فلسطيني يكره عبد الناصر.../ رامي منصور

فلسطيني يكره عبد الناصر.../ رامي منصور

إمام أو 'شيخ' غير معروف في قرية فلسطينية في الجليل يعارض إطلاق اسم القائد جمال عبد الناصر على دوار في بلدته. والسبب أن التسمية ليست محل إجماع، في نظره، وأنها ستمس بالوحدة في القرية وما إلى ذلك من ادعاءات. 

ولم يوضح 'الشيخ' المحسوب على الحركة الإسلامية (الشمالية) السبب في عدم وجود إجماع على التسمية بنظره، هل هو عبد الناصر الشخص؟ أم مواقفه؟ أم سياسته تجاه القضية الفلسطينية؟ أم فكره العروبي الوحدوي؟ أم معاداته للتطرف والمتطرفين سواء كانوا يساريين أو إسلامويين؟ أم عداؤه للاستعمار والصهيونية؟

بغض عن النظر عن الشخص المعارض والتيار السياسي الذي ينتمي إليه، من المجدي التساؤل لماذا تعارض فئة بعينها، ولو صغيرة ومحدودة، من الشعب الفلسطيني الرئيس عبد الناصر لدرجة العداء والشتم.

كيف يمكن لفلسطيني (حتى لا أقول عربيا) أن يكره إلى درجة العداء المرضي مشروع عبد الناصر وشخصه؟ شخص كرس مشروعه وحياته لمحاربة الاستعمار ومن أجل فلسطين، وكان مشروعه المشروع العربي الحداثي الوحيد الذي شكل ندا للمشروع الصهيوني رغم إخفاقاته الجسيمة، ودفع ثمن معاداته للصهيونية بعداء القوى العظمى من فرنسا وبريطانيا وأميركا.

كيف يمكن لفلسطيني أن يعادي مشروعا وشخصا حمل رؤية لنهضة المجتمعات العربية من خلال التحرر والاستقلال، التنمية والمساواة، ورأى أن شرط نجاح ذلك هو تحرير فلسطين؟

لتحميل تطبيق موقع عرب 48 يرجى الضغط هُنـــــــا.

لكن في الحقيقة هذا العداء في أوساطنا وفي صفوف الحركة الإسلامية وتحديدا الشمالية هو 'عداء منقول'، منقول من عداء حركة الإخوان المسلمين في مصر للرئيس عبد الناصر. والقصد بالمنقول بأنه غير عقلاني ومستجلب ومصطنع وليس له ما يبرره سوى التقليد من أجل التقليد.

ليس إطلاق تسمية عبد الناصر على دوار أو ميدان محل جدل بل معارضتها مثيرة للشبهات، لأن عبد الناصر في صلب الإجماع العربي والفلسطيني، وهو جزء حي من الذاكرة الجماعية للشعوب العربية، ويشكل رمزا من رموز التحرر والكرامة والعدالة الاجتماعية، ومن لا يرى ذلك فإما هو منفصل عن الواقع أو أنه يعادي ناصر 'عداء قبليا' مثل عداء بكر لتغلب أو العكس، تمام مثل عداء القوميين في مصر 'التاريخي' للإخوان  إلى درجة التحالف مع نظام السيسي بدافع عدائي غرائزي للإخوان حتى لو انتخب مرشحهم لمنصب رئاسة الجمهورية بانتخابات ديمقراطية. 

لم يكن صراع عبد الناصر مع الإخوان صراعا دينيا، وليس صراع سلطة أيضا، وإنما كان صراعا سياسيا في جوهره، وهو في إطار محاولات تمرد مسلح على السلطة وصلت إلى حد محاولة الاغتيال. 

وعلى 'الإخوان' في مجتمعنا أن يسألوا أنفسهم أي خلاف سياسي يفصلهم عن مشروع عبد الناصر مع كل التحفظات؟ هل لديهم خلاف مع مشروعه التحريري؟ أم مع مشروعه التنموي؟ أم مع تأميم قناة السويس؟ أم مع قوانين العدالة الاجتماعية والتأميم؟

لا أتصور أن لأحدهم خلافات - نقاشات جدية مع هذه 'المشاريع الناصرية'، وإنما الخلاف 'منقول' عن 'الحركة الأم' التي قمعها عبد الناصر وأعدم منظرها، سيد قطب. لكن هذا القمع عانت منه شرائح متعددة من الشعب المصري ومن مختلف التيارات السياسية وتحديدا اليسارية. وهذا مأخذ كبير على عبد الناصر. فكيف لمشروع تحريري أن يحكم بواسطة البوليس السياسي والمخابرات؟ لكن هل للشيخ الفضيل مشكلة مع قمع عبد الناصر لليساريين والفنانين وللشيوعيين 'الملحدين'؟ أشك بذلك.

وهل كان الشيخ الفضيل سيعارض تسمية الدوار باسم ملك سعودي أو خليجي؟ أشك بذلك.

إذًا، هو 'عداء منقول' غير مبرر، خصوصا وأن عبد الناصر شخصية محفورة في الوعي الشعبي الواسع ولا يمكن أن يكون محل جدل بكل تأكيد.

على مر عقود طويلة أثبت مجتمعنا الفلسطيني في مختلف أماكن تواجده، بما في ذلك في الداخل، حصانة ومناعة متينة أمام 'أمراض' العالم العربي السياسية والاجتماعية - الطائفية، ونأمل أن يعي قادة الحركة الإسلامية ومختلف التيارات السياسية أن نقل هذه الأمراض إلى مجتمعنا وبلداتنا ونقاشاتنا يشرع الباب لفتن واصطفافات وتقسيمات 'منقولة' لا مكان لها في مجتمعنا. فرأفة بنا.

اقرأ أيضا | جدل حول إطلاق اسم عبد الناصر على ميدان في كفر مندا

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018