أيمن عودة والإجماع الوطني.../ رازي نابلسي

أيمن عودة والإجماع الوطني.../ رازي نابلسي

بعد أن خاض رئيس القائمة المشتركة وسكرتير الجبهة، أيمن عودة، المعركة الانتخابية بخطاب العربي المعتدل الذي يخاطب الإسرائيلي أكثر ممّا يخاطب الناخب العربي الذي منحه ثقة كبيرة، وزج بباقي مركّبات القائمة المشتركة لمرّات عدّة في خانة المتطرّفين خلال أحاديثه للإعلام الإسرائيلي، سجّل أمس وخلال الجلسة الافتتاحية  للكنيست موقفاً جديداً أكّد من خلاله أن خطابه لم يكن انتخابياً فقط، بل هو نهج سياسي جديد قد يتّبعه تيّار سياسي داخل الجبهة، يفصلها من خلاله عن الإجماع الوطني العربي عامة، وعن القائمة المشتركة وموقفها خاصة.

بقي عودة ودوف حنين وعايدة توما وعبدالله أبو معروف، أي أغلبية النواب من الجبهة في الكنيست، بالإضافة إلى المرشّح الثاني في الحركة العربية للتغيير، أسامة السعدي، داخل الهيئة العامّة للكنيست، ووقفوا على نشيد 'هتكفا'، النشيد الوطني الإسرائيلي، على الرغم من أن مركّبات القائمة المشتركة رفضت البقاء أثناء النشيد، وهذا ليس قراراً جديداً فالأحزاب العربية في العقد النصف الأخير تخرج من الهيئة العامة مع البدء بعزف النشيد الوطني كموقف معبّر عن أن هذا النشيد لا يمثّل الفلسطينيين في البلاد. 

وفي هذه المرة أيضاً، حافظ أعضاء الكنيست العرب على هذا الموقف الذي اتبعه أيضا نوّاب الجبهة في السنوات السابقة، إلّا أن هذا التيّار الجديد داخل الجبهة اختار البقاء خلال عزف النشيد ورفض الإجماع الوطني، وصمّم على أن يستمر في مسيرة 'الوجه العربي الجديد اليساري الحضاري والإسرائيلي' التي بدأها منذ انطلاق المعركة الانتخابية، وبقي خلافاً لباقي مركّبات القائمة المشتركة واقفاً داخل القاعة، ففصل عن قصد أو بغير قصد مركّبات هذه القائمة، مرة أخرى لمعتدل يحتج بحضارية وصمت، ومتطرّف يرفض الانتماء لهذا النشيد والوقوف له ويغادر القاعة مستفزا.

وبهذا، تقسيم سياسي واضح للقائمة المشتركة، وليس مجرّد منح حريّة التصرّف لكل نائب، بل هو سياسي يقسّم القائمة بين خطاب متهادن ومعتدل يميل إلى الأسرلة والاندماج، وخطاب سياسي وطني  يموضعه هذا التيّار السياسي في خانة المتطرّف ليهاجمه الإعلام الإسرائيلي. وأود أن أؤكد على أن هذا ليس خلافاً بسيطاً يحل عبر منح حرية التصرّف، بل إنه سياسي جوهري.  

ولم يعد سراً، أن نقاشاً حصل قبيل الخروج للهيئة العامّة للكنيست داخل اجتماع كتلة القائمة المشتركة، وهو متوقّع، إذ رفض التجمّع الوطني الديمقراطي والحركة الإسلامية البقاء أثناء عزف النشيد الإسرائيلي، وصمّموا على الخروج من الهيئة العامّة فيما قاد دوف حنين، التيّار المطالب بالبقاء داخل القاعة.

وصرّح عودة لموقع 'يديعوت أحرونوت' الإلكتروني أن 'احتجاجي جاء بطريقة الصمت أثناء عزف النشيد'. وإن كان هذا احتجاجا يطرحه أمام لإعلام الإسرائيلي، فهو يحمل ضمنياً القول بأن تياراً جديداً يولد بوجه جديد يتلاءم مع ما يريده الإسرائيلي وينصهر في الدولة ومؤسساتها ويرفض الإقصاء، وهو يشدد على قضية الإقصاء/ الاندماج، لا يصرخ ولا يقاطع، بل يبقى ويحتج بصمت وحضارية إسرائيلية تلائم الدولة البيضاء العنصرية. 

هو تيار يريد أن يعود بالخطاب السياسي إلى سنوات خلت بعد أن ثبت أن خطاب الاستجداء لا يجدي.

وهنا لا بد من القول إن الإقصاء ليس بالأمر السيئ، بل إن المشكلة في الاحتواء. 

وفي العودة إلى مقال نبيل الصالح من العام 2008، اقتبس من المقال الذي نبش من خلاله مفهوم الاقصاء، موضحاً التطوّر الذي حصل في الخطاب السياسي العربي بعد سنوات ال90 وتأسيس التجمّع، إذ كتب أن 'التجمّع بيّن أن المشكلة السياسية الأساسية في تعامل الأقلية الفلسطينية في إسرائيل مع الدولة لا تكمن في الإقصاء بل في الاحتواء والاستيعاب Inclusion اللذين تمارسهما إسرائيل منذ قيامها بشكل محسوب، وتتواطأ القيادات معها في تحقيقهما على أرض الواقع، مع استمرارها في اتهام مؤسسات الدولة بتبنّي الإقصاء'.

ويتطرّق الصالح لهذا التواطؤ الذي يمثّله هذا التيّار اليوم، وهو ليس بتيار جديد، إذ كان مسيطراً بنهجه المتهادن وتذويته للهزيمة منذ النكبة حتى نهاية سنوات ال90، ويقول إن 'هذا التواطئ لا يأتي بدافع سوء نية، وإنّما لأنه ما كان من الممكن أن يقود احتواء ترسم حدوده إسرائيل إلى واقع أفضل من هذا الذي نحن فيه. الاحتواء وتذويت العجز بصفته حكمة وعقلانية التعامل مع الواقع هما اللذان يقفان وراء الرضوخ لكل فعل قمعي تنتهجه إسرائيل ضد العرب'. 

وهنا لا بد من القول تأكيداً على مقولة الصالح أن هذا التيّار يقود إلى الخلف، إلى ما قبل القومي والوطني، إلى الاندماج الانبطاحي الذي ينادي بالمواطنة الكاملة دون التمييز بين صاحب الأرض والمهاجر المستعمر ذاته، وهذا ما وجب التحذير منه ومن العودة إليه عبر تذويت الهزيمة، ومسح تطوّر نضالي واضح.

يذكّرنا طرح الصالح لقضية المواطنة الكاملة لجميع المواطنين دون تمييز بينهم، التي طرحها هذا التيّار حتى في خضم مجازر إسرائيل في سنوات الخمسين وعمليات التهجير، بتوجّه عودة إلى آرييه درعي خلال المناظرة التي عرضتها القناة الثانية، إذ وازى بين العرب واليهود الحريدين في خطابه وكأن مشكلة العربي هي نقص في الميزانيات متجاهلا أصلانية العرب في البلاد وقوميتهم وامتدادهم وقضيتهم الأساسية المتمثّلة بمحاربة الصهيونية.

يطرح عودة في هذه الأيام، وبلا خجل صورة جديدة لقائد عربي يختلف عمّن سبقه، ولا يخجل في طرح الموضوع أمام وسائل الإعلام الإسرائيلية والمجاهرة به، وبهذه الطريقة فهو يزج بأغلبية نواب الكنيست العرب في خانة المتطرّفين وغير الحضاريين، ويطرح ما يلقى استحسان الإسرائيلي على الرغم من أن عدد اليهود الذين صوتوا للقائمة المشتركة قد انخفض إلى النصف.

نحن أمام خطر يشكّله هذا التيار علينا وعلى مسيرتنا النضالية، خطر الكامن في العودة إلى خطاب الأسرلة والاندماج، الذي دحره الداخل الفلسطيني خلال الانتفاضة الثانية عندما لبوا نداء المدّ القومي والوطني، وانتفض مع بقية الشعب الفلسطيني في أماكن تواجده. حقوقنا نحقّقها بالوحدة ورص الصفوف، من سخنين وليس من تل أبيب، من النضال ضد الصهيونية وليس الاندماج في دولة الصهيونية، بالصوت العربي الواضح وليس بالصوت العربي الذي لا يخاطب العرب، بل يقسّمهم ليس لمتطرّف ومعتدل فقط، بل لعربي يُعجب الإسرائيلي وعربي ينفّر الإسرائيلي. 

عودة يخاطر بالوحدة وبمصير القائمة المشتركة من خلال هذه الممارسات التي لا علاقة لها بتحصيل الحقوق ولا بالخطاب العقلاني. أهم الأمور في هذه الأيام هي الحفاظ على الإجماع الوطني والحفاظ على وحدة القائمة المشتركة التي انعكست على الشارع العربي وعلى الخطاب السياسي.

وأختم بالقول إذا كان صوتي وحقّي وامتدادي ينفّر الإسرائيلي، فلينفر إذاً بلا عودة. 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018