غاز المعارضة..وغاز النظام/خالد تيتي

غاز المعارضة..وغاز النظام/خالد تيتي

عرب ٤٨

كثر اللغط في الأيام السابقة حول موقف العرب (القائمة المشتركة في البرلمان)، من القانون الذي ينظم سوق الغاز الطبيعي وأرباحه، وحول مشروعية إبرام صفقة مع الحكومة، يدعم بها العرب تمرير القانون العالق مقابل تنفيذ مطالب اقتصادية وسياسية لصالح الأقلية العربية في الداخل.

لماذا تصوت القائمة المشتركة ضد قانون الغاز الطبيعي الذي تطرحه الحكومة؟

 حتى لو أقحمنا النقاش في أدق التفاصيل حول القانون وتبعاته الاقتصادية والاجتماعية الطبقية و'الوطنية الإسرائيلية'، وجلبنا لأجل ذلك مختلف المسوغات والتفسيرات، الإجابة للسؤال أعلاه بسيطة: لأن اقتراح القانون هو اقتراح حكومي، ونحن 'حزب معارض' لا نصوت 'مع' اقتراح قانون حكومي، ويجب أن نعارض الحكومة برلمانيا، وليس فقط سياسيًا. هل نحن فعلا 'حزب معارض'؟ او 'حزب معارضة'؟ هل يجب أن يجمعنا اصطفاف المعارضة مع حزب كـ'يش عاتيد' أو 'يسرائيل بيتينو'؟ أو حتى 'المعسكر الصهيوني' وميرتس؟ هل يجب أن نسبح بلا هوادة في فضاء الجملة الفضفاضة، التي لا لون لها ولا طعم:'يجب أن نسقط هذه الحكومة العنصرية' (برلمانيا؟!؟)، هل يجب أن نعيش ونتعايش مع فكرة السباحة مع تيار المعارضة الصهيونية، التي لا تقترب من حدود الإجماع الصهيوني ومنظومة الحفاظ على يهودية الدولة، بل تعمل جاهدة لتبقي عليها وتحفظها وكرامتها المرة تلو الأخرى؟ ألم يصوت المعسكر الصهيوني قبل أيام مع ما يسمى قانون الإرهاب الذي يجرم أي نشاط سياسي حتى وإن كان 'ارتداء بلوزة' ونحن 'نجلس معه في المعارضة'؟ ألم يخرج حزب يش عتيد من التصويت على قانون الإطعام القسري الحكومي مما أتاح لنتنياهو تمريره الساعة الخامسة فجرًا ونحن 'نجلس معهم في المعارضة' وأين هي الأحزاب اليهودية المتزمتة اليوم، التي 'جلسنا معها في المعارضة' في الأمس؟

يجب أن نقولها بشكل واضح: لسنا حزب معارضة!

المعارضة التي تشكل في نظام الحكم البرلماني النسبي، آلية لضمان سير العملية الديمقراطية عبر دور الرقابة السياسية، التي تقوم به، بالإضافة إلى خلق توازن بين القوى السياسية لمنع استئثار الحزب أو الائتلاف الحاكم، كما أن إعطاء مكانة رسمية للمعارضة، تهدف إلى ضمان فرصة لمختلف القوى السياسية لتداول السلطة، وذلك كله ضمن الإجماع والعقد السياسي المتعارف عليه في كل دولة.

إذًا، فكما لا نشارك بالائتلاف يجب أن لا 'نشارك' في المعارضة!

لم تكن هذه الأسئلة لتُطرَح لولا الصفقة التي يعرضها نتنياهو على العرب (في الإعلام)، بدعم أو تسهيل عملية تمرير قانون الغاز الطبيعي، مقابل ميزانيات للعرب. لأن المشتركة هي الحزب الوحيد خارج الائتلاف الذي يمثل شريحة اجتماعية واضحة المعالم (العرب)، حيث يمكن من خلال ذلك تمرير ميزانيات أو قرارات تصب في صالح العرب مباشرة.

لا أدعو بتاتا إلى الهرولة والقبول بهذا العرض أو قيادة دعمه وتحويله إلى واقع، فلم يُخاض نقاش جدي حتى الآن، حول الإسقاطات الاقتصادية المتعلقة بمعايير العدل الاجتماعي وملائمة الرؤية الاقتصادية لمطالبنا كأقلية قومية، ولسنا جاهزين بكل الأحوال لتحويل القائمة المشتركة لرافعة تعنى بشؤون العرب القومية، ولا نجيد في هذه المرحلة تقييم واستثمار القوة السياسية الحقيقية للمشتركة (كقائمة تمثل اقلية قومية)، إلا أن هذه الحالة التي نحن في خضمها الآن، تتطلب منا وقفة جادة مع النفس، حول ماهية المشاركة في اللعبة السياسية، ضمن القائمة المشتركة، لأن جدلية السياسي والبرلماني من الممكن أن تأخذنا إلى طرفي نقيض في آن:

أما أن تتحول ديناميكية القائمة المشتركة البرلمانية إلى إطار يمثل المصالح القومية لفلسطيني الداخل ويستثمر الوزن النوعي لوحدتهم وتنظيمهم على أساس قومي؛ وإما أن تتحول القائمة المشتركة إلى حزب معارضة عادي يستيقظ صباحًا 'ويذهب للعمل' في الكنيست من دون أي نية أو هاجس داخلي، يرى بمقارعة الاجماع الصهيوني عبر بناء أفق لإجماع قومي، هدفًا رئيسًا.

تلخيص هدفه فتح النقاش:

التصويت ضد قانون الغاز ما هو الا تصرف عشوائي كحزب معارضة إسرائيلي يرى نفسه نقيض الائتلاف لا غير، ومثله، قصر النظر والشعبوية في رفض أي حديث عن صفقة مع الائتلاف. ولا ضير في اصطلاح 'صفقة' هنا، فثمة صفقات مُبصرة، كما أن المشاركة الكنيست هي صفقة مبصرة كما نرها نحن بكل ثقة بالنفس.

وَجَبَ التفكير الجاد بالعمل المستقل مستقبلا بدون تبعية للمعارضة الإسرائيلية أو الشعور بالوصاية منها، وعندما نقول صفقة، فالحديث إذًا، عن أقلية قومية لا ترضى بأقل من حجمها من مورد طبيعي 'وطني'!

 كما أسلفت، لسنا جاهزين لمثل هذه الصفقات، لكن الديناميكية البرلمانية التي نحن بصددها ستنتج حالتين، إما قائمة مشتركة ذاهبة نحو طفرة في تنظيم العرب قوميًا، وإما نحو حزب معارضة يستيقظ صباحا ويذهب للعمل في الكنيست.

 لا أدري إن كانت خطوات كإبرام صفة الغاز سيفضي عن الحالة الأولى، هذا موضوع يستحق البحث. ولكن التصويت العشوائي كمعارضة نقيضة الائتلاف ستنتج الحالة الثانية على المدى البعيد حتمًا.