استشهاد ناجي العلي: طيّ المراحل../ رامي منصور

استشهاد ناجي العلي: طيّ المراحل../ رامي منصور

في مثل هذا اليوم (٢٩ آب/ أغسطس) من العام ١٩٨٧ استشهد الفنان الفلسطيني ناجي العلي في لندن متأثرا بإصابته برصاصة غدر في الرأس، ويمكن ذكر ثلاث استناجات أو دلالات رمزية حملها استشهاد ناجي العلي توجز الوضع الفلسطيني الراهن وما كان حينها.

(1)

يبدو أن رحيل ناجي العلي قد طوى مرحلة وأطلق مرحلة 'اضمحل فيها المثقف الفلسطيني'،  إذ كان العلي يقوم بأحد أهم أدواره كفنان بأن يكون نقديا 'مزعجا' للصديق قبل العدو. وقد حاولت طيلة الأيام الثلاثة الماضية استذكار اسم فنان أو مثقف فلسطيني كان نقديا و'مزعجا' للنظام السياسي الفلسطيني ورأسه الشهيد ياسر عرفات بقدر ما كان ناجي العلي، وكذلك كان تأثيره الذي لامس كل شرائح الشعب الفلسطيني. نعم، هناك أسماء كثيرة خطرت بذهني منها هشام شرابي وإدوارد سعيد وغيرهما، ولكنهما كانا أميركيان بقدر أو ربما أكثر مما كانا فلسطينيين، وكان نقدهما بالأساس في ما بعد أوسلو، كذلك نقدهما لم يكن شعبيا مثل رسومات ناجي العلي، الذي يقال إنه رسم ٤٠ ألف كاريكاتير ونشر منها ٨ آلاف فقط، وكانت تحريضا مباشرا على محاربة إسرائيل وفساد منظمة التحرير وجبن الأنظمة، إذ لم يكن 'صديقا' لأي نظام حتى لتلك التي اعتبرت نفسها ثورية ومقاومة.

المثقفون الفلسطينيون النقديون كثر لكن أحدهم لم يصبح 'في المركز' أي ليس في هامش الصورة، مثلما كان ناجي العلي، فرغم حدته وقسوته، أحيانا، ظل في وسط المشهد السياسي الفلسطيني، ولم ينجر إلى هوامش المشهد ويغرق في تعقيدات معتقداتها.

(2)

طوى رحيل ناجي العلي أيضا مرحلة انتهت بشكل نهائي مع ضمور نار الانتفاضة الأولى أوائل التسعينيات وتدشين مرحلة السلطة الفلسطينية.

وهي مرحلة تختلف عن سابقاتها، إنها مرحلة أوهام، لا أحلام ومشاريع تحرير. وهم السلام ووهم الدولة ووهم المفاوضات، وهم خلف وزارات ووزراء ونواب وزراء ومديري وزارات، حتى صار للثقافة وزارة ووكيل. المثقف الذي كان ثوريا في الأمس القريب انتهى به الأمر ليصبح موظفا في 'دولة' أي موظفا بيروقراطيا.

رغم كل ما تمر به القضية الفلسطينية من ضياع لم يسجل حتى اليوم حضور مميز للمثقف الفلسطيني النقدي الذي له تأثيرا واسعا، بحيث أصبحت الضفة الغربية وقطاع غزة مركز الثقل الفلسطيني، ومعها غرق المثقف الفلسطيني بهموم أخرى ليست بالضرورة لها علاقة بالتحرير.

مقارنة بما يحصل بالعالم العربي، وتحديدا مصر حيث للمثقف صوت رغم القمع والحبس، فإن لا صوت للمثقف الفلسطيني وإن كان له صوت فهو في هامش الهامش أو محصور في دوائر ثقافوية يحد من صداها الجدار الذي شيدته رام الله ليفصلها عن محيطها. وقد يكون المثقف الفلسطيني ذوّت هو الآخر واقع الاستسلام الذي رسخته السلطة الفلسطينية وعنوانه 'ما لم تحققه المفاوضات سيحققه المزيد من المفاوضات'. وقد يقول قائل إن انعدام المشاريع الثقافية النقدية هو ابن الظروف الموضوعية وانعدام المشروع الوطني الفلسطيني أو المشاريع الفلسطينية. في هذا الادعاء الكثير من الحقيقة لكنه لا يعفي المثقف الفلسطيني من طرح السؤال: لماذا تبخرت المشاريع؟ من المسؤول؟ والسؤال الأهم: ما العمل؟

كان المثقف الفلسطيني، ذات مرة، سواء كان رساما أو شاعرا أو حتى فنانا متضامنا مع الفلسطينيين، بوصلة للعموم وله حضور قوي. ولا داعي لتوصيف حال المثقف الفلسطيني البائسة الراهنة.

(3)

طوى رحيل ناجي العلي أيضا معه مرحلة كانت فيها المخيمات الفلسطينية في لبنان تحديدا وقود الثورة، سواء لجهة 'تصدير' المقاتلين أو لجهة الإبداع الفني، كانت المخيمات حاضنة، ولكنها أصبحت اليوم شبه منسية في الحياة الفلسطينية، بل وتواجه خطر تدميرها وإنهائها بكل ما يعني ذلك من أبعاد على إحقاق حق العودة، وتبديد قضية اللاجئين.

***

من علامات بهتان مرحلة تاريخية ما، هو انعدامها لأي رموز أو شخصيات أو مشاريع. فلكل مرحلة من مراحل التاريخ الفلسطيني الحديث أسماء ورموز ثقافية وسياسية، لها أغانيها ولها أشعارها ولها سلاحها، وحيث كانت السنين تقاس بما قبل الاجتياح أو ما بعده، ما قبل الانتفاضة وما بعدها. ولكن في الراهن الفلسطيني لا رموز ولا أشعار ولا مشاريع، وما سنذكره من القاموس السياسي الفلسطيني الراهن بعد سنوات ليس سوى تعبير VIP، فهو عنوان المرحلة.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018