أوروبا تدفع ثمن استعمارها../ بلال ضاهر

أوروبا تدفع ثمن استعمارها../ بلال ضاهر

بعد أن تحول التاريخ إلى علم، ورغم أنه ليس من العلوم الدقيقة، إلا أنه بات واضحا أن لا شيء في التاريخ يحدث صدفة، وإنما هناك، دائما، سبب ونتيجة. ونشهد الآن تاريخ الوطن العربي، الذي سترويه الأجيال القادمة، وستبحث فيه وتحلله.

نشهد اليوم موجات هجرة ملايين السوريين واليمنيين والليبيين والسودانيين والأفغان، وقبل عشر سنوات شهدنا هجرة العراقيين، التي ما زالت مستمرة حتى اليوم. ويطلب هؤلاء المهاجرون الحصول على حق اللجوء في دول أوروبية بالأساس، وفي أوروبا الغربية خصوصا. فهذه دول تتمتع باقتصاد قوي ورفاهية العيش وتمنح حقوقا للاجئين، تمكنهم من العيش حياة كريمة، أو على الأقل حياة أفضل بما لا يقاس مع الحياة في أوطانهم، للأسف الشديد.

ويبدو للوهلة الأولى أن الجماعات الجهادية المسلحة، مثل "داعش" و"جبهة النصرة" وغيرهما، هي السبب لهذه الهجرات وموجات اللاجئين الهائلة. لكنها ليست أكثر من أن تكون السبب المباشر. وهناك أسباب أخرى، مثل طبيعة الأنظمة القمعية والمستبدة، التي تجثم على صدور مواطنيها لسنوات طويلة ولا تترك مجال لشعوبها برؤية أفق الانفراج.

وفي مقابل ذلك، ينظر قسم كبير من مواطني الدول العربية، بنوع من الحسد، إلى الوضع في أوروبا، الغربية بالأساس، التي تصور نفسها كدول تحافظ على حقوق الإنسان وكرامته، وهي فعلا كذلك. لكن استغلال الشرق هو أحد أسباب رفاهية الغرب.

خلال القرنين الماضيين، استعمر الغرب، وإن لم يكن كله، الشرق الواسع وتقاسم النفوذ فيه. وفي بداية القرن الماضي، بعد انهيار السلطنة العثمانية، فرض الغرب انتدابه على الشرق، ثم قسمه إلى أقاليم ودول تحت وصايته، من خلال إقامة دولة هنا وغرس أخرى هناك، وبنى أنظمة فيها تتلاءم مع سياسة وأطماع المستعمر. فخريطة الشرق الأوسط التي نعرفها الآن رسمتها الدول الأوروبية الكبرى، خاصة بريطانيا وفرنسا.

وبعد استقلال الدول العربية، بقي الغرب جاثما على صدر شعوبها، ليس باحتلال عسكري، وإنما باستعمار اقتصادي، يمكن القول إنه امتص دم شعوب الشرق، لأنه استولى على خيراتهم ومواردهم، من جهة، ورأى بهم سوقا كبيرة لبضائعه ومنتجاته، من الجهة الأخرى.

كل هذا لا يعفي الولايات المتحدة من دفع ثمن سياساتها في الشرق. لكن أوروبا الغربية كانت داعمة دائما للسياسات الأميركية، ولا تزال. وأبرز هذه السياسات تتمثل بدعم أميركا وأوروبا للأنظمة العربية المستبدة، التي تعمل ضد مصلحة مواطنيها، ولكن لخدمة مصالح الغرب.

وأميركا بعيدة بالنسبة لعربي يريد الهجرة من موطنه وطلب اللجوء في دولة غربية. لذلك، ربما لن تدفع ثمن سياساتها ضد الشرق من خلال تحمل عبء استقبال عشرات آلاف أو مئات آلاف اللاجئين. لكن أوروبا قريبة، نسبيا، وعلاقاتها الاستعمارية مع الشرق أطول بكثير، ولذلك ستدفع ثمن استعمارها باستقبال اللاجئين وتحمل أعباء ذلك، على أمل أن يعودوا إلى أوطانهم بعد تغير أوضاعها.   

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018