نكران الذات في مستشفى برزيلاي../ رامي منصور

نكران الذات في مستشفى برزيلاي../ رامي منصور

... وبما أننا نعيش أياما يقدم فيها شاب فلسطيني اسمه محمد علان جسده قربانا للحرية، فإن الحديث عن نكران الذات قد وجب. فعلان مثله مثل الشمعة التي تذوب من أجل إشعال شمعة ثانية، ليس لهدف سوى إنارة غرفة مريض أو زنزانة أسير.

وكما أن نكران الذات إلى درجة محوها بالكامل هو شرط  أساسي لقيام الصلاة والخشوع والتعبد، فإن التضحية الفعلية أو الرمزية هي شرط أساسي لوجود الذات. ومنذ فجر التاريخ، حضر القتل والأنانية، لكن حضرت أيضا وبموازاتهما التضحية ونكران الذات.

والتضحية بلا نكران للذات لا تسمى تضحية ولا تحمل قيمة حقيقية أو إضافية، ولا تخدم أي قيمة من القيم الإنسانية، لأن دافعها الحصول على مقابل، وغالبا ما يكون دافعا أنانيا، يدغدغ وينفخ الذات أو ما اصطلح عليه حديثا بـ'الإيغو'.

التضحية قيمة بذاتها هدفها الخير العام، ولا يمكن تسميتها بذلك إذا لم يكن في صلبها نكران الذات.

كل الديانات السماوية والعقائد الكبرى اشترطت نكران الفرد لذاته ودخوله إلى ذات جماعية تسعى إلى السعادة والطمأنينة - سعادة الفرد من سعادة الكل- سواء في الحياة الدنيا أو الحياة الآخرة. 

اقرأ للكاتب أيضًا | فلسطيني يكره عبد الناصر

وبما أن الحديث عن التضحية ونكران الذات استهللته بالأسير علان، فإن التضحية في أيامنا غالبا ما ترتبط بالنضال والعمل الوطني والمجتمعي وما إلى ذلك من تسميات عريضة. وصحيح أن كلا يناضل وفق ظروفه وسياقه، ولا تجوز المفاضلة بين نضال ونضال أو مناضل ومناضل، لكن تجوز المفاضلة بين ظروف نضال ونضال وبين تضحية وتضحية. فلا يمكن ادعاء النضال أو الحديث عن نضال حقيقي فيما هناك من يحفر تحت الأرض ليل نهار، أو يرابط أياما تحت شجرة عند خط حدودي، أو أسير يقاوم بجسده أو بحريته. 

ولا يمكن الحديث عن تضحية فيما ينام أطفال في العراء في الشتاء والصيف في غزة أو مخيم اليرموك، وطالما هناك أم لا تفارق باب غرفة ابنها الذي يحتضر على بعد أمتار منها، أو والد أسير يشق الحاجز بعد الحاجز، في الحر القائظ أو البرد القارس ليزور ابنه في أسره.

ويبدو ما ذكرته أعلاه أمرا بديهيا مفهوما ضمنيا، لكن كما لم تخل الديانات ممن يدعون النبوة، فإن التضحية لا تخلو أيضا من أدعياء التضيحة.

ونكران الذات هو المقدمة لنظافة اليد والأمانة والاستقامة، وهو المقدمة للتضحية والتفاني والإخلاص، وهي أنبل الصفات.

'بفضل أمريكا'

'بفضل أمريكا'، أصبح كشف الذوات المنفوخة سهلا للغاية لأن حضورهم يثير الاحتقار والشفقة في آن معا. وللدقة هم يكشفون أنفسهم بأنفسهم. إنه الـcheck in. 

و'بفضل أمريكا' بتنا نشتق مصطلحات وتسميات وسلوكيات جديدة. فمرة، كنا نلتقط صورة تذكارية مع مناضل أو أي شخصية عامة أو فنان. كان اسمها تذكارية وهكذا كانت بالفعل.

واليوم بتنا نلتقط للمناضل صورا مع أنفسنا، حتى أننا أصبحنا نحن المناضلين والمناضل الحقيقي في الخلفية كجزء من ديكور لمسرحية. 

وفي الأيام الأخيرة 'طاش فيسبوكي' بصور أبطال استخدموا والدة الأسير علان كديكور خلفي أو جانبي، وهم يحملون في يدهم قنينة ماء معدنية. 

اقرأ للكاتب أيضًا | الطفل علي… ضحية من؟

وكدت لوهلة أن افتخر بهولاء الأصدقاء الافتراضيين لفرط نشاطهم وحماسهم، واستحضر عقلي الباطني صوت فيروز وهو يصدح 'خبطة قدمكم على الأرض هدارة'، لكن رنين نوتفكيشن فيسبوك يبلغني أن 'يبدو أن أكثر من صديق يقضي أوقاتا ممتعة في عسقلان…'، وفجأة ظهرت إعلانات لفنادق في عسقلان وأسدود وبئر السبع. 

وفي الحقيقة أنني قررت الخروج إلى إجازة بعدما اطمأن قلبي، وأنا وأصدقائي الحقيقيون، بأن قضيتنا بأمان بعد الكم الكبير من check in الوطنية/ النضالية في الأسبوعين الماضيين، فبعد دوما كان دور مستشفى برزيلاي. 

السواد الأعظم من الناس والنشطاء ليس كذلك على الإطلاق، و'إن خليت بليت'، لكن ظاهرة الاستعراضات النضالية التي كنا نسميها مرة انتهازية ومشاريع وبطولات شخصية، بتنا نسميها نضالات افتراضية، وهي اخذة بالهمينة على المشهد الفيسبوكي وكلها تضخيم للذات… الفارغة.

 



نكران الذات في مستشفى برزيلاي../ رامي منصور