نور الشريف.. متعدّداً وباقياً/ معن البياري

نور الشريف.. متعدّداً وباقياً/ معن البياري

كانت مناقبيّةً عالية من نور الشريف أن يؤدي دوراً ثانوياً، بثلاثة مشاهد ربما، في فيلم 'سونيا والمجنون' (1977، إخراج حسام الدين مصطفى)، من بطولة محمود ياسين، إبّان التنافس الفني بينهما، وقد كانا نجمي السينما المصرية الأوليْن في عقدي السبعينيات والثمانينات. وكما يروج بيننا، نحن العرب، حبُّ المفاضلة بين اثنين غالباً، (فريد الأطرش أم عبد الحليم، جريدة النهار أم السفير، العقاد أم طه حسين، فريق الوحدات أم الفيصلي، الأهلي أم الزمالك)، فقد شاع طويلاً شيء مثل هذا، نور الشريف أم محمود ياسين، فيما كلاهما حاذقان، وموهوبان باقتدار. ولكن، يحوز الشريف عدداً أكبر في الأفلام الأجود والأهم التي شارك فيها في خريطة السينما المصرية، فيما طاقة محمود ياسين في التمثيل أكثر براعة، (رأي شخصي غير ملزم). وأظن أن نجمنا الراحل، يوم الثلاثاء الماضي، كان الأكثر غزارة (وشغلاً) في أدواره (170 فيلماً و20 مسلسلاً)، منذ 1966، من زملائه المجايلين له، ومؤكد أنه كان الأكثر حضوراً في التظاهرات الإعلامية والثقافية والوطنية، المصرية والعربية، ومنها الفلسطينية، والسورية المنحازة إلى الثورة أخيراً.

كان محمود ياسين محقاً لمّا قال لنا، في دردشة صحافية معه، قبل أعوام، في الدوحة، إن السينما تُؤثر الشباب، وإن جيله ودّع هذه المرحلة، فمن الطبيعي أن يتناقص جمهور هذا الجيل، ويقلّ الشغف به. وقياساً، فإن أفلام نور الشريف، القليلة في العقد الأخير، لم تحظ بالاحتفاء الجماهيري الواسع، (باستثناء عمارة يعقوبيان، 2006)، وربما له ثلاثة مسلسلات تلفزيونية، أو أربعة على الأكثر، حققت مشاهدة عالية، فيما عبرت غيرها من دون كبير اكتراث، أما مسلسلات نجميَ المفضّل، محمود ياسين (هل من اللائق الجهر بذلك، فيما لكل مقام مقال؟)، فكانت أقلَّ حظاً. ولا يعني التأشير إلى حقائق مثل هذه تبخيساً من مكانة هذين الإسمين في السينما العربية، في زمن ولّى، كانت فيه مقادير الجمال والمحبة وفيرة، وكانت انتظاراتنا جديد نور الشريف وجديد محمود ياسين، مع سعاد حسني ونجلاء فتحي ويسرا (أمثلة) مواعيد مع البهجة وتوسّل الفرح والغبطة.

وفي مقام تلويحة وداع لنجم كبير، وممثل محترم، هو نور الشريف، تحضر إلى البال أدواره الأخّاذة في فيلم العار (1982، إخراج علي عبد الخالق)، وفي (سواق الأوتوبيس، 1982، عاطف الطيب)، وفي (ضربة شمس، 1980، محمد خان)، و(الصعاليك، 1985، داود عبد السيد)، وغيرها من أفلام تعدّ من عيون السينما المصرية. كما شارك الراحل في أفلام هزلية، قامت على المفارقات الخفيفة، والمشاهد المثيرة، وربما الجريئة بمقاييس المحافظة الثقيلة الوطأة في أيامنا هذه، وبمشاركة ممثلات السينما المصرية الجميلات، في شبابهن غير المنسي. وصحيح، كل الصحة، أن اقتدار أي ممثل إنما يتبيّن في تنوّع أدواره في مختلف مراحله العمرية، وقد أتقن نور الشريف، بإشراف أبرز مخرجي السينما المصرية (نجم يوسف شاهين الأهم مرّات)، أدوار الغضب والتوتر والقلق، والتي تقوم على تظهير تعبيراتٍ خاصة، قادمة من دواخل الشخصية وجوّانيتها، بشكل أبرع ممّا بدا فيه في أدوار أخرى، وهو الذي بدأ رحلته قبل 48 عاماً، في دور الفتى، الرومانسي الخائب، (أمام ماجدة الخطيب)، الأخ الأصغر في عائلة أحمد عبد الجواد في فيلم قصر الشوق (حسن الإمام، 1966)، عن الجزء الثاني من ثلاثية نجيب محفوظ الشهيرة.

أمّا وقد جمعت جنازة نور الشريف كل نجوم السينما والدراما المصريتين، تقريباً، وشارك فيها زملاؤه من جيله، محمود ياسين وعادل إمام مثلاً، فقد دلَّ ذلك، ليس فقط على مكانته الفنية الخاصة، بل أيضاً على سجاياه الإنسانية والأخلاقية، والتي كان ميسوراً أن يلحظها فيه الصحافيون في مناسباتٍ وتظاهراتٍ بلا عدد، ولعلّه النجم العربي الذي له صداقات خاصة وفيرة بين أهل الصحافة الفنية والثقافية، العربية عموماً. .. وردة محبة إليه، رحمه الله.

(العربي الجديد)