عن العنف والفاشية/ أحمد ماهر

عن العنف والفاشية/ أحمد ماهر

لكي تحصل على أشخاص تسهل قيادتهم، وتضمن تبعيتهم، وطاقتهم التي قد تصل إلى قبول التدمير وقتل الآخرين من دون أي تأنيب ضمير، ازرع فيهم التطرف والتعصب وكراهية الآخر، وعليك إلغاء الرأي الآخر قبل كل شيء. هكذا شرح المفكر العسكري، كارل كلاوزفيتز الذي قال، أيضاً، إنه نادراً ما تخاض الحروب الحديثة من دون تأصيل الكراهية بين الشعوب. 
 
وقد يكون هذا من تفسيرات ذلك الخطاب العنصري الذي يلجأ إليه الفاشيون، فخطاب الفاشيين التكفيريين، أو الفاشيين التخوينيين، واحد، لا بد من وجود عدو، ونكرهه، ولا بد ألا يكون هناك أي تعاطف أو فهم للآخر المختلف. 

وفي كتابها 'في العنف'، ترى حنا أرندت (1975 - 1906) أن الاختلاف قد يضمن عدم تحول السياسة إلى عنف، وليس العكس، فمن الطبيعي والبديهي، وأحيانا الضروري، أن يكون هناك خلاف أو اختلاف بين الناس، لكن العلاقات بين الناس هي المعيار. وقد عانت المؤلفة في شبابها من الاعتقال في معسكرات النازي، ما جعلها تهتم بالمفاهيم والدراسات عن العنف والثورة والتطرف والفاشية. وفي كتابها أن العنف ليس ملازماً للسلطة فقط، فهناك عنفان، مجتمعي وثوري، وقد يكون العنف المجتمعي ناتجاً عن عنف السلطة أو العكس، وكذلك العنف الثوري، فماركسيون كثيرون، مثلاً، يباركونه باعتباره ضرورة لإيقاف عنف السلطة، أو للقضاء على العنف عموماً، والوصول إلى المجتمع المثالي، بعد مراحل الفوضى والعنف المتبادل. والعنف، عند حنه أرندت، كامن لدى الحاكم والمحكوم، السلطة والشعب، التنظيمات والأفراد. ولكن، لظهوره في المجتمعات ظروف وأسباب مختلفة، قد تكون قومية أو دينية أو عرقية أو اقتصادية أو سياسية. 

وعنف السلطة، أو عنف الجماعات الإرهابية، هو صراع حول 'امتلاك الحقيقة'، فالجماعات المتطرفة التكفيرية ترى منهجها وحده الحقيقة المطلقة، والآخر كافر لا حق له في الحياة، كما أن الأنظمة السلطوية/ العسكرية/الفاشية ترى أنها تملك الحقيقة المطلقة، وأن المحكومين مدنيون جهلة، والآخر خائن وعميل لا يستحق الحياة. 

وقبل منع الصحف والمجلات والكتب عني في السجن، قرأت دراسة للباحث لورنس بريت، وتطرقت لها مقالة للكاتبة أهداف سويف، طالعتها عندما كان مسموحاً بدخول جريدة الشروق إلى السجن في مرة نادرة. قرأت سمات رصدها الباحث، تميّز الأنظمة الفاشية، منها: المبالغة في استخدام الشعارات الوطنية والأغاني الوطنية والرموز. احتقار أفكار حقوق الإنسان، وتسويق أنها تتعارض مع الأمن القومي، والتمهيد للناس ليتقبلوا التعذيب والانتهاكات ضرورات لهذا الأمن. إيجاد عدو لتوحيد الصف، وخلف حالة حماسة للحرب ضد العدو أو إقصائه، وفي الأغلب، يكون هذا العدو أحد الأفكار المعارضة أو المختلفة مع نظام الحكم. وقد يكون هناك عدو فعلي، يتم تضخيم التهديد منه، من أجل سهولة الحشد. الإعلاء من شأن القوات المسلحة، بصفتها الحامي الوحيد للوطن، فيكون لها النصيب الأكبر من ميزانية الوطن، بدون محاسبة ولا شفافية. الشوفينية الذكورية. التحكم التام في الإعلام الحكومي والخاص، وكل المنصات والمنافذ الإخبارية أو المعلوماتية. التركيز على الأمن الوطني، وتضخيم المخاوف والتهديدات، لنشر الخوف والسيطرة على الجمهور. استعمال الدين في السياسة، واستخدام المشاعر الدينية لتحريك المواطنين. حماية مصالح رجال الأعمال ورؤوس الأموال الموالية للسلطة على حساب العدالة الاجتماعية. قمع القوى العمالية وتفكيكها، وإضعاف التنظيمات العمالية والفئوية، وإضعاف المجتمع المدني. احتقار الفكر والفنون ومعاداة التفكير الحر أو المستقل، ثم احتكار الثقافة وتدجينها ومعاداة الاتحادات الطلابية. إعطاء سلطات غير محدودة للشرطة، بحجة حفظ الأمن والنظام، مع التركيز على الأمن السياسي. انتشار الفساد والشللية وإيجاد طبقة من الموظفين في الدولة من أصحاب المصالح وشبكات الفساد الموالية للسلطة بداخل الجهاز الإداري للدولة، لضمان الولاء القائم على المصلحة، ولمقاومة أي محاولة للإصلاح أو التغيير. التلاعب في الانتخابات، بتزوير مباشر أو دعم غير مباشر للحلفاء، أو تشويه الخصوم والمعارضين أو قمعهم أو حبسهم، أو تفصيل القوانين لضمان الأغلبية أو الهيمنة التامة. 

أخيراً، ماذا تتوقع أن يكون مستقبل المجتمعات التي فيها كل ما سبق؟ 
 
(العربي الجديد)

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018