحتوي على الحد الأدني من معايير الاستقرار والأمان.

لكن أين نجد 'الطبيعيّ' في بيئة طوّرت لدينا كلّ ما يُثير الشكوك وقلّة الثِقة واهتزاز المَفهوم ضمنًا داخلنا مُقارنة بالعالم الآخر، عالم بعيد، لا يَخضع لمؤسّسة فاشيّة كالحكومة الاسرائيليّة!  

الحياة أيضًا تُصبح غير مفهومة ضمنًا عندما نحَياها على طُرقات معدّة للموت أساسًا، ولا اخضرار الأرض يكون مشهدًا طبيعيًا عندما تَفلحها آلات معدّة لتجرفها وتقتلنا في آن، ولا الطريق إلى البيت يأخذ وقَته الطبيعيّ في مَساحة معدّة للّاوصول من صَلاة لم نصلّها أصلًا بخشوع وسَكينة! 

إنّ الحياة الطبيعيّة هنا تفتقر للمعنيَين فيها عندما تَحكمك مؤسّسة تتربّص بك وتُهيّئ لك مواعيد مع الموت والمَهانة والفقر بشتّى أشكالهم كأنها تتوعدك بعد كل موت برصاص الشُرطة بموتٍ على طريقةٍ أخرى.

إنّ مَقتل 8 مصلِيات في طريق العودة من القدس ليس موتًا طبيعيًا يُسَجَّل ضد مجهول، وليس موت شبّان بسلاح العنف موتًا طبيعيًا نبحث فيه عن الجاني بمفاهيم الجريمة والعقاب الطبيعيّين، بل إن المشهد هنا أكثر تركيبًا حيث يظهر القاتل أمامنا في وَضح النهار وعلى شاشات التلفاز وفي الدوائر والمؤسسات الحكوميّة، مرّةً حين يوجّه لنا رصاصة إلى صدورنا ومرّةً حين يتواطأ مع كلّ أسباب الموت.

إن أسوأ ما في العلاقة بين مواطن عربيّ هنا وبين حكومة لا تعترف به ولا يعترف بها هو أن الأخيرة متنفّذة حدّ اليأس، والأول مجرّد من كل شيء، ومجددًا، قد يكون نفوذ الحكومة في وضع 'طبيعيّ' مقبولًا ولا يعدّ مشكلة في بِناء الدُول (والطبيعيّ هنا هو دولة لا تُراكم -على أقل تقدير- عِداء يوميا مع المواطن) لكنّ تَجريد الإنسان من وَسائله يعدّ مشكلة على جميع الأصعدة وفي جميع الأوضاع، فكيف إذا كان وضع 'غير طبيعيّ' يُجردّه حتى من آخر ورقة لعب- حَياته!

أليس علينا-عندما تختلّ موازين القوى إلى هذا الحدّ- أن نُعيد صياغة كلّ المفاهيم ؟
لأنه على ما يبدو فإن الإنسان هنا لا يُحارب ليَحيا، هو بالكاد ينفذ من الموت.