لسنا صورا../ مصطفى إبراهيم*

لسنا صورا../ مصطفى إبراهيم*

* كاتب فلسطيني وناشط في مجال حقوق الإنسان - غزة

لا تزال دول الاتحاد الأوروبي برغم المأساة السورية المستمرة تعيش حالة من الإرباك في مواجهة موجات اللاجئين، وهي لا تزال تركض خلف الرؤية والإملاءات الأمريكية ومصالحها في الدفاع عن شرطي المنطقة إسرائيل، ولم تتحرر منها، ولم تجرؤ على اتخاذ مبادرة أو خطوة سياسية لوضع حد نهائي للقتل اليومي المستمر، ورائحة الموت السوري التي تحوم في سماء أوروبا وشواطئها.

موجات اللاجئين أجبرت دول الاتحاد الأوروبي المتخبطة على تناول الأزمة السورية من زاوية إنسانية وليست سياسية، تمثلت باستقبال اللاجئين السوريين الذين ولجوا البحر هربا من القتل، وبحثا عن الكرامة الإنسانية والأمان الشخصي، بعد أن استخدمت دول أوروبا كل الوسائل لوضع حد لوصول موجات اللاجئين إليها. ولولا مقتل 71 إنسانا ماتوا اختناقا في شاحنة مبردة أثناء محاولة تهريبهم من هنغاريا إلى النمسا لما تغير الموقف الأوروبي من اللاجئين.

فجريمة الشاحنة تركت آثاراً كبيرة على الأوروبيين بعد أن تناولتها وسائل الإعلام الأوروبية خاصة الألمانية، وتداركت مستشارة ألمانيا، أنجيلا ميركل، الكارثة المحيطة بأوروبا والعار الذي يجللها في موقفها من القضايا العربية خاصة الأزمة السورية، وتبنت سياسة جديدة في موقفها من قضية اللاجئين والمقاربة بين قيمها الإنسانية والديمقراطية والأخلاقية، وخطر تدفق اللاجئين وما يشكله من عار عليها، وقامت بقيادة حملة فاجأت الكثيرين في أوروبا، واتخاذ موقف إنساني بالدفاع عن كرامة اللاجئين وحقهم في الحياة وتوفير لهم ملاذ آمن.

أوروبا التي تتباكى على اللاجئين السوريين، وفي مقدمتها ألمانيا و رئيسة حكومتها المستشارة أنجيلا ميركل، تعاطت مع الأزمة السورية منذ البداية باستخفاف ولم تبذل مساعي حقيقية، فهي ركضت خلف سياسة ومصالح بريطانيا و فرنسا وإيطاليا في تدمير العراق وليبيا.

ميركل دعت إلى استيعاب اللاجئين السوريين وغيرهم من العالم الثالث الفارين من الظلم والقهر في بلادهم، وتوزيعهم على دول أوروبا، وإنقاذ ما تبقى من إنسانية. أوروبا هي شريك في مأساة الليبيين والعراقيين، ومأساة ومجزرة العصر للسوريين المستمرة منذ أربعة أعوام. وهي شريك في جريمة الصمت و التواطؤ على البراميل والذبح والحرق، وتصدير الإرهابيين إلى سورية والعراق عبر تركيا الشريك أيضاً مع أوروبا وتدعي أنها تستوعب اللاجئين، وهي ربما محاولة من أردوغان للضغط على أوروبا للتدخل عسكرياً في سورية.

اللاجئون السوريين ليسوا مجرد صور، ولا يمكن اختزال مأساتهم بصورة الطفل الموجعة التي هزت مشاعرهم إلى حين، أو التحرك من أجل اللاجئين الذين قضوا في خزان مبرد وموتهم، ولا صورة بائع الأقلام في بيروت واختزالها بالتبرع له بالمال. الموقف الإنساني و الأخلاقي لا يتوقف عند حدود الصورة واستقبال مليون سوري، هذا لن يحل مأساة السوريين، و لن يكون الصرخة الأخيرة من صفحات العار العالمي.

صورة السوري هي صورة أطفال غزة الذين مزقتهم القذائف الإسرائيلية المستوردة من أمريكا وبريطانيا وألمانيا، ودعمها المطلق لإسرائيل وللحرب على غزة، وحصارها من ثمانية أعوام، بينما تموت الناس حسرة وسجناً لعدم الاستجابة لشروط الرباعية، و من أجل حماية دولة القتل التي تتنكر لحقوق الفلسطينيين، والمجتمع الدولي، بما فيهم العرب، شركاء في جريمتهم المستمرة بحقنا منذ 68 عاما.

دول أوروبا تتحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية بعلاقتها بأنظمة القهر والاستبداد والقتل والتخلف العربي، وشراكتها مع إسرائيل والدفاع عنها، والتحالف معها والدفاع عنها حسب مصالحها. الموقف الأوروبي واجب إنساني وأخلاقي مجبرة على القيام به، وهو الحد الأدنى، كما هو واجب المجتمع الدولي لتأمين ملاذ آمن للاجئين وفرض السلام والأمن لكل البشر.