الطفل علي… ضحية من؟/ رامي منصور

الطفل علي… ضحية من؟/ رامي منصور

الطفل علي، الذي حرق بنيران المستوطنين في سريره داخل منزل أسرته في قرية دومة، ضحيّةُ من؟ 

قد يبدو السؤال للوهلة الأولى ليس ذي صلة أو استفزازيًا أو مفهوما ضمنا؛ علي ضحية المستوطنين، وضحية “المتطرفين” والعنصريين والمحرضين وإلخ.

لكن الطفل علي، ابن العامين، ضحيّة ما يسمى الاستقرار والحفاظ على “الوضع القائم” في الضفة الغربية، الذي يسعى التنسيق الأمني بين سلطات الاحتلال والسلطة الفلسطينية لتثبيته. هذا “الوضع القائم” هو من يمنح المستوطنين جرأة الدخول واستباحة المدن والقرى الفلسطينية وتنفيذ جرائمهم فيها والخروج منها آمنين سالمين، إما تحت جنح الظلام أو بحراسة أجهزة الأمن الفلسطينية.

الطفل علي ضحية الكلام الكبير والممجوج للسياسيين المخضرمين وقاموسهم المغبر عن العملية السلمية والاحتياجات الأمنية والتوسع الاستيطاني، والذي حل محل قاموس النضال والكفاح ومحاربة الصهيونية، فكرًا وممارسة.

الطفل علي ضحية بيانات الإدانة، التي صدرت وستصدر في الساعات القريبة المقبلة، وستحمل “سياسات حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية المتطرفة مسؤولية جرائم المستوطنين في الضفة الغربية”، فيما ستدين حكومة نتنياهو الجريمة بأقسى عبارات الإدانة وستضع قواتها بحالة تأهب في الضفة الغربية، تحسبًا للغضب الفلسطيني وسيكون خلال الساعات المقبلة التنسيق الأمني في أوجه.

وستقول إسرائيل إن المجرمين أعشاب ضارة - ضالة على هامش الهامش، وإنها ستلاحقهم وتستنفد معهم الإجراءات القانونية، وهذا أقصى ما يمكن أن تفعله حكومة إسرائيل.

أما حكومتنا في رام الله، ماذا يتوقع منها؟ بيانات إدانة، دعوة لمسيرة غضب تنتهي عند أقرب دوّار، منع “احتكاك” المتظاهرين بقوات الاحتلال المتمركزة عند تخوم المستوطنات المجاورة، وسيُعَزَّز التنسيق الأمني في الأيام المقبلة تحسبا لاشتعال بلدات الضفة.

لكن جريمة إحراق الطفل علي، ليست نتيجة سياسات حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة، بل هي ممارسة لسياسة الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة التي أدمنت السلطة الفلسطينية على مفاوضتها، وهي تأكيد على أن الاستيطان لا يهدد الأرض الفلسطينية فقط بل يهدد الإنسان الفلسطيني قبل أرضه. كما أن ما حصل في دوما ليس جريمة أو إرهاب المستوطنين، بل هو جريمة وحشية نفذها إسرائيليون يغذون على الكراهية والعداء للعرب، فمن حرقوا محمد أبو خضير العام الماضي هم إسرائيليون، أثخنوا بخطاب العنصرية الدموية الذي تبثه المؤسسات الإسرائيلية الرسمية وغير الرسمية مثل الإعلام والمنظمات غير الحكومية.

وهل قتل الآلاف في غزة خلال الحروب العدوانية الأخيرة في غزة هو إلّا إرهاب دولة؟ لا فرق بين الإرهابين إلا لمن له مصلحة بالتفرقة بين الإرهابين.

قتلة الطفل علي هم جزء من “الوضع القائم” الذي يسعى الطرفان للحفاظ عليه، وعلي ضحية هذا الوضع أو الاستقرار الوهمي.

يقال إن الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، يحمل الدكتوراة من جامعة سوفياتية، عن دراسة أجراها عن المحرقة النازية وضحاياها اليهود. نأمل أن يسعفه ذلك في منع حرق المزيد من الفلسطينيين، وإن كان غير قادر على ذلك، فعليه أن يستخلص العبر هو ومن حوله، ذلك أن حرق الفلسطينيّين يجري على مرمى حجر من قوات الأمن الفلسطينية، فيما أصبحت السلطة غير قادرة على توفير لا الأمن ولا السلم للمواطن الفلسطيني أو لأرضه، فهي توفر فقط الأمن والاستقرار لإسرائيل وأصبحت إدارة للحفاظ على “الوضع القائم” الذي يعني مزيدا من حرق الفلسطينيين والمزيد من التهام الأرض الفلسطينية.   

الرد الإسرائيلي على الأرض جاء سريعا في بيان وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي، غلعاد أردان، الذي أدان الجريمة ووصفها بالإرهابية، لكنه لم يربط بينها وبين المستوطنين وكأن القَتَلَةَ سقطوا من المريخ. والأشد مرارة ويؤكد ما ذكرته أعلاه، بأنه قرر إجراء جولة في البلدة القديمة بالقدس، ظهر اليوم الجمعة، لتفقد الأوضاع الأمنية. هذا ما يهمها، أي إسرائيل، استتباب الوضع القائم، والسلطة الفلسطينية شريكة لها، والطفل علي ضحيتهما.

ملف خاص | الإجرام المنظم: دولة داخل الدولة