الفائدة الإستراتيجية للقائمة المشتركة../ عوض عبد الفتاح

الفائدة الإستراتيجية للقائمة المشتركة../ عوض عبد الفتاح

 إن الفائدة الاستراتيجية للقائمة الانتخابية (القائمة المشتركة) تفوق تحصيل 15 مقعداً في الكنيست الإسرائيلي. وهذا الأمر يجب أن يبقى راسخاً في الأذهان وحاضراً بصورة دائمة في مسيرة العمل خلال الحملة الانتخابية وما بعد الانتخابات. كما يجب التأكيد على أن رفع نسبة الحسم ليست المحرك الوحيد والرئيسي للاتفاق حول الوحدة الانتخابية.

 يتساءل الناس، هل تبقى هذه الوحدة بعد الانتخابات؟ كما يتساءل آخرون، ماذا سيتغيّر بعد حصول القائمة على عدد كبير نسبياً من المقاعد؟ أو بعد هذه الوحدة الانتخابية هل ستبقى هذه الوحدة وتتعزز، وتتطور إلى ما هو أبعد، أم تعود الأمور إلى حالتها السابقة؟ هي أسئلة مشروعة، ولا يجوز إدارة الظهر لها أو التقليل من أهميتها. فالفلسطينيون في داخل منطقة 48 هم جزء فاعل وحي ومتجدد من الشعب الفلسطيني، وقضيتهم جزء من قضية فلسطين. وقد كان يمكن أن تكون المقاطعة لانتخابات الكنيست، خياراً وارداً جداً، لولا الوصول إلى اتفاق على خوض الانتخابات في قائمة عربية واحدة.

 إن غالبية المصوتين، والمطلعين على الصيرورة التاريخية للتجربة السياسية لفلسطينيي 48، يعرفون أن أي محطة تاريخية في حياة شعب خاضع لحكم استعماري، يجب أن يجري استثمارها عبر الانتقال إلى مرحلة أرقى وترسيخها. وفي حالتنا، كان وما زال يتمثل في إقامة المؤسسات القومية، والدفع باتجاه الاعتماد على الذات. والحكم الذاتي الثقافي الذي نطرحه هو أدنى أشكال حق تقرير المصير لأقلية أصلانية سُلخت عن شعبها وأمتها، وتعيش تحت حكم دولة غازية، تحظى بشرعية دولية. وهو الخيار الوحيد (الانتقالي) الكفيل بحماية الهوية والوجود وضمان التطور الطبيعي في ظل غياب انتصار فلسطيني وعربي على الصهيونية، وهو أيضاً خيار بنائي يمهد ويعزز دورنا في خيار التحرير والتحرر النهائي من المشروع الكولونيالي الصهيوني.

 هذه هي الفائدة الإستراتيجية التي يجب أن تتولد من هذه التجربة الانتخابية المشتركة وغير المسبوقة أي إقامة المؤسسات الوطنية المنتخبة وتقويتها لتكون قادرة على حماية الناس على المستوى اليومي، وقيادتها نحو هدفها التحرري النهائي. وقد جرى إضاعة فرصة استثمار المحاطات التاريخية السابقة والطرية منها، التي مرّ بها شعبنا حتى الآن.

المحطات التاريخية

 كانت هناك عدة محطات وطنية تاريخية شكلت أحداثاً مؤسسة لمرحلة الوعي الوطني والتجربة السياسية التي نعيشها حالياً كفلسطينيين داخل إسرائيل.

 الأولى هي محطة يوم الأرض الخالد الذي جسّد وحدة وطنية حقيقة شاملة، مُهرت بدماء الشهداء والجرحى، كان محورها الأرض والوطن.

 والمحطة الثانية، كانت هبة القدس والأقصى (أكتوبر 2000)، التي أيضاً مُهرت بدماء الشهداء والجرحى، وكان محورها القضية الوطنية الفلسطينية وليس القضايا المحلية. وكانت أهمية هذه الهبة الشعبية أنها ارتقت بالفلسطينيين في "إسرائيل" من أقلية تتضامن من بعيد مع أبناء شعبها إلى جزء فاعل في الكفاح الفلسطيني التحرري. كما فرضت نفسها على ساحة الصراع، ولم يعد بإمكان اللاعبين الدوليين تجاهل وضعها.

 والمحطة الثالثة هي، محطة النضال ضد مخطط برافر الاقتلاعي الذي استهدف أهلنا في النقب الفلسطيني وأراضيهم-2013. وهي محطة أقل شمولية من سابقاتها، ولكنها شكلت محطة هامة قدمت نجاحاً جزئياً تمثل في تجميد قانون برافر. وجاء هذا النجاح الجزئي رغم ظروف التراجع والانحسار والتشرذم في الساحة الفلسطينية عموماً في العالم العربي. وقد أعادت هذه المحطة تأكيد أهمية نموذج المقاومة الشعبية ضد نظام عنصري واستعماري. وهو نموذج يجب تطويره والارتقاء به بأسرع ما يمكن.

 وفي الفترات التي فصلت بين هذه المحطات التاريخية التي مرّ فيها فلسطينيو أل 48، نشأت حركات سياسية جديدة، وتبلورت نخب سياسية ومثقفة ذات تأثير في الحياة السياسية واليومية، ناهيك عن العديد من المؤسسات التي أنشئت. كل ذلك وضع فلسطيني أل 48 في معادلة القوة ضد الصهيونية، وفتح لهم الباب ليكونوا أكثر تأثيراً في المستقبل، في المحطات الثورية القادمة للشعب الفلسطيني . ولكن القصور المتكرر الذي عانينا منه هو عجز النخب السياسية عن ترجمة هذه المحطات التاريخية وما تلاها من وعي وطني –جماعي ناهض، إلى مرجعية وطنية جامعة تمثل عنوان الإدارة الذاتية لفلسطيني الداخل، التي ستضع الأقلية الفلسطينية في موقع الندية في مواجهة الأغلبية الصهيونية المستعمرة، في عملية الكفاح من أجل تحقيق المساواة القومية والمدنية الكاملة والسير باتجاه إسقاط نظام الأبارتهايد الذي يبسط سيطرته على فلسطين.

 إن العقل الوطني المتيقظ يخشى من أن يجري تضييع الفرصة مرة أخرى وعدم الاستفادة من محطة تاريخية هامة جديدة هي تجربة توحيد القوائم الرئيسية في قائمة انتخابية واحدة لعام 2015.

 والمقصود في الاستثمار، تحويل هذه الوحدة الانتخابية إلى وحدة تنظيمية وميدانية وسياسية لهذا الجزء من شعبنا وتشييد مرجعيته الوطنية الجامعة المنشودة.

 إن الاستجداء والتوسل، والسعي بأي ثمن لإرضاء المستعمر، ليس برنامج عمل. كما أن الانشغال في البحث عن الفروق الهامشية بين اليمين الصهيوني والمعسكر الصهيوني عوضاً عن البحث عن القوى الإسرائيلية المناهضة لنظام الأبارتهايد والصهيونية، معناه توجيه ضربة لهذه التجربة الوطنية التاريخية. كما يشكل تقويضاً لمعنى الوطنية الأصيلة التي لا مستقبل لجماهيرنا الفلسطينية بدونها. الوطنية والوحدة القومية، خاصة عند فلسطينيي أل 48،  ليسا عبئاً، والقضية الفلسطينية ليست هماً وليست قضية خارجية. نحن نكابد التمييز وسلب الأرض وحصارنا واحتجاز تطورنا الطبيعي لأننا جزء من القضية الفلسطينية.

 إن الوجود الوطني الفلسطيني داخل الخط الأخضر والوحدة القومية، وبناء المرجعية الوطنية، هم كنز إستراتيجي ليس فقط لفلسطينيي أل 48، بل لعموم شعبنا وهو شرط للانتصار.