من لجنة المتابعة نبدأ/ ممدوح اغبارية

من لجنة المتابعة نبدأ/ ممدوح اغبارية

يرافق عملية التنمية للمجتمع العربي في الداخل غياب قيادة موحدة منتخبة نتيجة لمنع السلطة الجماهير العربية انتخاب هيئة قطرية وطنية موحدة من جهة، ومثابرة بعض الأحزاب الفاعلة في المجتمع العربي لرفض فكرة الانتخاب المباشر من جهة أخرى.

أكتب بعدما شهد المجتمع العربي مؤخرا استقطابا سياسيا بين إسلاميين وعلمانيين في الداخل، والذي كاد أن يعصف بالنسيج المجتمعي ويقترِب بنا من الانقسام الحاد بسبب صبيانية البعض، وهنا أسجل تأييدي المطلق لأهمية النقاش الأيديولوجي العميق الذي يطرحه بعض آخر وهذا مطلوب. 

وأوجه كتابي هذا الى العقلاء في الجانبين بتصويب البوصلة والبحث عن نقاط التقاطع وأولها انتخاب المتابعة. اختبار الديمقراطية الحقيقي والجوهري، يتمثل بقبول الآخر كما هو وتقديم التنازلات لأجل إيجاد الطريق المشترك، كما حصل مع القائمة المشتركة وهي أحد أهم انجازاتنا السياسية، حين كتبت النخبة السياسية فصلا جديدا من التاريخ، وأضافت حجر بناء في جدار التنظيم القومي والوحدة الوطنية والبناء الديمقراطي.

هنا، أود الإشارة إلى تجربتي المتواضعة كناشط طلابي ورئيس للاتحاد القطري للطلاب العرب في الجامعات الإسرائيلية، عندما فزنا بالتجمع الطلابي بقيادة الاتحاد القطري للجامعيين العرب واختارني الرفاق في التجمع والأخوة في أبناء البلد وحركة اقرأ لأكون رئيس الاتحاد القطري ضمن تحالف وطني وافق بين الإسلام والقومية والأصالة والحداثة والديمقراطية. 

أعطيت هذه التجربة الكثير من مهارات المبادرة والتفاوض والتنظيم. وقد نجحت في تلك الفترة بقيادة العمل الطلابي باتزان وتؤدة ما مكنني من التوفيق بين التيارات السياسية المختلفة وخلق إجماع وطني على أجندةٍ طلابية مشتركة توّجته حَملات الاحتجاج التي اجتاحت كل الجامعات في البلاد في تلك الفترة.

أذكر مظاهرات النكبة وإضراب غزة ومظاهرة يافا في يوم النكبة، وزيارات التضامن ويوم الكوفية الذي اجتاح الجامعات والمهرجان السياسي "الجرح مفتوح والحساب مفتوح" ضد إغلاق ملفات شهداء القدس والأقصى وأنشطة عديدة أخرى، وذلك كله عبر ائتلاف قوي قدناه بين القوميين الديمقراطيين واليسار والحركة الإسلامية.

عودة للمتابعة، لا حاجة للتأكيد على أن هيئة تنسيق تجمع الأحزاب المتنافسة ولجنة رؤساء سلطات محلية كما هو حال لجنة المتابعة اليوم لا يمكنها أن تشكل إطارا سياسيا ينظم شعبا على أساس قومي ديمقراطي. لذا على الأحزاب المعنية ( الإسلامية والتجمع أبناء البلد) التمسك بمطلب انتخاب الجماهير لممثليهم بشكل مباشر، الذي يعبر بوضوح عن تكريس حق أساسي للمواطنين في المجتمع الديمقراطي الذي نطمح إليه، ألا وهو المشاركة الفعلية في صنع القرار مما ينتج عنه بضرورة مسؤولية جماعية على القرار.

عدا عن الأهمية القومية للجنة المتابعة، على الحركات السياسية أن تذوت بين كوادرها والناس أهمية المشاركة كإستراتيجية تمكين للتغيير المجتمعي وللدفاع عن الصالح العام. المشاركة ، والأدق التشاركية، هي مفهوم مبني على الاعتراف بالحقوق المتساوية للجماعات والأفراد في إدارة شؤونهم والتحكم بمصائرهم، وعلى القبول بالآخر (المختلف) واعتباره كامل الأهلية والإنسانية للقيام بعملية المشاركة في الشأن العام.

يستطيع كل مراقب ومهتم تشخيص التجاذبات الحالية داخل لجنة المتابعة. يوحد نقاش بين تيارين، الأول يؤكد على ماهيتها التنسيقية للجنة المتابعة ويحاول التأكيد على الاندماج في اللعبة السياسية الإسرائيلية ويفكر ألف مرة خشية بأن يظن الإسرائيليين ويفسر التنظيم القومي الشامل للأقلية العربية كخطوة انفصالية عن المجتمع الإسرائيلي. والمجموعة الثانية ترى من الضرورة الارتقاء بالمتابعة وانتخابها لتكون هيئة قومية تمثيلية مع الحفاظ على حقوق المواطنة.

وقد احتدم هذا النقاش عندما طرح التجمع الوطني الديمقراطي ومعه الحركة الإسلامية (الشمالية) وأبناء البلد بشكل مثابر أن الطريق الوحيد للارتقاء بعرب الداخل إلى حالة شعب منظم هي إيجاد سقف وطني يجري التنافس تحت ظله من خلال انتخاب المواطنين العرب لجنة المتابعة انتخاباً مباشراً على أساس ميثاق وإعلان مبادئ تقبل بهما التيارات المتنافسة وتقصي الأحزاب الصهيونية.

تحت مظلة هذا الواقع والمتغيرات، تبرز الحاجة إلى التأكيد بأن المبادرة لمشروع إستراتيجي نضمن في نهايته انتخاب هيئة قومية ممثلة لنا هو المدماك المؤسس لتغيير بنيوي في العلاقة مع المؤسسة الحاكمة تقوم على المساواة والندية والاعتراف والمشاركة. فوجود هيئة قومية مرجعيتها ومدها الشعبي يقوم على أساس التمثيل المباشر للمواطن الفلسطيني في إسرائيل هو المدخل الرئيسي للمطالبة بإدارة الشؤون الثقافية والتنموية والاقتصادية للمجتمع العربي كخطوة مكملة لتاريخ النضال المثابر للحفاظ على الهوية الفلسطينية والخصوصية القومية، ولتغيير أسس العلاقة بيننا وبين الحركة الوطنية الفلسطينية في الضفة والقطاع من الجهة الأخرى، متكاملين في النضال الوطني الديمقراطي الفلسطيني لتحقيق الثوابت الوطنية والعودة وإزالة الاحتلال. 

إذًا يجدر بالحركات السياسية المعنية بانتخاب المتابعة توظيف طاقاتها وكوادرها لإقامة لوبي سياسي جماهيري ضاغط، لنبدأ بالمراكمة لانتخاب المتابعة  لتحويل الحوار القائم إلى حوار ومن ثم مطلب شعبي شمولي دون الاكتفاء فقط بإجراء حوار "بين النخب"، ومن ثم مساءلة كل من يرفض الإرادة الشعبية.

وهنا تجدر الإشارة إلى نقاط الالتقاء البارزة بين انتخاب المتابعة وبين المطالب التاريخية التي وضعتها حركات كالتجمع والإسلامية وأبناء البلد منذ عشرات السنوات حول ضمان المساواة القومية ومنح الأقلية العربية الاستقلال الثقافي القومي والمجتمع العصامي والبرلمان العربي والتنظيم على أساس ديمقراطي وخلق فضاء سياسي تمثيلي خارج الكنيست، وضرورة إقامة صندوق قومي مع أولويات وطنية والتواصل مع عمقنا الإستراتيجي العربي والاسلامي، بالإضافة إلى مطالب تاريخية عديدة طُرِحَت وما زالت تُطرح.

من المستحيل، بل من غير المسموح الاستمرار في هذا الواقع المأزوم إلى ما لا نهاية، وقد آن الأوان لوضع حد له بعدما دفع بمجتمعنا خاصة الشباب إلى مرحلة خطيرة. يصمم البعض "التمترس" خلف موقفه وعدم التنازل للالتقاء مع الآخر. لا نريد انقساما فلسطينيا جديدا، وعلينا لجم كل الأصوات التي تبث سموم التفرقة في زمن الانقسام العربي. 

يسألني بعض الاعزاء عن كتابتنا المنهجية المتصالحة مع الآخر في الفترة الاخيرة، أنا ورفاق وأصدقاء آخرين، وأجيب أولا أننا حقا ديمقراطيون وأننا "أم الولد" في قصة الملك سليمان، ويهمنا أن لا ينقسم المجتمع الفلسطيني على نفسه حتى لو قدمنا بعض التنازلات غير الجوهرية وحافظنا على جوهرنا، فإذا لم نكتب ونوجه الآن متى نفعل ذالك. ربما حين يدرك الجميع معنى المسؤولية الجماعية تجاه بعضنا، بوسعنا ترديد ما ردده الشيخ راشد الغنوشي "خسرنا السلطة وربحنا تونس”، لنقول على نسقه "تنازلنا وربحنا وحدتنا الوطنية". 

الأخوة في التجمع والحركة الإسلامية وأبناء البلد، هذا هو طريق البناء، ليكن شعارنا ديمقراطية واختلاف، لا إقصاء ولا احتواء، من لجنة المتابعة نبدأ.

رئيس الاتحاد القطري للجامعيين العرب 2007 - 2009

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018