قوميون ديمقراطيون../ رامي منصور

قوميون ديمقراطيون../ رامي منصور

خواطر في عشرينية تأسيس التجمع الوطني الديمقراطي

يبدو المشهد العربي الراهن وتحديدا في المشرق والجزيرة العربية كطلاسم تصعب قراءتها وفق القاموس ذاته الذي لطالما استخدمناه في العقدين الأخيرين، سواءً لجهة التسميات والمصطلحات والتقسيمات أو لجهة الأولويات.

ومنذ يناير العام ٢٠١١ دخل الوطن العربي مرحلة تاريخية جديدة فشل اليسار عموما والتيار القومي خصوصا في تفكيكها وإجادة قراءتها، ويمكن الجزم أنه في لحظة الامتحان سقط سقوطا مدويا إلى درجة التحالف مع الاستبداد المتحالف مع الصهيونية، وبذلك خان نفسه مرتين، مرة لأنه خان قيمه مثل الحرية والمساواة والعدالة، ومرة ثانية لأنه خان الجماهير في الميدان التي طالما هلل لها واعتبر نفسه ممثلاً لطموحاتها.

منذ يناير ٢٠١١ تأكد لنا مرة أخرى، أنه لا مجال ولا إمكانية لأن نكون قوميين، وأن نعبر عن صالح الأمة إذا تخلينا عن الطرح الديمقراطي كبرنامج سياسي عملي، وإذا فصلنا بين الاثنين. فدعاة القومية العربية الأوائل سعوا دوما إلى تحويل القومية العربية إلى قيمة سامية عليا مثل الحرية والكرامة والعدالة وإلخ. وبعد نحو مئة عام على تلك المحاولات، التي فشلت بسبب الانقلابات العسكرية الداخلية والمؤمرات الخارجية، لا بد لنا كجيل شاب وفاعل في التيار القومي إلا أن نعبر عن رغبة المنظرين الأوائل من خلال طرح برنامج سياسي ديمقراطي أولا. لأن ترجمة قيم الحرية والمساواة والكرامة والعدالة في أيامنا هذه يعني الديمقراطية ولا شيء غير الديمقراطية. فلا يمكن أن تتحقق كرامة الإنسان العربي خارج نظام الحكم الديمقراطي، وفي حالتنا في إسرائيل خارج الإطار القومي الديمقراطي. ولا يمكن تحقيق المساواة ولا العدالة خارج النظام الديمقراطي. إذن، الديمقراطية هي الترجمة السياسية العملية لقيم الحرية والمساواة والكرامة والعدالة.

وكل حديث عن إخضاع 'القضايا الثانوية' مثل المطالب الحياتية للناس والمساواة والعدالة الاجتماعية لـ'القضايا الكبرى' مثل محاربة الهيمنة الأميركية وتحرير فلسطين وغيرها، هي إعادة صناعة لأسباب الهزيمة في القرن العشرين، والنتيجة حتمية: لا تحرير للأرض، ولا سيادة للأمة، ولا كرامة للإنسان. فمسألة الديمقراطية لا تحتمل التأجيل على الرغم من إدراكنا أنها ليست حلا سحريا لكل مشاكل الأمة.

والتيار القومي الديمقراطي ينطلق من أن الأمة هي تجسيد مجموع إرادات الأفراد الأحرار، ولكي تكون الأمة حرة وذات سيادة فلا بد من أن يكون الفرد حرا وذا حقوق، وضمان الحقوق وحمايتها لا يتم إلا عبر المؤسسات الديمقراطية. فحرية الفرد شرط سيادة الأمة وتحقق صالحها، وغير ذلك يصبح الحديث عن سيادة الأمة خطابا استبداديا شوفينيا.

إذن، لا مجال اليوم لتيار قومي لا ديمقراطي، فقد ولى زمن 'القضايا الكبرى' على حساب 'القضايا الثانوية الصغرى'. تبدل العالم، ومنطقتنا على وجه التحديد. فالصراع الدائر اليوم في وطننا العربي ليس بين هجمة خارجية ومقاومة داخلية. بل هو صراع بين تيارات شعبية ديمقراطية من المحيط إلى الخليج، وبين تيار رجعي مستبد بعضه يعادي إسرائيل وبضعه الآخر يتحالف معها.

وما نشهده في سوريا ومصر وليبيا واليمن غيرها من دمار واقتتال واحتراب داخلي، ليس إلا نتيجة حتمية للمحاولات العنيفة بمساعدة خارجية لمصادرة إرادة الشعوب التي ثارت على الاستبداد. ويثبت لنا يوما بعد يوم وفي ظل الدمار والاقتتال الداخلي أن فرط الانتماء القومي يعني انهيارا شاملا لبلداننا، وأنه لم يعد بالإمكان الحفاظ على هذا الانتماء - القومي - خارج سياق الديمقراطية. فشعار تحرير فلسطين لم يعد سببا كافيا للمواطن لكي يتنازل عن حرية ممارسة ذاته كإنسان فاعل وقادر. فشعار تحرير فلسطين لم يحقق له الأمن ولم يوفر له الكرامة. وفي مصر لم يعد يتحمل المواطن الديكتاتورية وهو يعيش في المقابر. فالديكتاتورية صادرت حقه لكنها لم توفر له التنمية ولا الاستقرار.

أدخلنا جورج بوش الابن إلى تقسيمات محاور. لم تعد المحاور مقسمة بين محور راديكالي ومحور معتدل، بل بين محور ديمقراطي أساسه الشعوب، وبين قوى إقليمية ورجعية مستبدة. إنها هجمة غير ديمقراطية ومعادية للعروبة على المنطقة.

حان الوقت للتيار القومي في الوطن العربي أن يدرك بأنه لن يكون قوميا إذا لم يكن ديمقراطيا لأن سيادة الأمة تكون بحرية أفرادها وليست بترسانة أسلحتها، وحان الوقت للتيار القومي في الداخل أن يدرك بأن التاريخ لن يغفر له إن تنازل عن برنامجه الديمقراطي، لأن عمقنا وحليفنا الإستراتيجي هي الشعوب العربية وليس الأنظمة. فإما أن نكون في محور الشعوب الديمقراطي الذي يصون عروبة المنطقة ويحفظ نسيجها المتعدد الانتماءات الطائفية والأقوامية، وإما أن نكون في المحور المعادي للديمقراطية والمعادي للعروبة، فنخسر عروبتنا وأوطاننا ونخسر إنسانيتنا.

للحديث تتمة...