عزمي بشارة في هذيان الطغاة/ عدلي صادق

عزمي بشارة في هذيان الطغاة/ عدلي صادق

كأنما مخابرات النظام السوري جهة جديرة بأن تمنح صكوك الشرف، أو السلامة الأمنية، لمناضلي الشعب الفلسطيني، وناشطيه الوطنيين ومثقفيه القوميين والإسلاميين. فعلى الرغم من فظاعة هذا الافتراض الذي ربما لا يهضمه المُخدّرون، غير القادرين على السيطرة على حواسّهم؛ فإن صحيفة في الجزائر نقلت عن مسؤول في المخابرات السورية قوله ما معناه إن جلاوزة جهاز هذه المخابرات، سيئ السمعة، يتابعون عزمي بشارة منذ اضطر للاغتراب عن وطنه. وكان طبيعياً، عند حبك القصة، إدخال عنصر المرأة، وهو لازم للتشويق والتخدير. فالمرأة لا تلزم، بل الحكاية الطويلة لا لزوم لها، عند رمي آخرين كُثر، بتهمة الخيانة التي تراها تلك المخابرات أكثر من كافية لقتل الشرفاء المناوئين للديكتاتورية، ولقتل الناس بالجملة. لكن محاولة تشويه رجل، بقامة عزمي بشارة، في ثقافته ومعرفته كيمياء الصراعات وطبائع إسرائيل، وبحضوره القوي، في وسطه الاجتماعي والسياسي والحزبي في بلاده؛ سيضطر هؤلاء المأزومون الصغار الذين تكشفت رزاياهم ومخازيهم وجرائمهم للاستعانة بحكاياتٍ مثيرة، وبما يطرأ في أذهانهم من فرضياتٍ ظنيّة، لكي ينسبوا إلى بشارة كل ذميمة.

طبائع هؤلاء، ومعها طبائع الركيكين الذين يتعاطون السياسة بغير ثقافة، ولا قراءة، ولا أي فهم لأية أحجية في المشهد العربي الراهن؛ تدفعهم إلى الاختزال المثير للسخرية وإلى التخوين. ومن طبائع هؤلاء، أيضاً، أنهم يستمرئون الطغيان في اللفظ، كما في المنطق، وفي التغالظ مع الناس. وبسبب فقدانهم القدرة على الاستهداء بمنطق سَويّ؛ لن تخطر على بالهم أسئلة من شاكلة: أي المواضع ستكون أنسب لإسرائيل وأي عميل لها: بلد الممانعة المزعومة، والقوات المسلحة، والمستشارون والضباط الإيرانيون، وقواعد السلاح النوعي، وعلاقة العميل المزعوم مع الشريحة الحاكمة من رأس هرمها إلى أدناه، أم دولة قطر الصغيرة البعيدة عن مسرح الصراع؟ وكيف يقوم أي تصنيف لأي إنسان، بمعزل عن تاريخه وسجل عمله السياسي والحزبي، وتوجهات ومثابرات رجال حزبه، وعاطفته الجياشة حيال وطنه وأهله، وصعوبة اغترابه قسراً؟

كأن الحال العربية على ما يرام، فخرج عزمي بشارة، لكي يطرح عنها تشخيصاً مستفزاً للقائمين عليها. لو أن الرجل نافَقَ ومَدَح الطغاة، وتغاضى عن آلام ضحاياهم؛ لأقيمت له في الوطن العربي، من الماء إلى الماء، مدرسة تعلّم النُخب مادة الاجتماع السياسي، ولأُعلي شأن ما يقول، ولاستطابت للجميع السلطوي تنظيراتُه ووصْفاته.

فمن المثير للسخرية أن ينبري لمحاولات تشويه بشارة معتوهو أوضاعٍ وأوقاتٍ وسياقات. والرجل، على هذا الصعيد، ظلَّ مرزوقاً جداً بحكاياتٍ من نسج الخيال، منذ وجد في قطر ملاذاً وحيداً، هو نفسه ملاذ مطاردين كُثر. فقد قال لي، في جلسة فلسطينيةٍ لمستُ فيها مشاعر أخوّة، إنه يُفاجأ بأقاصيص تُنسب إليه، وهو لا يعلم عنها شيئاً، ولا تشبهه ولا علاقة لها بالواقع. كان يستهجن هذا الاستهداف المكثف لشخصه. لم يقل، وربما لم يخطر في باله أن يقول، إن هذا الاستهداف يعني، ضمنياً، شيئاً ينبغي أن يكون مُرضياً له كباحث ومثقف، وهو أن صوته نادرٌ في هذه البرية المجوّفة، المُجرّفة من السياسة، فحظي بتكثيف هجومي لافت، من قوى مفضوحة.

يفتحون أوطانهم للأغراب، ويسومون شعبهم العذاب، يقتلونه ويشردونه في أربع رياح الأرض، ويستجدون وداد إسرائيل وكف شرّها، ويتوسلون العلاقة مع أميركا ورضاها، ثم يهذون بالتخوين هذيان الطغاة. أفلتت من معمر القذافي، يوماً، عبارات تعلل كراهيته ياسر عرفات: يكفي أنه دخل البيت الأبيض أربع عشرة مرة، وأنا مرفوض جداً، على ما في حوزتي من أرض وثروة!

الفارق بين غيظ الطغاة الراهنين، من عزمي بشارة، وغيظ الديكتاتور الذي طويت صفحته من عرفات؛ أن الثاني دخل واصطاده أصحاب البيت، فيما هو يسعى إلى شيء لشعبه، أما الأول فقد خرج ولم يدخل، وطفق يروي للناس رزايا وعلل وأخاديع القائمين على الداخل والخارج.

(العربي الجديد)